خطابات النصر والضم الإسرائيلية، مؤشرات ضائقة لا قوة

A+
A-
جيش الاحتلال يحمي عصابات المستوطنين في الخليل (شينخوا)

جيش الاحتلال يحمي عصابات المستوطنين في الخليل (شينخوا)

"إنهم كتائب فاشية"، بهذه الكلمات التي تكاد تكون غير مسبوقة علّق نتنياهو على حادثة اشتعال سيارة خصوصية مقابل منزله الرسمي في القدس، ونتيجة لتمدد النيران من حاوية قمامة أشعلها متظاهرون من حركة الاحتجاج على الحرب. بالتزامن، امتلأت الشاشات بخطابات رئيس حزب الصهيونية الدينية سموتريتش، يحث فيها نتنياهو على اعلان فرض السيادة على الضفة الغربية فيما اكتفى وزير الحرب كاتس بفرضها على الاغوار.

في المعطيات: يشكك اقصى اليمين ممثلا بالقناة 14 بأن "شيئا ما يجري وراء الستار" كما يقول محلل القناة يعقوب باردوغو في مسعى لتوقع ما ستحمله زيارة وزير الخارجية الامريكي ماركو روبيو الى تل ابيب منتصف هذا الشهر. فمن جهة هناك تخوف من ان المساعي الامريكية قد تتوافق مع تصريحات ترامب المتكررة مؤخرا بصدد انهاء الحرب بإبرام صفقة شاملة، وقد يسقط في يدي ترامب اذ ان تصريحاته قد لا تحقق مبتغاها. على هذا الاساس يزداد قلق اقصى اليمين من ان شيئا ما يحصل لا يعرفون كنهه ومصدره في واشنطن. ما يعني ايضا قلقهم من احتمال ان نتنياهو يستبعدهم.

في هذه الاثناء تتصلب حكومة نتنياهو في مواقفها العلنية وباتت لا تقبل وفقا لسيل التصريحات بأي إطار تنفيذي فلسطيني برعاية عربية يدير قطاع غزة، بل تطالب تل ابيب بإدارة دولية برعاية امريكية. كما أن "الفسحة التي تتيح قبولا اسرائيليا للصفقة هي نزع سلاح حماس وان يكون قطاع غزة منطقة منزوعة السلاح، وإبعاد قادة حماس للخارج وفوق ذلك كله عودة المخطوفين".

على المقلب الاخر، يشهد الشارع الاسرائيلي تحوّلا ملموسا في حركة الاحتجاج من اجل صفقة التبادل ووقف الحرب. وحصريا بعد زيارة ويتكوف بداية شهر آب/اغسطس الى تل ابيب والى غزة للاطلاع على مدى سير الامور في إطار "مؤسسة غزة الانسانية" الامريكية الاسرائيلية. وإذ كانت توقعات عائلات الاسرى والمحتجزين الاسرائيليين قد بنت توقعاتها العالية قبل الزيارة، بأن ويتكوف سوف يزور تل ابيب وفي جعبته البشائر بإبرام الصفقة وانهاء الحرب، الا ان خيبة الامل والتوقعات كانت طاغية بعد ان وفّر المبعوث الامريكي الضوء الأخضر الامريكي الكامل لنتنياهو في المضي قدما في الحرب.

دفعت خيبة أمل العائلات من ادارة ترامب الى التحوّل الحالي في الحراك الشعبي والقائم على الاعتماد على قوة الشارع، وعدم الركون للوعود الامريكية وبالجوهر عدم انتظارها. بل تكررت التصريحات من اهالي الاسرى والمحتجزين ومن قيادات الحراك الواسع والاعتماد على الشارع الذي يحسم الموقف. وجد هذا التحول تعبيرا عنه في الإمعان في التصعيد الصدامي وفي الاضراب العام الذي تجاوبت معه فئات واسعة بما فيها من القطاع الخاص، والجامعات، والنقابات المهنية، وغيرها. بموازاة ذلك تكثفت اعمال تشويش الحياة العامة واغلاق الطرق الرئيسية ومعظم مرافق الحياة وتصاعد الصدام مع الشرطة المنقسمة على ذاتها وعلى وزيرها بن غفير الذي أعلن عن اتخاذ قرار بمنع اغلاق الشوارع متجاوزا موقف المستشارة القانونية للحكومة الذي ينفي قانونية اجرائه. فيما طالب عضو حزبه النائب ألموغ كوهين بإعلان حراك الضباط المساندين للحراك الشعبي "تنظيما ارهابيا" وذلك يوم 4 ايلول في اعقاب اشتعال السيارة مقابل منزل رئيس الحكومة في القدس.

  • تصعيدٌ لا يكفي الحسم

تزامن التصعيد الاحتجاجي مع بدء الجزء الاول من عملية  "عربات جدعون2 " بالعمل على تهجير نحو نصف سكان القطاع المقيمين في مدينة غزة التي باتت معسكرات خيام، ويقدر الجيش بأنه لن ينجح بتهجير متكرر لنحو مائتي ألف من أصل المليون فلسطيني. إمعانا في مسعى التطهير العرقي، اعتمد الجيش أسس خطة الجنرالات وكذلك مخطط وزير الحرب السابق غالنت في قطع الماء عن المدينة ومنع دخول اية أغذية بما فيها حليب الاطفال، وتقسيم المدينة الى مربعات يتم تهجيرها مربعا بعد الاخر وهدمها بشكل يمحو كل بيوتها المتبقية وحتى أَطلالها عن وجه الارض. يضاف اليهما الحرب النفسية والترويع باستخدام الروبوتات المتفجرة والقصف المكثف وواسع النطاق وما تبقى من ابراج سكنية والذي لا يتيح للفلسطينيين اية فسحة من الراحة، واجبارهم على الهروب باتجاه الغرب سعيا للتهجير باتجاه الجنوب.

عمليا، تبدو "عربات جدعون 2" حربا فتاكة على المدنيين وتطهيرا عرقيا. تؤكد ذلك تقديرات الجيش بأن مراحلها المتقدمة قد تكلف الجيش خسائر بشرية بالإضافة الى انها تؤدي الى حكم عسكري يقلق الجيش لكنه ينصاع بالكامل للقرار السياسي.

يركز الحراك الشعبي لوقف الحرب حملته وضغطه حاليا على نتنياهو شخصيا، وذلك في مسعى لإرغامه على ابرام الصفقة وتحميله مسؤولية مقتل ذويهم المحتجزين في غزة نتيجة لعربات جدعون2. يسعى الحراك الى الاستناد الى تقديرات الجيش لتبرير التصعيد الاحتجاجي، وتتكرر التحذيرات وحتى الانذارات لنتنياهو بأنه قد يدفع لقتل المحتجزين ليعودوا جثامين او لا يعودوا أبدا كما حدث مع الطيار رون اراد الذي أسقطت طائرته في لبنان ووقع في الأسر عام 1986 ولم تجر صفقة تبادل بشأنه. فيما حذر والد أحد الرهائن نتنياهو يوم 4 ايلول بقوله "لو عاد ابني في كيس فستدفع انت الثمن باهظاً".

يكرر عسكريون اسرائيليون سابقون ومحللون جديرون بأن هدفي الحرب غير قابلين للتحقيق، لا استعادة المحتجزين بعملية عسكرية، ولا استسلام حماس حتى اخر عنصر فيها، بل من شأن عملية “عربات جدعون2 "ان تتحول الى حرب عصابات – غُوار مستنزفة. فيما لا تزال مواقف سائدة في الحكومة ومن أطراف الائتلاف وإعلامها تكرر مقولة "النصر الساحق وعلى بعد خطوة" فيما التقديرات الاضافية هي ان نتنياهو نجح لحد الان في اقناع ترامب بهذا الصدد. في هذا السياق، لم تحسم المعركة السياسية بعد، ولا تزال اليد الطولى لنتنياهو، الا ان الصراع الداخلي الصدامي يتصاعد وبتسارع. ومن دلالات حرج نتنياهو هو تصريحه الاخير باتهام الحراك الشعبي بأنه "كتائب فاشية" ليطلق العنان الى وزرائه باتباع الاسلوب ذاته.

  • السيادة والضم في الضفة الغربية:

للوهلة الأولى، يبدو وكأن مشروع بسط السيادة الاسرائيلية وتمهيدا للضم في الضفة الغربية ناجزاً، الا انه عمليا لا يتطابق تماما مع الواقع، هذا لا ينفي احتمالية مقامرة كبرى من حكومة نتنياهو. بل أن السفير الامريكي في تل ابيب مايك هاكبي والذي لا يختلف عقائديا عن اقصى اليمين الاسرائيلي والصهيونية الدينية، قد حذر نتنياهو من أَبعاد مواصلة السعى لتقويض السلطة الفلسطينية وإلغاء اية كيانية فلسطينية جامعة والاستعاضة عنها بكيانية الكانتونات او المعازل المنفصلة. وفي تحذيره شدد على ان الوضع الامني الاسرائيلي سوف يتضرر ووضعية اسرائيل دوليا سوف تتأثر بشكل يصعب اصلاحه، وهذا يندرج في سياق تصريحات ترامب عن اشكالية صورة اسرائيل في الولايات المتحدة نتيجة للحرب على غزة، مما يدلل على ضائقة ترامب في مواجهة الحملة الدولية من الاعترافات والتحول – حتى ولو لا يزال بطيئا - وحصريا في اوروبا من حالة اعلان الموقف الى اتخاذ الخطوات بما فيها فرض العقوبات على اسرائيل هذا من ناحية، وبالاعتراف بدولة فلسطين تحت الاحتلال وبشرعية الكيانية الفلسطينية.

  • بداية إدراك حدود القوة:

اللافت ان تكثيف خطاب بسط السيادة الضفة الغربية المحتلة، منصوص عليه في الاتفاقات الخطوط العريضة للحكومة 22/12/2022، لكن يتضح سياسيا ان حكومة نتنياهو في وضعية مأزومة تماما، وقد تضطرها الى ابقاء الموضوع على جدول اعمالها لكن دون اعلانه رسميا. بناء عليه جاء قرار نتنياهو الصادم لسموتريتش بعدم ادراج مسألة بسط السيادة قانونيا على الضفة الغربية على جدول اعمال الكابنيت يوم 4 ايلول. بل طرح الموضوع أمنياً وكيف سيكون رد اسرائيل على حملة الاعترافات بفلسطين دولة تحت الاحتلال، بما ينسف أحد اثنين من اهم مشاريع نتنياهو العقائدية وهو منع قيام دولة فلسطينية في الضفة والقطاع.

تصعيد خطاب سموتريتش ووزراء الصهيونية الدينية وحتى الليكود، لا يعكس بالضرورة القوة، بل أزمة القوة ومحدوديتها حتى في ظل حكومة أقصى اليمين. الضوء الاخضر الامريكي لا يتوفر حتى الان، بل قد تهدد خطوة بسط السيادة رسميا او الضم الاتفاقات الإبراهيمية مع بعض الدول الموقعة مما يجعل الثمن في نظر الولايات المتحدة غير مبرر.

بدورها بدأت ادارة ترامب هي ايضا تدرك حدود القوة، فلا تريد ان تخسر حلفاءها الاوروبيين، كما وتدرك ان ترامب لم ينجح في تجاوز الملف الروسي الاوكراني، ثم ان تظاهرة القوة البديلة التي تطرح تحديا مباشرا للنظام العالمي وحصريا لنظام القطب الواحد بقيادة الصين ومنظمة دول معاهدة شنغهاي، وهو تحد سياسي وعسكري واقتصادي مالي يقوم على خلق نظام عالمي موازٍ وعدم انتظار حدوثه من تلقاء نفسه. هذا التحول قد يدفع ادارة ترامب الى مراجعة حساباتها في تدخلاتها في العالم بما فيه مصير الحرب الاسرائيلية المسنودة امريكيا على غزة، وسيكون من المستبعد ان تملك القدرة على إصلاح الضرر الهائل في سمعة اسرائيل ووضعيتها عالميا.

  • خلاصة:

  • اللهحة التصعيدية وتكاد تكون غير مسبوقة في صوتها بصدد التصدي للحراك الشعبي من اجل الصفقة ووقف الحرب، إنما تعكس ضائقة نتنياهو الكبيرة. كذا الامر بالنسبة الى حملة الصهيونية الدينية الى بسط السيادة في الضفة الغربية في سباق مع الوقت، ليس بالضرورة ان تعبر عن قوة هذا المشروع، بل عن ازمته مقابل الواقع.
  • لا يبدو ان حكومة نتنياهو ستسقط اذ لا يوجد من يسقطها لحد الان، ولا الحراك الشعبي كافيا من اجل ذلك، لكنها تقود حربا متصاعدة (عربات جدعون2) الفتاكة ضد الفلسطينيين لكنها غير قادرة على توفير اي مخرج لإسرائيل ما لم يتغير القرار السياسي نحو الصفقة والقبول بانهاء الحرب.
  • الدعم الامريكي المطلق لإسرائيل هو ثابت أساسي في كل المعادلات، لكن تكلفته للسياسة الامريكية ولدور الولايات المتحدة العالمي باتت جوهرية وتنعكس في احتمالية تغييرات جوهرية في النظام العالمي كله. الموقف العربي يملك القدرات على التأثير الحاسم على السياسات الامريكية وتحدي دعمها المطلق لإسرائيل وحروبها.
  • التحولات الدولية نحو الاعتراف بدولة فلسطين واسناد اقامة الدولة فعليا، وفي المقابل المساعي الدولية الحقيقية نحو نظام دولي مواز ويتحدى الهيمنة الامريكية، هي تحولات قد لا تظهر مفاعيلها فورياً، لكنها تحمل مقدمات تغييرات جوهرية مغايرة للقائم.
قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية