وُلد وترعرع الأستاذ نمر مرقس في قرية كفر ياسيف، حيث انضم إلى صفوف الحزب الشيوعي في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي. كان ناشطًا في الحركات الشبابية، ومناضلًا ضد نظام الحكم العسكري المفروض آنذاك على الأقلية العربية.
عمل على تأسيس كتلة المعلمين الشيوعيين للمشاركة في انتخابات نقابة المعلمين، وأثار نشاطه هذا حفيظة السلطات التي قررت نقله "عقابًا له" إلى عدة مدارس نائية، منها مدرسة برطعة، لتكون عبرة لغيره من المعلمين ذوي التوجهات السياسية اليسارية.
وكان الهدف من هذا النقل أن يرفض نمر الذهاب إلى برطعة ليُفصل من عمله نهائيًا، لكنّه اعتبر النقل مهمة نضالية ورسالة إنسانية، لا عقوبة.
برطعة في عيون نمر مرقس
كانت برطعة بالنسبة للأستاذ نمر قرية مجهولة، لا يعرف عنها سوى ما قرأه في صحيفة "الاتحاد" عن نفي بعض القادة الشيوعيين من أم الفحم والطيبة إليها عام 1950، إذ كانت قرية نائية على الحدود مع الأردن، مقطوعة عن العالم الخارجي.
اللقاء الأول مع المدير
وصل الأستاذ نمر مرقس إلى برطعة في نهاية شهر آب (أغسطس) 1954، بعد أن حصل على تصريح دخول من الحاكم العسكري في أم الفحم. سلك طريق المشاة الوعرة بين عارة وبرطعة، وكانت ضيقة مليئة بالأشواك والحجارة، وتتحول إلى مستنقع موحل في الشتاء — وهو المنفذ الوحيد لبرطعة نحو العالم الخارجي آنذاك.
استقبله مدير المدرسة الأستاذ أحمد مدلج، وشرح له طبيعة القرية المنقسمة إلى شطرين يفصل بينهما الوادي، محذرًا إياه من الخوض في أمور سياسية. وساعده في إيجاد غرفة للسكن تابعة للحاج حسن يوسف كبها (أبو يوسف).
أبو يوسف – الصديق والرفيق
كان الحاج حسن يوسف رجلًا بسيطًا طيب المعشر، محبًا للنكتة والسمر، كريم النفس، يعيل عائلة كبيرة. أجّر للأستاذ نمر غرفة في بيته لمساعدته على المعيشة، وسرعان ما توثقت بينهما صداقة قوية.
كانا يتبادلان الأحاديث والنصائح، وروى نمر عنه قصة ذكرها لاحقًا في كتابه "أقوى من النسيان" (ص 263)، حين ناقشا معاناة العمال العرب الذين كانوا يعملون حمّالين في المدن اليهودية.
وذُكر أن أحد الجيران ظنّ سوءًا بالأستاذ نمر عندما رآه يرتدي "شباحًا" وهو ينشر قميصه، فوقع شجار بين الجار وأبي يوسف، فتدخل نمر وأصلح بينهما، ومن يومها أصبح الجار من أصدقائه المقرّبين.
تحولت تلك الغرفة الصغيرة إلى ملتقى لأهالي برطعة، يقصدونها للحديث مع نمر، الذي أحبهم وأحبوه. وسرعان ما زالت الحواجز بينه وبين أهل القرية، فكانوا يتسابقون لدعوته إلى بيوتهم.
المعلم والمناضل
استغل نمر مكانته بين الطلاب والأهالي، ليشجعهم على المطالبة بحقوقهم والتخلص من الخوف والرعب من السلطة. وبالفعل، في انتخابات الكنيست عام 1955، حصل الحزب الشيوعي على نسبة عالية من الأصوات لأول مرة في تاريخ القرية.
وقد كتب أحد النشطاء على جدار المدرسة بقطعة فحم عبارة:
"صوّت ق ولا تخاف!"
مما أثار غضب الحاكم العسكري.
معلمو المدرسة
تعرّف نمر على مجموعة من المعلمين الذين عملوا في برطعة، منهم: حسني بيادسة، عبد الفتاح عراقي، صبري يونس، عبد اللطيف يونس، وآخرون. كانت تربطه بهم علاقة ودّ واحترام.
إضراب الطلاب الأول
من الأحداث المهمة التي ارتبطت بنمر مرقس إقناعه طلاب المدرسة عام 1955 بالإضراب احتجاجًا على ضيق الصفوف الدراسية، حيث لم تكن سوى غرفة واحدة لجميع الصفوف، وكان بعض الطلاب يتعلمون تحت الشجر.
أثار الإضراب اهتمام الأهالي الذين بادروا إلى بناء غرفة إضافية على نفقتهم الخاصة — وكان ذلك أول عمل احتجاجي جماعي في تاريخ برطعة. وقد وبّخ المسؤولون الأستاذ نمر على "تحريضه."
حادثة المنجل والمطرقة
في أحد الأيام دخل مدير المدرسة والمفتش أحمد إدريس فجأة إلى الصف الذي كان يدرّس فيه نمر التاريخ، وشاهدا على اللوح رسمة المنجل والمطرقة — شعار الحزب الشيوعي، الذي يرمز إلى تحالف العمال والفلاحين.
غضب المفتش واتهم نمر بنشر الفكر الشيوعي بين الطلاب، لكن أحد التلاميذ، مصطفى عبد الفتاح، وقف بشجاعة وقال:
"أنا الذي رسمتها، لا علاقة للمعلم بذلك!"
وهكذا أنقذ أستاذه، ونال العقوبة بدلًا من أستاذه.
كان مصطفى من أوائل أعضاء الحزب الشيوعي في برطعة، وبقي وفيًا للحزب حتى وفاته، إلى جانب جاره حسني حاج أحمد.
نشاطه الاجتماعي
لم يقتصر دور نمر على التعليم، بل ساهم في توعية الأهالي بحقوقهم، وحرّر لهم العديد من الرسائل الموجهة إلى الدوائر الرسمية للمطالبة بحقوقهم، خصوصًا من صودرت أراضيهم أو تضرروا من منطقة مناورات الجيش.
كما ساعدهم في قضايا التأمين الوطني والمساعدات الاجتماعية، وشجّع طلابه على مواصلة التعليم الثانوي.
من الأمثلة على ذلك تشجيعه الطالب أمين طاهر على متابعة دراسته، وإقناع والده، بل ومساعدته في كتابة طلب للحصول على منحة من الشؤون الاجتماعية لتغطية أقساطه الدراسية.
شهادة الأستاذ حسني بيادسة
في مقال نشره الأستاذ حسني بيادسة بتاريخ 8.9.2019 بعنوان "إضاءات ومواقف للمربي نمر مرقس"، وكذلك في مقابلة أُجريت معه بمشاركة الأستاذ مفيد صيداوي، روى أن الأستاذ نمر أخبره بأنه نُقل إلى برطعة بسبب انتمائه للحزب الشيوعي، لكنه لم يتذمّر، بل وجد في النفي رسالة إنسانية.
قال عنه بيادسة إنه كان مخلصًا، مجتهدًا، محبًا للناس، ناصحًا ومساندًا لهم.
وروى حادثة أثناء معركة برطعة في ربيع 1956 بين الجيشين الأردني والإسرائيلي، عندما رفض نمر مغادرة المدرسة وترْك زميله حسني رغم أوامر الضابط الأردني، وقال له:
"لن أتركه وحده بين الجنود وتحت القصف."
فأمره الضابط بالمغادرة أو الاعتقال. اختبأ حسني حتى نهاية المعركة، ثم لجأ إلى بيت الحاج أحمد حاج إبراهيم الذي سبقه إلى هناك بقية المعلمين. استضافهم جميعًا حتى الصباح.
وصفه بيادسة بأنه رجل شجاع وصاحب مواقف نبيلة، أحب الناس والوطن، وناضل من أجل العيش بكرامة.
الخلاصة
أحبّ أهلُ برطعة الأستاذ نمر مرقس وبادلهم الحب والوفاء. استمرت العلاقة بين عائلته وأهالي القرية حتى بعد رحيله، وبقيت ذكراه حية في قلوب طلابه وأصدقائه، رمزًا للمربي الوطني المخلص الذي جمع بين الرسالة والتعليم والنضال.
المصادر:
نمر مرقس، "أقوى من النسيان".
مقابلات شفوية مع أهالي برطعة.
صحيفة الاتحاد.
شهادة الأستاذ حسني بيادسة.













.jpg)