وكما أن الماء والزيت لا يختلطان، الحزب السياسي والفصيل المسلح لا يتوحدان

A+
A-
مظاهرة مناهضة للعدوان الاسرائيلي (شينخوا)

مظاهرة مناهضة للعدوان الاسرائيلي (شينخوا)

في إحدى استراحات مناقشة قيادة الحزب (حزب الشعب الفلسطيني) لملف اتفاق إعلان المبادئ / أوسلو، 570 صفحة إن لم تخني الذاكرة، طرح الرفيق بشير البرغوثي، أمين عام الحزب، فكرة بدت لنا عابرة آنذاك. قال ما معناه: إن تم الاتفاق، وإن حصل الاستقلال والاعتراف المتبادل، وحل السلام، فذلك لا يعني أن الصراع قد انتهى، وإنما يعني أن شكله، وبالتالي أساليبه، وَسائله، وأدواته هي التي عليها أن تتغير. أن تنتقل من صراع التصادم العنيف، إلى صراع التنافس الحضاري. أن نكوصنَا عن خوض هذا التنافس يعني بقاءنا دولة متخلفة تجاور أخرى متحضرة، فَتبعية مباشرة، وخزانا للعمالة، خصوصا لتلك الفروع من العمل الأسود التي لا يقبل الإسرائيلي العمل فيها.

غابت هذه الفكرة عن نقاشاتنا فيما بعد، وإن ظلت تعود ثنائية بين وقت وآخر. وكان أن جرى الحديث عن ميدانينِ لِهذا التنافس الحضاري؛ الديمقراطية والتعليم. كان التنافس في حقل الديموقراطية يتطلب أول ما يتطلب حياة حزبية واسعة عميقة ومتطورة. تبدأ بتحول التنظيمات والفصائل المسلحة، وفتح في المقدمة، إلى أحزاب سياسية. الهدف انتزاع وحدانية واحة الديموقراطية  من اليد الإِسرائيلية واستبدالها بِواحتين اثنتين: واحدة فلسطينية وثانية إسرائيلية، تتنافسان على أيهما أكثر رقيا وأكثر جذبا للاحترام في الساحتين المحلية والدولية. ولكن..

لكن بدايات الوصول لطلائع العائدين قالت بوضوح أن فكرة التنافس الحضاري، خصوصا في ميادين الديموقراطية، ما هي إلا أضغاث أحلام ولبعض الحالمين لا غير. كيف؟

عادت منظمة فتح صاحبة التاريخ الحافل زالمؤهلة لقيادة المرحلة الجديدة، متمسكة بكل قيم، أساليب وأفكار المنظمة المسلحة. لم تحل نفسها ولم تتحول إلى حزب سياسي يسعى لبناء دولة بمفهوم حضاري واسع. وكان ذلك حال أخواتها الأخريات. وكما هو معروف بدأ بناء مؤسسات الدولة الموعودة من الصفر، وبرؤيا لِديموقراطية هجينة - بزرميط - نمت في المهجر وعرفت باسم ديمقراطية غابة البنادق. ديمقراطية قلت عنها في كتابي " الديمقراطية الفلسطينية في الممارسة " أنني أربأ بنفسي عن التوصية بها لِأعدى أعدائي. ومع بالغ الأسف، وبالرغم من تكرار توصيفي بالمبالغ في تشاؤمي، كانت كل توقعاتي صحيحة. لماذا ؟

أذكر أننا قبل مصادقة المركزي على أوسلو في تونس، وقبل البدء في بناء المؤسسات، أثناءه وبعده، نبهنا مرارا وتكرارا بأن إدارة الدولة هي غير إدارة الثورة، وأن أدوات، وسائل وأساليب الثانية لا تصلح و بالمطلق للأولى. وكان أن جرى ما جرى ووصلنا إلى ما نحن عليه وفيه. الانقسام، وتعذر الوصول لوحدة وطنية، بالرغم من الدعوات والنوايا الطيبات، بعض هذا الذي نحن فيه وعليه.ولطالما تكرر السؤال : لماذا ليس فقط يتعذر تحقيق الوحدة الوطنية وإنما غدا هذا التحقيق ضربا من ضروب المستحيل؟ والجواب بسيط: إنها التركيبة الخاصة وربما الفريدة لِساحتنا السياسية.قليل من الأحزاب السياسية ؛ الشعب، فدا، التحرير، وربما المبادرة، وكثير من الفصائل والتنظيمات المسلحة ؛ فتح، حماس، الجهاد الإِسلامي، الجبهة الشعبية، الشعبية القيادة العامة، الجبهة الديمقراطية، التحرير العربية، النضال الشعبي..الخ. وهناك بون شاسع بين هذا وذاك.

جرت العادة أن يقال أن طبيعة المرحلة، وعدم تحقيق مهام التحرير والاستقلال هي ما يفرض علينا ذلك، وقد يكون  صحيحا، ولكن …

لكن كلنا نعرف أن خلطة الأحزاب والفصائل هذه لا تولد الانقسامات فقط، ولكنها تقف سدا منيعا يحول دون بناء نظام ديمقراطي حقيقي من جهة، ودون الوصول إلى الوحدة الوطنية التي توجبها المرحلة من جهة أخرى. والتجربة المتكررة زكت ذلك. لماذا ؟ لأن تراث الفصيل، برنامجه، منهجه، حساباته وأساليب عمله، تشكل النقيض لنظيرتها في الحزب السياسي. الأخير يستند إلى علاقات ومنهج عمل مفتوح على الجماهير التي يستند إلى قبولها من عدمه في صعود وهبوط شعبيته. لا مجال لديه، في علاقاته الخارجية كما الداخلية لِلتعارض مع القانون. الفصيل يعتمد المستور أكثر بكثير مما يعتمد المفتوح. له حق مكتسب في العثور على داعم خارجي، وفي الجمع بين أكثر من داعم، كانت ما كانت دوافعهم. حسابات قياداته، اتساعها أو  ضِيقها، شمولها أو انحسارها، هي وحدها المرجعية المطلقة لقرار ساعة الصفر. وعليه هي صاحبة الحق المطلق في اختطاف حاضر ومستقبل الجمهور، تسحيجهِ وتأييده، كانت ما تكون العواقب، واحتمالات النجاح والفشل. والتنظيم الذي يحظى بشرف إعلان ساعة الصفر يعتلي، وعلى الفور، سدة قيادة المرحلة، محيلا كل مسؤوليات الفشل على من سبقه. ومسار اعتلاء سدة الحكم هذا أبعد ما يكون عن أي احتياج لديمقراطية سياسية، أو لوحدة وطنية. ويا ويلك يا طالب الدبس من ... النمس.

وأختم بالسؤال: وماذا عن التعليم؟ 

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية