غزة… حيث تُقتل الحقيقة أمام الكاميرا

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

تنصّ المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف على أن الصحفيين في مناطق النزاع مدنيون ويجب حمايتهم. كلام جميل… على الورق. في المؤتمرات والبيانات وخطابات الأمم المتحدة الأنيقة، يبدو الأمر مبدئيًّا وراسخًا. لكن في غزة، الحبر لا يوقف الصواريخ، والنصوص لا تعترض طريق قذيفة تبحث عن عدسة وكلمة. هنا، يبدو أن القانون شُطب أو وُضع كقطعة ديكور في متحف حقوق الإنسان، يزوره الدبلوماسيون في أوقات الفراغ.
منذ 7 أكتوبر 2023، قتلت إسرائيل أكثر من 230 صحفيًا في غزة. بالأمس فقط، اغتالت طائرات الموت طاقما صحفيا كاملا :المراسل:انس الشريف ، المراسل:محمد قريقع ،المصور:ابراهيم ظاهر،المصور:مؤمن عليوة،سائق الطاقم:محمد نوفل، قُتلوا بعدما قصفت طائرات الاحتلال خيمتهم قرب مجمع الشفاء الطبي. نعم خيمة… ليست منصة صواريخ، ولا غرفة عمليات، بل مجرد مأوى مؤقت فيه كاميرا وميكروفون ومحاولات متكررة لانتزاع "حق في الكلام".
في أي حرب أخرى، كان مقتل صحفي واحد كافيًا لإشعال مؤتمرات طارئة وفتح تحقيقات دولية. في أوكرانيا، في العراق، وفي معظم مناطق الصراع، الصحفيون يحظون بحماية نسبية — أو على الأقل لا تكون حياتهم هدفًا مباشرًا. أما في غزة، فالاستهداف متعمد، معلن، بل هو سياسة ممنهجة.
الصحفي في غزة  يعي  أنه على قائمة الأهداف قبل أن يضغط زر التسجيل او يلبس درع الصحافة ان وجد. يدرك أن صورته قد تتحول قريبًا إلى ملصق "شهيد". ومع ذلك، يخرج. يرفع الكاميرا في وجه القصف. يوثق، يكتب، يصوّر، وكأنه يقول للعالم: "إن لم أروِها أنا… فلن تعرفوها أنتم" " انا الصوت".
لكن يبدو أن هناك من يريد ألا نعرف.
 في هذه الحرب، الحقيقة جريمة، والكاميرا سلاح خطير، والميكروفون تهمة. إسرائيل لا تقتل الصحفيين بالخطأ، بل لأنهم صحفيون. والصحفي في غزة لا يعيش فقط تحت القصف، بل تحت الجوع وقلة الحيلة. حاله كحال كل الغزيين ينزح، يعود ينزح ، يجوع ،ينزح ، يفقد، ينزح… عائلته تنتظر معه رغيف الخبز قبل أن تنتظر خبرًا عاجلًا باسمه. فهل هناك فعلًا من هو محمي بأي قانون؟ أم أن الحماية مجرد أسطورة تُساق لنا حتى ننام مطمئنين بينما تُصفّى الحقيقة مع أصحابها؟
لكن الأوهام أخطر من الرصاص. أكبرها هو الظن أن قتل الصحفي يقتل القصة. إسرائيل لم تدرك أن الحقيقة لا تُدفن. قطع الإنترنت لن يطمس ما يحدث. في غزة، كل بيت مدمر هو" بث حي" ، كل صرخة طفل "نشرة عاجلة"، كل دمعة أم "تقرير ميداني" والحلقات كثيرة والتغطية مستمرة.
فالمشكلة ليست في نقص البث أو المعلومة — العالم يشاهد الإبادة لحظة بلحظة، وكأنها مباراة نهائية. ما ينقصنا ليس الصورة ولا الشاهد، بل ضمير حي وتحرك دولي حقيقي، خالٍ من صفقات السلاح وحسابات المصالح التي تجهض أي حل. 
العالم الرسمي لا يصمت لأنه لا يعرف… بل يصمت لأنه يعرف ويتواطأ.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية