لقد كتب عليّ أن أودع عددا كبيرا من الرفاق الذين عرفتهم منذ عقود، والذين عايشتهم وأحببتهم جدا، وكانت لي معهم ذكريات من خلال عملنا المشترك في صفوف الشبيبة الشيوعية، وبعد ذلك في صفوف الحزب الشيوعي.
من بين هؤلاء الرفاق، الرفيق قسطندي جرجورة (أبو منهل)، حيث عرفته في المؤتمر الثالث للشبيبة الشيوعية في منطقة الناصرة عام 1954. بعدها، تعمقت علاقتنا أكثر فأكثر عندما التقينا في سجن الجلمة بعد أحداث الأول من أيار عام 1958، والتي تزامنت مع الذكرى العاشرة لنكبة شعبنا وإقامة دولة إسرائيل. أراد حكام إسرائيل في ذلك الوقت أن يظهروا أمام وسائل الإعلام المحلية والعالمية أن جماهيرنا العربية ترقص على خرائب قراها التي هدمت، ولكن الحزب الشيوعي أصر على إحياء ذكرى الأول من أيار في موعده المعتاد، بشعاراته الثورية والصادقة التي تطالب بحق تقرير المصير لشعبنا العربي الفلسطيني.
لغرض منع الحزب من إقامة مظاهرته، قامت السلطات باعتقال قيادة الحزب في منطقة الناصرة قبل يومين من الموعد. إلا أن الرفاق في الناصرة ومنطقتها أصروا على إحياء هذه الذكرى، التي سماها الرفيق طيب الذكر توفيق زياد "انتفاضة جماهيرنا العربية الطبقية". كان الرفيق قسطندي أحد أبطال هذه الانتفاضة، وسجن معه ما يقارب أربعمئة رفيق وصديق من جماهيرنا.
منذ ذلك الوقت، تعمقت صداقتنا وعلاقتنا الرفاقية، وعرفت فيه الرفيق الجريء والمثابر في عمله ونضاله، والشجاع في مواجهة سياسة حكام إسرائيل ضد جماهيرنا العربية في هذه البلاد. لم تقتصر رفقتي للرفيق قسطندي على السجن فقط، بل ترافقنا أيضا في مهرجان الشباب العالمي الذي عقد في هلسنكي، عاصمة فنلندا، عام 1962 مع مجموعة من الرفاق، وكان بيننا انسجام تام وعلاقة من أطيب ما يكون.
بعد عودتنا، استمرت هذه العلاقات، وكنا نلتقي في الناصرة أسبوعيا في بعض المراحل مع عدد من الرفاق. في إحدى المرات، التقيت معه ومع الرفيق ألبير عاقلة لزيارة الرفيق نصر الله كردوش، واستعدنا ذكرياتنا سويا المليئة بالجو المرح، وكانا كلاهما أيضا من معتقلي أيار.
كان آخر لقاء لي معه قبل أكثر من شهرين في بيته، وكان لقاء خاصا ومميزا، لا سيما بوجود الرفيق ورد جرايسي معنا من أجل إخراج فيلمه عن أحداث أيار عام 1958.
إن رحيل الرفيق قسطندي جرجورة خسارة كبيرة لعائلته ولحزبه وأصدقائه الذين أحبوه جميعا، وخسارة لي شخصيا، فقد كنت أتصل به هاتفيا في الكثير من المناسبات، وكانت دعاباتنا الرفاقية الطيبة لا تنقطع.
وداعا أيها الرفيق والصديق الصدوق، سأبقى أذكرك دائما، لأنك رفيق لا ينسى.
عرابة البطوف






.png)


.jpeg)



.png)

