الأرض تاريخ. على ترابها سجّل آباؤنا وأجدادنا أطول ملحمة تاريخيّة. والأرض جغرافيا. هي شرط الوجود والبقاء. هي شرطه القبليّ. على ترابها نسكن إلى أهلنا في مساكننا، ومنها نأكل ونشرب، وعليها نحيا وفيها نموت، وفوقها ننسل نسلنا كي نضمن وجودنا وبقاءنا إلى يوم الدين.. فكيف لا تصير جزءًا عضويًّا من الشرف والعرض في عقليّتنا الفلسطينيّة؟! كيف لا تكون خارج حدود التسليع والعقار التجاريّ؟! والتشبّث بها هو تشبّث بالحقّ في الوجود والبقاء. هو قبضٌ على الفطرة. ومصادرتها إذًا هو تهديد فعليّ لنزعة الوجود والبقاء. فكان يوم الأرض، كان ودفعنا فيه بدماء بناتنا وأبنائنا. ثمّ صار مهادًا سويًّا لثقافة التصدّي والتحدّي لكلّ أنماط التهديد. ثمّ ارتقت بعدها الأرضُ إلى مصافّ الرمز في الذهنيّة الفلسطينيّة الكلّيّة. صارت حالة مجازيّة عامّة أو استعارة ارتداديّة جارية. مع توالي الأيّام وتراكم السنين انحسرت معانيها المعجميّة اللاصقة واتّسعت دلالاتها اللاحقة.
ودائرة التهديدات تتّسع باستمرار. ظلّت تتّسع حتى بات وجودنا وبقاؤنا على أرضنا مهدّدًا بعوامل إضافيّة جديدة أو مجدّدة. يحلّ يوم الأرض هذا العام وقد أشاعوا بيننا الجريمة، وصادروا حقّنا في التعبير، وقمعوا أهلنا في المناطق المحتلّة، وما زالوا يفعلون، وهدّموا البيوت، وكرّسوا سياسات القمع والملاحقة والتضييق والخنق والكتم التي أجاءت بعض شبابنا إلى تفكير صائت في هجرة صامتة. ومع اتّساعها وامتدادها ارتفع منسوب القلق وظلّ يرتفع.
يوم الأرض والأرض ومَلاحقها. مناسبةٌ ومقامٌ وحال. المناسبة هي تأريخ المادّة في سياق تاريخيّ محدّد دفعنا فيه بدماء بناتنا وأبنائنا. والمقام هو المادّة نفسها، هي الأرض موضوع المناسبة. والحال هي إفرازاتها الامتداديّة وارتداداتها وتبعاتها وآثارها على الأجيال اللاحقة. ذهبت المناسبة وانحسرت المادّة موضوع المناسبة وبقيت الحال روح الأرض ودلالاتها وأخلاقيّاتها تتسلّل بهدوء إلى الأدب بمادّته الجديدة ومواضيعه المستجدّة. لن تجد في الأدب الفلسطينيّ اليوم مَن يجعل عمله خالصًا لا ليوم الأرض ولا للأرض نفسها. لن تجد نصًّا أدبيًّا يسير على هدي النموذج الأبويّ الذي ضبطه محمّد نفّاع ورسّم حدوده النوعيّة. غابت الأرض عن مركز المعتمَد الأدبيّ الفلسطينيّ، ولم تعد أكبر همّنا، غابت هي وغاب يومها معها. لكنّك تجد قيم التحدّي والتصدّي التي انسلخت عن معاني التشبّث بالأرض، تجدها في كلّ نصّ. غابت هي وبقي أثرها جاريًا. وأثرها حمولة عظيمة من القيم والأخلاقيّات تحملها كلّ الروايات الخمس التي سأذكرها. هكذا صارت الأرض استعارة ارتداديّة تعاقبيّة من جيل إلى جيل، تنشر أخلاق الصمود والبقاء والتصدّي لكلّ السياسات المجحفة ما كان منها في العلن وما كان منها في الخفاء. تبدّلت الأرض بتاريخها وجغرافيّتها وصارت معادلة كلّيّة، صارت قاعدة عامّة. منطقها استقرائيّ (Inductive Reasoning)، مثلما يقول السيميائيّون، وَهنَ صوتها وعظم صداها.
الكتابة عن يوم الأرض شيء والكتابة عن الأرض ذاتها شيء آخر، شيء يختلف في الماهيّة والجوهر. لم تكن الأرض في الأدب الفلسطينيّ مناسبة تاريخيّة عابرة يُحتفى بها ويُحتفل لذاتها أو تقليدًا سنويًّا مارقًا. لم تكن كذلك لأنها مسألة وجوديّة. وحين تصير أمرًا وجوديًّا تكبر وتعظم وتمتدّ فتنزاح عن الواقع لترتقي إلى مستوى الرمز. والرمز أكبر من السياق والظرف. الظرف شريحة ماضويّة والرمز حالة مستقبليّة. الرمز امتداديّ توسّعيّ بطبعه. هكذا كانت الأرض عند أديب الأرض، محمد نفّاع، وعند مُجايليه.. كانت؟! نعم كانت ولم تعد! في العقدين الأخيرين تعدّدت مصادر القلق الوجوديّ ولم تعد محصورة بالأرض ولا حتى بالسياسة بمفهومها التقليديّ الساذج. اقتحمت الأدب الفلسطينيّ مستجدّات كثيرة عمّقت قلقنا الوجوديّ مثلما أشرت. كلّ الروايات الخمس تجعل الأرض بمعناها الاستعاريّ خلفيّة ظلاليّة عقديّة وهي تتصدّى لهذا القلق الوجوديّ المستجدّ.
كانت الأرض قبل يوم الأرض حاضرة في الأدب الفلسطينيّ. غير أنّ حضورها تعمّق أكثر فأكثر وتجذّر في العقود القليلة التي أعقبت يوم الأرض. هكذا كانت في أدب محمّد نفّاع وحنّا إبراهيم ومصطفى مرّار ومحمّد علي طه مثلما كانت عند غيرهم. هكذا كانت، على الأقلّ، في أدب "القرية" بخلاف ما كانت عليه في أدب "المدينة". لم يلتفت أدباء المدينة إلى مسألة الأرض بقدر ما فعله أدباء القرية. هذي حقيقة. وكفى بإميل حبيبي مثالًا. وإذا كنّا قد ذكرنا ابن القرية محمّد نفّاع عميدًا لهذا الجانر الأدبيّ فانظر ماذا فعله، أو ما لم يفعله، ابنه هشام في روايتيه "المدنيّتين" "انهيارات رقيقة" و "لوزها المرّ". لم يجعل الأرض بهويّتها المادّيّة من محاور روايتيه وكأنه ليس ابن أبيه. قرأت كثيرًا ممّا يُنشر في الأشهر الأخيرة. إضافة إلى روايتي هشام نفّاع أذكر ثلاث روايات تمثيليّة أخرى على التوالي "ملجأ الكلب السعيد" لسهيل كيوان و"سبع رسائل لأمّ كلثوم" لعلاء حليحل و"النهار بعد ألف ليل" للدكتور محمّد هيبي. في هذي الروايات الخمس كلّها الأرض هي حالة رمزيّة، هي أثر، هي معادلة وليست مادّة عضويّة رغم الفرق في التفاصيل بينها. تظهر الأرض فيها كلّها بصفتها المجازيّة على هيئة موقف وليست بصورتها الحسّيّة الحقيقيّة. وحين يصير الكلب هو حارس الأرض وليس أصحاب الأرض، الذين غادروها إلى همومهم الذاتيّة الخاصّة، تضيع الأرض بمفهومها الحقيقيّ والاستعاريّ العميق ويضيع الموقف. ورغم أنّ رواية سهيل كيوان هي أبرز هذه الروايات إنصاتًا لنبض الأرض، بمعناها المادّيّ، إلا أنها ما زالت بعيدة عن النموذج الأبويّ لجانر الأرض على النحو الذي حدّده محمّد نفّاع ورسّم معالمه وتضاريسه بتفصيلات التفاصيل. لا أقول ذلك عتابًا ولا ملامة ولا أسفًا ولا احتجاجًا بل توصيفًا لواقع متحقّق، واقع محتوم مختوم.
عند الحديث عن رمزيّة الأرض تظلّ العلاقة بين الرامز والمرموز إليه موسومة بصبغة المادّة. أعني تظلّ علاقة عضويّة محسوسة. لكنّ الوجود في الأدب الفلسطينيّ، والحقّ في الوجود والبقاء، أكبر من مجموع مادّته وأعمق من كلّ تمظهراته الحسّيّة. حتى هذا الطالب الجامعيّ الذي يقيم في الطابق العشرين في برج من أبراج الكرمل في حيفا، والذي ولا يعرف شتلة البندورة من الخيار، لا ينحصر معنى الوجود عنده في الفلاحة. لم تعد الأرض في الأدب الفلسطينيّ تعني الجغرافيا في تعريفها ولم تعد تعني الفلاحة في وظائفها الغائيّة. الأرض حالة مجازيّة، استعارة جارية.
الأرض بمفهومها المادّيّ استنزفت في الأدب الفلسطينيّ منذ عقدين أو أكثر قليلًا. عن تفاعلات الأجيال والأضداد والأجناس والأعراق والمذاهب والأيديولوجيّات والرؤى المستقبليّة يكتب أدباؤنا اليوم. الوجود قلق مستمرّ وارتباك مرهق وخوف مركّب تعدّدت مصادره ومنابعه يأتي من كلّ فجّ عميق يتزاحم يتقاطع يتداخل في تركيبة غريبة عجيبة. عن تراكمات هذا القلق بالضبط يكتبون. هذا ما نقرأه في كلّ الروايات التي تقدّم ذكرها. بقيت الأرض جملة من القيم والأخلاقيّات، هي التي تحمي أدبنا من الانزواء في الهوامش وهي التي تحافظ عليه من الانزلاق نحو الذاتيّة المفرطة.
وفي الأخير كبسولة مستعجلة، لا يمكن أن نختصر وجودنا ونحصره بمفهوم الخدماتيّة، مثلما كانت بعض الأحزاب تظنّ مخطئة أو خاطئة. الأرض هي عقليّة انتماء واحترام وتقديس، عقليّة موقف، هي معاهدة مع الرزق، والرزق وجود. والوجود أصل.. كنت أرجو أن تنسرب هذه العقليّة بهدوء إلى الأجيال اللاحقة حتى لا تشتري زيت الزيتون السوريّ الصوريّ في زجاجات جاهزة من منتجات يد مُردخاي.






.png)


.jpeg)



.png)

