لجنة المتابعة والديمقراطية، تمثيل النساء والنقد النسوي

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

مع الاستعداد لانتخابات لجنة المتابعة العليا وانتخاب رئيس جديد لها بعد الرفيق محمد بركة، يحضر النقاش (الشرعي بالطبع) حول دور لجنة المتابعة العليا وحدود إمكانياتها ونواقصها وتصوراتها الإستراتيجية إلخ، هذا بالطبع شرعي ومطلوب، وكاقتراح أقترح أن تصدر المتابعة نقدًا ذاتيًا أيضًا.

في مسألة النقد يحضر دائمًا الانتقاد المشهور "على الناس أن تنتخب المتابعة بشكل مباشر" وهذا طبعًا متعلق بموضوع الديمقراطية وحدودها في إطار أعلى هيئة تمثيلية للفلسطينيين في الداخل. 

الديمقراطية من حيث معناها المجرد -حكم الشعب لنفسه- أمر مستحيل، لأن الشعب لو استطاع أن يحكم نفسه بدون وسطاء وممثلين لما  احتاج إلى مسألة الحكم أساسًا، وهذا المعنى للديمقراطية لم يكن مطبقًا سوى في أثينا، واعتبره أفلاطون أحط أنواع الحكم.

من هنا نبعت الحاجة إلى ما عرف بالديمقراطية التمثيلية، وهذا بحكم طبيعته ينتهي إلى ثنائية "نخبة وعامة"، بحيث تكون هذه النخبة ممثلة للعامة وكأنها العامة ولكن ليست نفسها العامة.

وكل ديمقراطية معاصرة هي في التحليل الأخير أرستقراطية النخبة، لأن استقرارها يقوم على مؤسسات مستقرة لعقود تؤدي وظائف غير متعلقة بالضرورة بمنتخبي الجمهور سوى في حدود اللقاء بينهما، وتكون كل ديمقراطية مشروطة بوجود نخبة من صناع الرأي والإعلاميين ورجال الأعمال والسياسيين الذين يؤدون دور الوسيط بين الحُكم والجمهور.

كل هذه الشروط جزئية وقاصرة في سياق الداخل الفلسطيني، لذلك تم التوافق على شكل تمثيلي معين من "الديمقراطية" بحيث ينتخِب المُنتخبون في الكنيست والسلطات المحلية والأحزاب التاريخية هذه الهيئة العليا.

ومن الغرائب أن "عدم الانتخاب المباشر" من قبل الناس يعتبره البعض جرحًا في الشرعية، فحتى لو اعتبرنا أن الانتخابات الجزئية قد تكون آلية مكبلة (مع أن هذه ليس مدعومًا بمعطى أو حجة واقعية أو منطقية) فهذا لا ينزع شرعيتها، ولم تكن الانتخابات في ظروف اللا-دولة يومًا مؤشرًا إلى شرعية منظمة معينة، فعندما كانت بريطانيا العظمى تفاوض سعد زغلول والوفد المصري كانت تعتبرهم "الممثل الشرعي" للمصريين رغم فقدانهم للصفة الانتخابية، وكذلك منظمة التحرير لم تكن تملك أي صفة انتخابية قبل أوسلو، وكانت في الواقع تحظى بشرعية أكبر.

الانتقاد الحقيقي (وأيضًا ليس بشكل مجرد) هو نقطة المأسسة الفاعلة وليس "الديمقراطية"، فلكي تكون ديمقراطية مقتدرة فعلى مؤسسات النخب والوساطة مع الجمهور أن تكون مستقرة قبل الخوض في "الشكل الديمقراطي"، وبتشبيه من هذه المنطقة قام أردوغان بتغيير الشكل "الديمقراطي" بعد أكثر من تسعين عامًا من المأسسة في تركيا.

بالعموم حديثي هو عن الشكل المفترض للمتابعة، وهو قابل للتحسين دائمًا ولكن بدون تصورات خيالية، ولست هنا أقيم عمل المتابعة، الذي يحتاج إلى همة ومبادرة أكثر بالفعل، ولكن لا أرحب بتقييمات "كل شيء جيد - كل شيء سيئ" فكلا الطرفين معجونٌ من نفس العجينة.

وفيما يتعلق بزيادة التمثيل النسائي في المتابعة فهذا مطلب وطني وتقدمي وليس مطلبًا نسائيًا فقط.

ولكن قضية تهميش المرأة داخل الأحزاب لا تتعلق فقط ب"بالبنية الأبوية". وهنا يحضر النقاش المُغيب لغياب مفهوم مهم كان له دور في تحويل الاحتجاج إلى تحريك الوعي الرمزي والأخلاقي فقط.

وهنا أعني كل حركة "الناشطية" (Activism) التي حلت مكان (أو على الأقل زاحمت) الأحزاب ذات البنى العقائدية، لتحل مكانها حركة نشطاء يلتزمون فرديًا أو جماعيًا اتجاه قضية بعينها، والذي بدوره حول الحقل السياسي إلى موازييك مبادرات منفصلة.

تقوم الناشطية على ضغط على مراكز اتخاذ القرار من خارجها فيكون تأثيرها محدودًا جددًا، وكل "إنجاز" أصعب من خرط القتاد، وفي الغالب يستحيل "النضال" الناشطي إلى حالة من اللا-سياسة والأخلاقوية.

انتشار الناشطية يعني تفكيك القضايا الاجتماعية والسياسية إلى قضايا معزولة لا يتم مراكمتها أو تجذيرها، وتبقى حدود الناشطية في ضغط من الخارج في قضايا عينية، وفي التحليل الأخير لا تراكم شروط مشروع تحرري أو حتى إصلاحي.

لا أريد أن أخوض في كيف يتم امتطاء الناشطية من حركات الإسلام السياسي عربيًا ولا كيف تنتهي كسلعة أخلاقية في الغرب، أريد بعد هذه النظرة أن أقول أن هذا ينطبق على مطلب الجمعيات النسوية في زيادة التمثيل النسائي في المتابعة.

 ائتلافات الجمعيات النسوية نفسها ساهمت في تحويل قضية المرأة إلى قضية من خارج البنى السياسية التي تشكل الهيئات التمثيلية الأعلى في الداخل الفلسطيني.

يقول بيان "نساء ضد العنف" أن ائتلاف الجمعيات النسوية خاض مسارًا شاقًا لمدة خمس سنوات لإجراء تعديل دستوري، وكأن هذا شيءٌ جيد. ويبدو أن هذا المطلب جاء من الخارج، على مبدأ "مع الدعاء قليل من القطران".

يقول البيان أيضًا أن هذا الحال هو "فشل سياسي وأخلاقي"، الفشل السياسي صحيح ولكن ما هي الحالة التي شكلت هذا الفشل السياسي؟ وهل الناشطية منزهة عن هذا الفشل؟ 

دور الناشطية في هذا الفشل يكمن في معيارها للنجاح، الذي يقاس النجاح بمدى انتشاره وليس بمدى فاعليته المادية.

قد يحتج الناشطيون بنجاحات جزئية في قضايا عينية وخطابية، ولكن كل هذه "النجاحات" تصب في نفس المشكلة وهي مشكلة عزلة الناشطية عن البنى الحزبية العقائدية التي في التحليل الأخير تعزز حالة اللا-سياسة.

دمج النساء في السياسة ومقدمة العمل السياسي ينبغي أن يكون من داخل البنية السياسية -على رثاثتها- وهنا لا أطالب أحدًا بالتخلي عن مبادئه وقناعاته.

ما أدعو إليه كبديل للناشطية هو تحالف أحزاب يسارية ووطنية ذات تراث سياسي والتزام أيدولوجي تدرك ضرورات المرحلة مع التوحش للاستعمار الصهيوني وتوفر ما أمكن من تدابير آنية، ولا تكتفي بإداركه بل تضع مشروعًا سياسيًا وثقافيًا يعي حدود إمكانياته ويشمل كل القضايا الاجتماعية، ومستعدًا لمختلف السيناريوهات المستقبلية بعد تحول كل فلسطيني إلى مشروع قتيل أو طريد.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية