قراءة نقدية في رؤية أيمن عودة: نظرية الانقاذ وفخ الأقلية

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

أعلن أيمن عودة عزمه على عدم الترشح مرة أخرى للكنيست خلال الدورة القادمة. وفي مقال نشر في موقع "سيحا ميكوميت"، حاول تلخيص إرثه، قالت الباحثة د. ميسون ارشيد شحادة إنه "نجح كمثقف لكنه أخفق كقائد". ومع ذلك، لا شك في أن عودة أحد القادة البارزين في تاريخ الفلسطينيين مواطني إسرائيل. فهو لم يترأس القائمة المشتركة منذ لحظة تأسيسها عام 2015 فحسب، بل قدّم أيضًا رؤية للفلسطينيين في إسرائيل.

وقد بسط عودة جزءا كبيرا من هذه الرؤية في كتاب صدر قبل 7 أكتوبر. وتقبع في صلب الكتاب ما أسميه أنا هنا "نظرية الإنقاذ"، أي الكيفية التي يمكن للفلسطينيين المواطنين في إسرائيل من خلالها أن يفضوا إلى إنهاء احتلال وقمع إخوتهم الفلسطينيين الذين يرزحون تحت النظام العسكري الإسرائيلي. وتصير هذه النظرية حرجة ومهمة الآن أكثر من أي وقت مضى في ظل القتل الجماعي، "الدوميسايد"، الجينوسايد، وجرائم الحرب الواسعة التي ترتكبها إسرائيل بحق قطاع غزة وأهله.

صاغ عودة هذه الدافعية الأخلاقية والوطنية لدى الفلسطينيين في إسرائيل بالمقارنة مع أقليات أخرى: "خلافًا للمقارنة التي يتبنّاها البعض من النخبة السياسية، فليس وضع المواطنين العرب كوضع مواطني كيبيك في كندا، ولا كوضع الأقلية الألمانية في إيطاليا، ولا الفلمنك (ذوي الثقافة الهولندية) أو الوالون (ذوي الثقافة الفرنسية) في بلجيكا. المواطنون العرب ليسوا أقلية قومية وأصلانية فحسب، بل هم أيضًا جزء من الشعب الفلسطيني، الذي تحتل دولة مواطنتهم جزءًا كبيرًا منه، وهي مسؤولة عن تهجير جزء كبير منه، وبين الواجبات الوطنية للمواطنين العرب، استخدام وزنهم السياسي لصالح هذه القضايا العامة…" (ص 64).

عودة مُحقّ. فالفلسطينيون مواطنو إسرائيل، كما أسماهم عالم الأنثروبولوجيا الإسرائيلي دانئيل رابينوفيتش، "أقلية عالقة في مأزق"trapped minority ". وللتدقيق أكثر، المقصود مأزق "ما بعد تقسيمي" post-partition أي أقلية وجدت نفسها على الجانب "غير الصحيح" من حدّ التقسيم. وقد اقترح عالم الاجتماع الأميركي المعروف روجرز بروباكر بحث الأقليات من هذا النوع بمقاربة ثلاثية تأخذ بالحسبان الديناميكيات بين قومية الأقلية، ودولة المواطنة، والقومية الأم ("الوطن الخارجي" كما سمّاه بروباكر). وعلى الرغم من أن الكثير قد كُتب حول الأقلية الفلسطينية في إسرائيل، لا تكاد توجد كتابة منهجية تقترح "نظرية إنقاذ" لأقلية كهذه. الدقة هنا مطلوبة، التقسيم في فلسطين لم يحدث أبدًا ولكن الخيال السياسي للتقسيم يخلق "هنا" و"هناك"، وهذا موجود بالفعل. وفي صفوف الفلسطينيين في المواطنة الإسرائيلية، يزداد ذلك بشكل خاص حتى أن تصورهم الذاتي كأقلية تكوّن فقط مع استيعاب الخيال التقسيمي الذي ارتبط بعملية أوسلو.. باختصار، لا يوجد تقسيم جغرافي فعلي وإنما يوجد تقسيم سياسي، وأساسًا هناك تصور لتقسيم تحويلي، مما يؤسس الفلسطينيين في المواطنة الإسرائيلية ليس فقط كأقلية سياسية، وأصلية، وإثنية-وطنية، بل أيضًا كأقلية "ما بعد تقسيمية". سأعود للتوسع في هذا الأمر.

القسم الأول: نفي الثنائية القومية الكولونيالية

المحور المركزي للتماهي الذي يَصوغ السياسة الفلسطينية في إسرائيل هو ذلك الذي يقف في أحد طرفيه المواطنة الإسرائيلية، بما في ذلك معناها النفسي والتجريبي بوصفها "إسرائيلية"، وفي طرفه الآخر القومية الفلسطينية. ويتموضع عودة أقرب بكثير إلى الطرف الفلسطيني على هذا المحور. ومع ذلك، لم يختر عودة—وربما لم يكن بوسعه أن يختار—استبدال كلمة "الوطنية" الواردة في عنوان كتابه بكلمة "القومية".

هذا الاختيار يكشف، منذ عنوان الكتاب، أثر الفكر الشيوعي والتحليل الطبقي–المادي في تفكير عودة. فهكذا، في قرار المؤتمر الخامس والعشرين للحزب الشيوعي الإسرائيلي عام 2009، الحزب المرتبط به عودة بطبيعة الحال، كُتب: "لطالما حلّلنا المجتمع الإسرائيلي بوصفه مجتمعًا طبقيًا. لم يتبلور اليهود في فلسطين ثم في إسرائيل كطبقة كولونيالية موحّدة، بل تميّزوا بانقسام طبقي وبصراع طبقي داخلي. لذا فإن التحليل الطبقي أنسب للواقع الإسرائيلي من النموذج ما بعد الكولونيالي، الذي يكون الصراع الأساسي بموجبه، في نهاية المطاف، صراعًا قوميًّا" (التشديد منّي). وبالفعل، لا نجد في أطروحة عودة أي أثر للنموذج ما بعد الكولونيالي بوصفه إطارًا تحليليًا، وصفيًا وتفسيريًا؛ فهو لا يستخدم الإطار وأدوات التحليل القائمة على ثنائية السكان الأصليين/المستوطنين، ولا يقترح، بطبيعة الحال، خطوات سياسية تحويلية استنادًا إلى هذا الإطار.

غير أنّه، أكثر من رفضِ عودة للتحليل ثنائيّ القوميّة، يرفض ما أسمّيه هنا "الثنائيّة القوميّة الكولونياليّة". فالثنائيّة القوميّة الكولونياليّة هي النظريّة المركزيّة، إن لم تكن الحصريّة، لدى النخب الفلسطينيّة الأكاديميّة والفكريّة وكذلك لدى اليسار اليهوديّ الراديكاليّ. ووفق هذه النظريّة، فإنّ النقاش بشأن الثنائيّة القوميّة في فلسطين/أرض إسرائيل ليس سوى طبقة وإنْ كانت ضروريّة وملزمة، في سياق الاعتراف بالبنية الفوقيّة الكولونياليّة–الاستيطانيّة للصهيونيّة والتعامل معها.

وتقوم "الثنائيّة القوميّة الكولونياليّة" في أساس "وثيقة الرؤية المستقبلية" التي صاغتها النخبة الفلسطينيّة في إسرائيل عام 2006. وتبدأ هذه الوثيقة بتوصيف إسرائيل بوصفها "نتاج فعل كولونيالي"، وتواصل بطرح مطلب الاعتراف بالثنائيّة القوميّة (وإنْ كان ضمن حدود دولة إسرائيل). وقد قاد الاعتراف بـ"الثنائيّة القوميّة الكولونياليّة"، على سبيل المثال، القانونيّ الفلسطينيّ–الإسرائيليّ رائف زريق إلى اقتراح أن يتولّى الفلسطينيّون دورًا فاعلًا في "انقاذ اللحم القوميّ (اليهوديّ) من العظم الكولونياليّ" للصهيونيّة.

عودة واعٍ للحقيقة التاريخية–الاجتماعية–السياسية القائلة إنّه لا يمكن فهم المجتمع الإسرائيلي من دون فهم أنّ الصهيونية حركة استيطانية استعمارية، لذلك، يُستحسن فهم تجاهله للنظرية ما بعد الكولونيالية بوصفه انشغالًا بكيفية ترجمة هذه النظرية إلى فعل سياسي. وقد حلّل عالم الاجتماع أوري شفارتس الصعوبة التي تخلقها ترجمة هذه النظرية إلى السياسة، إذ قال في مؤتمر الجمعية السوسيولوجية الذي انعقد بعد نصف سنة على  7 أكتوبر: "إنّ هذه النظرية تُعسِّر الإشارة إلى المصالح المشتركة للفلسطينيين واليهود، وبناء ذات سياسية يهودية–عربية حول دفع هذه المصالح. فإذا كانت اللغة الكولونيالية تُسهم في الفهم في الحقل الأكاديمي، فإنها في الحقل السياسي تتحوّل إلى عائق يُصعّب نزع الاستعمار، على نحوٍ ينقض بشكل مفارق أمل المتحدثين بها". (التشديد منّي).

تقليل التركيز على الثنائية القومية

غير أنّ عودة لا يكتفي برفض أو تجاهل الثنائيّة القوميّة الكولونياليّة، بل يتبنّى أيضًا ما سأسمّيه هنا "ثنائيّة قوميّة مُخفّفة" (toned down nationalism). "لقد لاحظتُ أنّ اليمين، كلّ يمين، مغرمٌ بالرموز"، يكتب عودة، "أمّا أنا فأرى أنّ واجب اليسار أن يركّز على المضامين كي يتقدّم، من دون إهمال الرموز، ولكن بالطبع من غير التوقّف عندها» (ص 84). "الرموز" هنا، في رأيي، اسمُ شيفرة للمقاربة القوميّة لتحليل العلاقات بين الفلسطينيين واليهود، التي تُبرز موارد الوعي والموارد الرمزيّة والتوزيع العادل للاعتراف. في المقابل، "المضامين" هي تعبيرٌ عن المقاربة المادّيّة لتحليل العلاقات. ووفق مقاربة "المضامين"، بعبارة عودة، فإنّ العدالة التوزيعيّة تَسبق الاعتراف وتفوقه أهميّة.

وبذلك يردّد عودة نقدًا معروفًا للقوميّة الليبراليّة لانشغالها بسياسات الهويّات وبالاعتراف أكثر من العدالة التوزيعيّة. غير أنّ عودة، في هذا القول، يتجاهل أنّه في حالتنا تصبح الصلة بين الرمزيّ والمادّيّ حادّة وملحة؛ الصلة بين عدم الاعتراف بالقوميّة الفلسطينيّة للأقلية العربيّة في إسرائيل وبين اللامساواة المادّيّة العميقة التي تعانيها. في حالتنا يدور الحديث عن "اعترافٍ عدائئ"  (hostile recognition) ، أي اعترافٍ بالانتماء القوميّ الفلسطينيّ للمواطنين العرب مع إقرانه بإلصاق قيمٍ سلبيّة به.

موقف عودة بعيد عن الاتساق. ففي كتابه يذكر لقاءً مع المؤرّخ زئيف شتيرنهل، الذي قال له إن المكانة المهنية العالية لليهود في أوروبا لم تحمِهم من العنصرية والعنف. والاستنتاج الذي خلُص إليه عودة من اللقاء هو أنّ "التطوّر المهني والاقتصادي لأقلية قومية من دون مناخ ديمقراطي يغذّي التحريض ضدها وقد ينقلب عليها" (ص 74–75). وقد ذكر عودة هذا اللقاء مرارًا، ما يشي بوضوح بأنه أثّر فيه، غير أنه لا يذكر الخلاصة التي يبدو أنها تترتّب عليه: إنّ "مناخًا ديمقراطيًا" مهمته منع "الانقلاب" (الذي قد يتجلّى في القمع والتمييز في أحسن الأحوال، وفي التطهير العرقي بل الإبادة الجماعية في أسوئها)، ينطوي على اعتراف رمزي إيجابي. أي إن ثمة حاجة إلى التركيز على "الرموز" لا على "المضامين" فحسب.

ويجدر التنويه إلى أن استنتاج عودة من لقائه مع شتيرنهل، ومفاده أن تقدّم الأقلية اقتصاديًا ليس ضمانة للاستقرار، يناقض مقابلة أُجريت معه عام 2019 تناول فيها الوضع في نتسيرت عيليت/نوف هجليل. قال آنذاك: "إحدى المسائل الفلسفية المهمة في القرن التاسع عشر هي مَن ينتصر عند تصادُم العنصرية والرأسمالية". وتابع: "إلى جانبنا توجد نتسيرت عيليت التي بُنيت بغرض تهويد المنطقة، أي إن المنطق الكامن وراء إقامة المدينة كان عنصريًا. فماذا حدث؟ 31% من سكان نتسيرت عيليت فلسطينيون. لماذا؟ لأن السوق ينتصر على الأيديولوجيا".
عودة، بحسب تصريحه هو نفسه، أحدُ الآباء البارزين للقرار 922 الرامي إلى دفع خطة خماسية للمجتمع العربي عبر تصحيح اختلالات في آليات التخصيص الحكومية، والذي أُقِرّ عام 2015 بكلفة 15 مليار شيكل. غير أنّه باقتباسه أقوال شتيرنهل، يشير عودة، بصورة غير مباشرة، إلى الصلة المعقّدة بل الإشكالية بين تعزّزٍ ماديّ واقتصاديّ وطبقيّ وبين غياب إدماج رمزي. وبقدرٍ ما، يُضعف هذا التمييز خياره الدفعَ بقومية مُخفّفة (toned down nationalism) يُستفاد منها تفضيل "المضامين" على "الرموز"، أي الإنجازات المادية على حساب الاعتراف القومي.

القسم الثاني: التثليث بوصفه براديغمًا مُؤسِّسًا

العنوان الفرعي لكتاب عودة، "رؤية لتجديد المشروع السياسي للفلسطينيين في إسرائيل" قد يبدو للوهلة الأولى مألوفًا أو عابرًا، لكنه في الواقع بعيد كل البعد عن الابتذال، إذ يعكس إحدى أهمّ البراديغمات لدى عودة، والتي مفادها أنّ الجمهور الذي يتوجّه إليه الكتاب يملك مصيرًا مميّزًا عن سائر المجموعات الفلسطينية، لكونه جزءًا من المواطنة الإسرائيلية. وبصورة مكمّلة، يكتب عودة صراحة أنّ المعنى السياسي لانتماء المواطنين العرب إلى الهوية الفلسطينية لا يكمن في كونهم جزءًا من مشروع تحرّر أو من مشروع إقامة دولة فلسطينية، رغم دعمهم لهذين المشروعين.

إنّ هذا المصير المميّز  يُنتج تصورًا ذاتيًا للأقلية، بحيث يصبح استخدام وصف "أقلية" ليس مجرّد خيار وصفي، بل هو – وربما بالأساس – نتاج خيال تحويلي يعكس فهمًا، وأيضًا، وربما بدرجة أكبر، بناءً على واقع قائم ومرغوب فيه. ويمثّل ذلك في جوهره عملية "أقلوة"  (minoritizing)، يستخدمها عودة لوصف الحاضر وكذلك المستقبل المتخيَّل المستمر. هذا الخيار يقوم على قرارين آخرين سابقين ومترابطين: الأول هو استبطان المواطنة الإسرائيلية، والثاني تبنّي حلّ "الدولتين" بصيغته السائدة.

كما أشار الكثير من الباحثين، فقد محَت إسرائيل فعليًا الخطّ الأخضر أو على الأقل شوّشته، وجعلت من نفسها صاحبة السيادة فعليًا de facto على الحيّز الواقع بين البحر والنهر. غير أنّ محو (أو تشويش) الخطّ الأخضر—كما نبّهت إلى ذلك مؤخرًا عالمة الاجتماع يعيل بردا—لم يؤدِّ إلى توحيد بين الفلسطينيين "هناك" في الأراضي المحتلّة والفلسطينيين "هنا" في إسرائيل ذاتها. بدلًا من ذلك، حوّل هذا المحو للخط الأخضر المواطنة الإسرائيلية إلى خطّ التقسيم الرئيسي، إن لم يكن الحصري، بين "هناك" و"هنا"، بين الرعايا الفلسطينيين والمواطنين الفلسطينيين.

ولا تقتصر هذه القسمة على الوضع القانوني، إذ تتكوّن أيضًا من فرقٍ في خبرات العيش. وهكذا، في غياب قسمة جغرافية فاعلة (في غياب الخط الأخضر)، تغدو المواطنة هي الحدّ الذي يُنتج التمايز داخل الجماعة الوطنية الفلسطينية ويُقطّع الجسد الوطني الفلسطيني. إذًا فإن "الأقلوة" (minoritizing) لدى عودة - أي تصوّر المواطنين العرب أقليةً ذات مصير مغاير - غيرَ ممكنٍ من دون استبطان المواطنة الإسرائيلية.

وبصورة متمّمة، يحذّر عودة، في أحد أكثر مقررات كتابه جزمًا، من التخلي عن حلّ الدولتين: "إنني أحذّر من التخلّي عن المنجزات المتراكمة العميقة واستبدالها بالهروب إلى الأمام نحو حلّ الدولة الواحدة، الذي لا يحظى بتأييد لدى أكثرية الشعبين، ولا بتأييد دولي" (ص 108).

أي، إنْ كان المستقبل المتخيَّل مستقبلَ دولتَين، بحيث تصير المواطنة الإسرائيلية المُستبطَنة حدًّا "داخل–فلسطيني" لا حدًّا بين إسرائيليين وفلسطينيين فحسب، فقصيرةٌ هي المسافة من هناك إلى تبلور وتعزيز التصوّر الذاتي للفلسطينيين في إسرائيل بوصفهم أقلية.

 

الثنائية القومية غير المتماثلة: البنية الدستورية–المؤسسية

يعتمد البراديغم "المثلّث" الذي يتبنّاه عودة على ثلاث "مجموعات أساس"—يهود إسرائيليون، رعايا فلسطينيون، وأقلية فلسطينية داخل المواطنة الإسرائيلية. غير أنّ هذا البراديغم يُنتج توتّرًا، إذ يلتقي، إن لم يصطدم، بمبدأ الثنائية القومية الذي يفيد بأنّ أي حلّ عادل لفلسطين/أرض إسرائيل لا بدّ أن يأخذ في الحسبان وجود مجموعتين قوميتين هنا تستحقّان حقّ تقرير المصير. وبعبارة أبسط، فإنّ خطّ التقسيم لا ينسجم مع الجغرافيا القومية ويُنتج "أقلية ما بعد تقسيمية".

لا يطرح عودة صراحةً هذا التوتّر وربما هذا التناقض، لكنه يحاول التعامل معها باعتماد اقتراح لما سأصفه هنا بـ"ثنائية قومية دستورية غير متماثلة" لتكون بنية دستورية لإسرائيل. يكتب عودة: "في إطار تجربتي في السنوات الأخيرة في نقاشات مع مجموعات يهودية، لاحظتُ أنّ معظمهم يفهم المساواة القومية بوصفها بنية دستورية ثنائية القومية على شاكلة كندا أو بلجيكا، بمعنى وجود مجلسَي برلمان، أحدهما لليهود والآخر للعرب، أو حكم ذاتي للعرب ضمن إطار إلى جانب برلمان واحد. أساس فهمنا للمساواة القومية هو الاعتراف بنا كأقلية قومية، والاعتراف باللغة العربية لغةً رسمية بحكم الواقع. الحقّ في التأثير بصورة جوهرية على مضامين التعليم من خلال إنشاء مؤسسات قومية ومستقلة ودعمها، والاعتراف بمظالم الماضي...." (ص 83). واستكمالًا للنقطة، يذهب عودة إلى أنّ للفلسطينيين في المواطنة الإسرائيلية حقّ المطالبة والحصول على اعتراف بالظلم التاريخي الذي وقع عليهم، وحقوقًا ثقافية كالتأثير في مضامين تعليمهم، بل وحقوقًا ذات طابع سيادي/إدارة ذاتية مثل انتخاب ممثّلين وإنشاء مؤسسات مستقلّة.

حزمة الحقوق هذه لا تحيد عمّا ورد في وثائق الرؤية المستقبلة لدى الجمهور العربي. غير أنّه، بخلاف "الوثيقة"، وبما ينسجم مع البراديغم "المثلّث"، يوضح عودة صراحةً أنّه ليس بصدد المطالبة بتأسيس إسرائيل بوصفها "ديمقراطية توافقية" ثنائية القومية، ولا ريب أنّ هذا انحرافٌ جوهري عن وثائق الرؤية.

إنّ السؤال عمّا إذا كانت للأقليات القومية أو الأصلانية حَقّ تقرير مصير داخلي هو من أكثر الأسئلة القانونية تعقيدًا وإثارةً للجدل. ويبدو أنّ عودة يتبنّى التأويل القائل بأنّه، حتى في الصيغة القصوى للإدارة الذاتية، لا ترقى حقوقُ أقليةٍ قومية إلى تقرير المصير داخل دولة تُعدّ، في الحالة المعنيّة، "تابعة" للجماعة اليهودية الإسرائيلية. في المقابل، فإنّ نظامًا لـ"ديمقراطية توافقية" قائمًا على شراكة السلطة، كما اقترحته وثائق الرؤية، هو في واقع الأمر اعترافٌ بحقَّي تقرير المصير الطرفين ضمن الدولة نفسها.

صحيحٌ أنّ عودة لا يكتب ذلك صراحةً، لكنّه ما إن يعتمد مبدأ الثنائية القومية من جهة، ومبدأ التقسيم من جهة أخرى، فلا يسعه إلاّ القبول بالتأويل الأوّل. وإن كان هذا بالفعل اقتراحَه، فهي أطروحة جديدة في المشهد الفكري–السياسي، تشكّل ضربًا من مسارٍ وسطي بين ثنائيةٍ قومية "كاملة" و"متماثلة" طُرحت—في جملة ما طُرح—في "وثيقة الرؤية"، وبين "الإثنوقراطية"، وفق تعريف الجغرافي السياسي أورن يفتاحئيل، القائمة الآن والمتبدّية أساسًا في فرض سياسة أحادية القومية على واقعٍ ديموغرافي ومدني ثنائي القومية.

يشكّل نموذجُ عودة لـ"الثنائية القومية غير المتماثلة" جزءًا مركزيًا من الأساس الذي تقوم عليه سياسة التحالفات لديه. إذ بحسبه: "ثَمّة مجالٌ للتقدّم مع أولئك الراغبين في دولة يهودية بمعناها الرمزي، المحدود تطبيقًا بحقّ تقرير المصير للشعب اليهودي، من دون أن يُشكّل ذلك تناقضًا مع المساواة القومية والمدنية، وذلك خلافًا للتصوّر القائل بتفوّقٍ إثني كما هو مُكرَّس في "قانون القومية"(عودة، 2023: 69).

يتقاطع هذا الموقف إلى حدّ بعيد مع مقترحاتٍ مماثلة لباحثين ومفكّرين من أقصى يسار اليسار الصهيوني. فقد كتب الفيلسوف السياسي حاييم غِنِز مثلًا في كتاب "صهيونيّة مساواتيّة": "إن مكانة اليهود الذين يحققون هنا قوميةً كاملة ليست مكانةَ سادة. إن حقّ اليهود في تقرير المصير في البلاد مُشتقّ من الحقّ المتساوي للأمم الوطنية في تقرير المصير في أوطانها. وبحدّ ذاته، لا يمكن لهذا الحق أن يمنح اليهود أيَّ مزايا على العرب". غير أنّ هذا الموقف يبتعد ابتعادًا ملحوظًا عن التفكير السائد لدى النخب الفلسطينية الفكرية، وربما السياسية أيضًا، في هذا الشأن.

يجدرُ التنويهُ إلى أنّه فيما تسعى أجزاءٌ من اليسار الصهيوني، خطابيًّا، إلى التوفيق بين الرغبة في الإبقاء على دولة يهودية وبين الرغبة في صون قيمة المساواة (النظرية)، فإنّ تيار المركز في إسرائيل يكاد لا يهتم بذلك. فعلى سبيل المثال، كتب يائير لبيد في مقال نُشر في صحيفة "هآرتس" عام 2020: "لا وجود للدولة اليهودية من دون أكثرية يهودية.الدولة عليها أن تعمل بلا هوادة للحفاظ على هذه الأكثرية. ولهذا تبعاتٌ على الإجراءات التي تتخذها حيال الأقلية العربية، وحيال المهاجرين، وحيال اليهود في العالم. بعضُ هذه الإجراءات يتعارض مع مبادئ المساواة أو مع اتفاقياتٍ دولية".

يكاد عودة لا يتطرّق إلى الفروق بين اليسار الصهيوني والمركز في هذا الجانب، وهذه الثغرة مُقلِقةٌ جدًّا، سواءً في ضوء مساعيه للدفع نحو شراكة مع المركز، أم في ظلّ ضعف قوّة اليسار الصهيوني.

سياسة التحالفات

على نحوٍ مميِّز للنخبة الفكرية الفلسطينية في إسرائيل، وصف عزمي بشارة التصوّر الذي مفاده أنّ العرب الفلسطينيين يمكن أن يكونوا جزءًا من صناعة قرار إسرائيل في ما يتعلّق بالحرب أو السلام بأنه "فانتازيا"، حيث "تُقلّل من الأهمية المركزية للصهيونية ويهودية الدولة، وتُبالغ في تقدير الديمقراطية الإسرائيلية". يعرض عودة تصورًا مناقضًا نابعًا من دور "الإنقاذ" المنوط بالفلسطينيين في المواطنة الإسرائيلية "بوصفه جزءًا من الواجبات الوطنية" لديهم، وكذلك من استبطانه للمواطنة الإسرائيلية. وبناءً على ذلك، يتناول جزءٌ مركزي من رؤيته إمكاناتِ سياسة التحالفات مع يهود إسرائيليين، وحاجتها، ومسوّغاتِها، والمنفعةَ المتوقّعةَ منها.

في إطار سياسة التحالفات لديه، يطرح عودة الادعاء الأكثر إثارةً للجدل في كتابه، ومفاده أنّه ينبغي ويمكن السعي إلى شراكة سياسية مع يهود صهاينة. ولإضفاء الشرعية على هذا الموقف، يستند عودة إلى قرارات الحزب الشيوعي الإسرائيلي في المؤتمرين الثامن عشر والخامس والعشرين. ففي هذين المؤتمرين تقرّر أنّ الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة يمكنها ويجب عليها أن تضمّ، ضمن آخرين، أيضًا صهاينة "مستعدّين للتعاون في النضال ضد السياسة المتّبعة للاحتلال والضمّ، وإنكار الحقوق القومية للشعب العربي الفلسطيني، ومن أجل سلامٍ عادلٍ ومستقرّ". هذا التحالف السياسي  غيرُ معروضٍ على جميع اليهود الصهاينة، بل على من يوافق منهم على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وعلى مساواةٍ قومية "داخل–إسرائيلية".

من المهم الإشارة إلى أنّ عودة لا يتوجّه هنا لفحصٍ معمّقٍ لمسألةِ ما إذا كان يمكن تصوّر صهيونيةٍ بلا علوية إثنية، أو هل يمكن السعي إلى نزع الاستعمار عن الصهيونية، وإذا كان ذلك ممكنًا فما دورُ الشريك الفلسطيني فيه. ومؤخرًا، في كتابه "التقدّم شرقًا – ر' بنيامين، ثنائية القومية والصهيونية المضادّة" ، أشار المؤرّخ أفي رَام تسوريف إلى صيغةٍ صهيونيةٍ مناهضةٍ للاستعمار في كتابات يهوشوع رِدلِر–فِلدمن، أو باسمه المستعار ر' بنيامين. وفي السياق نفسه، بحُجّةٍ جريئةٍ إلى حدٍّ بعيد وربما غير مسبوقة، يدعو القانوني رائف زريق الفلسطينيين إلى أخذ دورٍ فعّال في تفكيك العقدة الغوردية بين القومية اليهودية والكولونيالية الصهيونية، بين "اللحم القومي" و"الهيكل العظمي الكولونيالي" وفق توصيفه. غير أنّ عودة فوّت فرصة مناقشة هذا الأمر.

بوجهٍ عام، فإنّ نظام التسويغات الذي يعتمد عليه عودة هو براغماتي–نفعي، لا ثقافي–هويّاتي ولا أخلاقي. ويمكن اختزال هذا النظام في حجّتين مركزيتين: أوّلًا، من حيث الوزن والقوّة السياسيين، لا يستطيع الفلسطينيون في إطار المواطنة الإسرائيلية تحقيق الخلاص بمفردهم ويحتاجون إلى تحالفات سياسية؛ وثانيًا، إنّ الجدلية الثنائية القومية الملازمة للشراكة تولّد دينامية سياسية تعمل لمصلحة الطرف الفلسطيني. سأركّز على التسويغ الثاني.

في العادة، تميل الأقليات إلى تبنّي الموقف المسمّى "الاستقلالية قبل التّماس"، والذي بموجبه ينبغي انتزاع المساواة قبل نسج شراكة مع الطرف المهيمن، خشية أن يتسرّب ميزان القوى الخارجي إلى الداخل ويستنسخ انعدام المساواة. أمّا عودة فلا يرى ذلك، لأنّه يعتقد أنّ الفلسطينيين في إسرائيل يتمتّعون بكلٍّ من "المناعة الثقافية" و"التفوق الأخلاقي" اللذين يمنعان ذلك الاستنساخ للقوّة.

يقترح عودة صوغ الوجود الفلسطيني في المستقبل المتخيَّل لإسرائيل بصيغة "معًا وكلٌّ على حدة". ويتجنب طرحه هذا كلَّ سمةٍ من سمات الانغلاق السياسي الكامل، وبالموازاة يتجنب كلَّ سمةٍ من سمات الاندماج الكامل. وتجدّ نقطةُ التوازن هذه بين الـ "معًا" الإسرائيلي و"وعلى حدة" الفلسطينية تعبيرًا واضحًا في اقتراح عودة تأسيسَ نقاباتٍ مهنية مخصّصة للفلسطينيين لكي تعمل، في جملة أمور، ضمن إطار نقاباتٍ إسرائيلية عامة. أي إنّ "على حدة" الفلسطينية في رؤية عودة لا يمكنه أن ينفصل عن الفضاء والتجربة الإسرائيليَّين (عن الـ "معًا")، إذ أن غايته بلورةُ الحضور الفلسطيني وتعزيزُه بوصفه متميّزًا، مختلفًا ومتكافئًا.

ويشيد عودة بالمدارس ثنائية اللغة بوصفها نموذجًا يحتذى به، والتي يرسل إليها آلافُ اليهود أبناءَهم "وهم يتعلّمون (هناك) عن حياةٍ مشتركة وعن الاعتراف بالسردية الفلسطينية، كما يتمرّنون، إلى هذا الحدّ أو ذاك، على نوعٍ من الحياة المشتركة بقدر ما تتيح ذلك فضاءاتُ العدالة والتبادلية" (ص 85). وهذه المدارس تجسيدٌ بيّنٌ لنموذج الـ " معًا وكلٌّ على حدة".

أكثر من ذلك. يُجسّد هذا النموذج الـ"نحن" ثنائية القومية التي يسعى عودة إلى ابتداعها لخدمة سياسة التحالفات التي يدفع بها، إذ يقوم النموذج على تمايزٍ قومي من دون السعي إلى إنتاج "نحن" بديلة، أي سرديةٍ ثالثةٍ موحِّدة. والـ"نحن" التي يقترحها عودة هي هوية "ضعيفة" قائمة على المشترك والترابطية.

والـ"نحن" عند عودة هي أيضًا أداةٌ ومنهجٌ لتغيير الحلفاء اليهود الصهاينة. ولتدعيم هذا الطرح، يذهب عودة إلى أنّ مديري نفيه شالوم/واحة السلام ومديري يد–بيد أقرّوا أمامه بأنّ اليهود الإسرائيليين ضمن هذه الأطر يتغيّرون أكثر مما يتغيّر العرب الفلسطينيون. ويعزّز عودة دعواه استنادًا إلى تجربة جمعية سِيكوي–أفق، التي تحوّلت من جمعيةٍ تُعزّز الحقوق المدنية، إلى جمعيةٍ تُعزّز التعايش ، ثم إلى جمعيةٍ تُعزّز المساواة والشراكة. فبحسب عودة، إنّ تطوّرها هذا دليلٌ على أنّ التفاعل ثنائيّ القومية يُغيّر الطرف اليهودي أكثر مما يُغيّر الطرف الفلسطيني. لا يكتب عودة ذلك صراحةً، لكن يصعب ألّا يُفهم أنّه يرى أنّ المواطن الفلسطيني يمتلك "تفوقًا أخلاقيًا" على المواطن اليهودي–الإسرائيلي وهذا يمنح الأوّل قدرةَ تأثيرٍ أكبر على الثاني—وذلك بالتأكيد في شروط  لقاء متكافئ.

إنّ تلك الثقة بـ"مناعة ثقافية" و"تفوق أخلاقي" فلسطينيَّين، في شروط لقاءٍ متواصلٍ ومتساوٍ مع اليهود الإسرائيليين نظرائهم في المواطنة، تفضي بعودة إلى تقريرٍ حاسم، فحواه: "مَن لا يملك ثقةً بثبات انتمائه القومي وبصواب مواقفه، يمكن تفهّم اختياره البقاء في منطقة الراحة التي يُنمّي فيها ويُعزّز انتماءه وثقته بأفكاره وعدالة نهجه، وفيها يواصل الدخول في سِجال وحوارٍ فقط مع اليهود الذين يوافقونه تمامًا من بين اليهود المناهضين للصهيونية" (ص 98؛).

خاتمة

لا يمكن اختتام هذه المراجعة دون الإشارة إلى ما يبرز بغيابه في الكتاب. اختار عودة ألّا يتناول الأطروحة التي غدت الأكثر ارتباطًا به، وهي أنّ السياسة الفلسطينية يمكنها ويجب عليها أن تسعى إلى الانضمام إلى الجماعة السياسية الإسرائيلية، بما يشمل ائتلافًا حكوميًا. كما هو معلوم، في عام 2019 أثار عودة عاصفة حين أُجريت معه مقابلة في "يديعوت أحرونوت" وأعلن أنّه مستعدّ (بصورة مشروطة) لأن يكون جزءًا من الائتلاف. ومع مرور الوقت، تبلورت أطروحته هذه إلى الحكم الجريء الذي أطلقه بأنّه "لا ديمقراطية بلا مساواة، ولا مساواة بلا قوة"، والقوّة—بحسب عودة—تُنال عبر الانضمام إلى ائتلاف سياسي.

كجزء من الإطار المفاهيمي أعلاه، حاول عودة أن يُعيد إلى حد كبير الحلقة السياسية التي شهدتها حكومة رابين الثانية، حيث أُدمجت السياسة الفلسطينية، وإن كان ذلك بشكل جزئي وهش، داخل المجتمع السياسي الإسرائيلي، بما تجلى في تشكيل كتلة مانعة دعمت حكومة أقلية، في المقام الأول – لما بدا آنذاك – لتعزيز مسار دبلوماسي وسياسي لإنهاء الاحتلال. أي، الانضمام إلى المجتمع السياسي بهدف تحقيق نظرية الإنقاذ التي قدمناها أعلاه والتي تُميز السياسة التي يقودها عودة.

هناك أربعة نماذج إرشادية توجّه المطالب السياسية لأولئك المنتمين إلى السياسة البرلمانية العربية الفلسطينية في إطار المواطنة الإسرائيلية، كما توجه أشكال التعاون التي يقيمونها. وأقترح هنا التصنيف الآتي قبل أن أناقش نموذجاً جديداً أَنسبه في هذا السياق إلى أيمن عودة:

  1. نموذج المكانة (الستاتوس)، الذي يركّز على موقع الأقلية العربية الفلسطينية داخل الدولة اليهودية والديمقراطية، بهدف تحقيق العدالة والمساواة القومية، من دون المطالبة بتغيير طابع النظام كيهودي وديمقراطي. ويشكّل تصريح منصور عباس المثير للجدل بأنّ "دولة إسرائيل هي دولة يهودية وستبقى كذلك، والسؤال هو ما هو موقع المواطن العربي" مثالاً على نموذج المكانة.
  2. نموذج النظام، الذي يرى أنّ تحقيق المساواة في إسرائيل مشروط بتغيير نظام الحكم نفسه، من دولة يهودية إلى دولة لجميع مواطنيها، كما أشرتُ إلى ذلك أعلاه. يقوم هذا النموذج على افتراض أنّ انعدام المساواة القومية في إسرائيل هو نتيجة بنيوية لنظام قائم على التفوّق اليهودي، وليس مجرد خلل فيه. وعليه، لا يمكن تحقيق المساواة من دون تغيير نوع النظام القائم.
  3. النموذج الاستعماري، الذي يركّز على ظروف نشأة دولة إسرائيل أكثر من تركيزه على بنيتها الدستورية أو نوع نظامها السياسي. وفق هذا النموذج، فإن التغيير المطلوب يستلزم تطبيق مساواة تحويليّة (Transformative Equality) ترتبط بتصحيح مظالم الماضي، لا بمجرد إصلاح البُنى المؤسسية التي تكرّس انعدام المساواة في الواقع الراهن.

أمّا أيمن عودة فأَنسب إليه هنا نموذجاً رابعاً وجديداً أُسمّيه "نموذج الحدود".  يركّز هذا النموذج على ضرورة اختراق حدود الجماعة السياسية في إسرائيل، وهي حدود تكاد تتطابق بإحكام مع حدود مجموعة الأغلبية اليهودية. وفق هذا النموذج، فإن الظلم وانعدام المساواة القومية في إسرائيل ناجمان أساساً عن إقصاء الأقلية الفلسطينية إلى خارج حدود الجماعة السياسية الإسرائيلية. ومع تأسيس القائمة المشتركة عام 2015، تعزّز التوجّه الذي يروّج له هذا النموذج: حشد قوة سياسية برلمانية تسعى للمشاركة في إدارة شؤون الدولة، أي قوة سياسية لا تكتفي بتمثيل صوت الأقلية، بل تطمح إلى أن تكون جزءاً من حدود الجماعة السياسية ذاتها، وهو طموح يتجلّى بالدرجة الأولى في المشاركة في الائتلاف الحكومي

على سبيل المثال، هذا الفهم شكّل مؤخراً أساس الدعوى القضائية ضد قانون القومية التي قدمتها منظمات وأحزاب سياسية تمثل التيار الفلسطيني العربي في السياسة الإسرائيلية. ووفق الربط بين حدود المجتمع السياسي والاستعمار الداخلي، جاء في البند 42 من الدعوى المتعلقة بالمادة 1 من قانون القومية: التي تُعلن عن الطابع "المركزاني-الاثني" للنظام الدستوري: "تُظهر التجربة التاريخية أن الإقصاء من المجتمع السياسي يُعد انتهاكًا لمبدأ عدم التمييز، وأن تحديد الهوية الدستوري يمثل عاملاً حاسمًا في تحديد من هو داخل-سياسي (politically in) ومن هو خارجي (outsiders). أي أن الصراع يدور حول حدود المجتمع السياسي أو السؤال، كما صاغه بن غفير في حملته الانتخابية عام 2022، حول من هم أصحاب الدولة.

في ضوء ذلك كلّه، ثمة ما يدعو إلى الاستغراب من اختيار عودة عدم مناقشة هذه الأطروحة المحورية. ولو نوقشت، لكان من المتعيّن طرح سؤال الأسئلة بشأنها: هل إنّ مسار دخول السياسة الفلسطينية إلى الجماعة السياسية هو مسار نزع استعمار، أو أنّ فيه على الأقل إمكانية كهذه، أم أنّه قبولٌ بالمنطق الكولونيالي.

ليس هذا رثاءً سياسيًا، بل تقييم مرحلي، إذ إنّ عودة، ونأمل ذلك، ما زال ينتظره مسار سياسي طويل، وهو بالفعل ناشط وفعّال في هذه الأيام استعدادًا لمواصلة هذا المسار. عودة مفكّر وقائد مهمّ، والتناقضات في تفكيره وسلوكه ليست تناقضاتٍ موجودة لدى الفلسطينيين في إطار المواطنة الإسرائيلية فحسب، بل إنها تؤسّس هذه الجماعة. وإلى حدّ كبير، فإنّ التعاطف معه والنقد الموجّه إليه هما تعاطفٌ مع ذواتنا ونقدٌ لأنفسنا، يتبدّلان من حين إلى آخر وفق الشروط السياسية. إنّه ليس مجرّد مفكّر وقائد مهمّ بمقياس تاريخي، بل هو، إلى حدّ بعيد، انعكاسٌ لنا نحن الفلسطينيين في إطار المواطنة الإسرائيلية.


*نُشرت نسخة مبكرة من هذا المقال في موقع "سيحا ميكوميت" باللغة العبرية

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية