قرأت رد "نساء ضد العنف" على مقالي السابق حول التمثيل النسائي في المتابعة، وهذا ردي، بداية كتوضيح فإن ما كتبته لا يستهدف "حرف" النقاش ولا تبرئة البُنى الذكورية، موضوع البنى الاجتماعية والسياسية ودورها في إنتاج الاضطهاد وإعادة إنتاجه قد قتل بحثًا، ولا أجد جزئية جديدة أضيفها، أما الناشطية فعلى العكس من ذلك تمامًا.
موضوع الناشطية لم يحظى بحقه من النقاش والتحليل فلسطينيًا والكتابات الفلسطينية حوله فقيرة، وفي الغالب يحصر بالحديث عن "جمعيات".
الناشطية عالميًا تشكلت كرد فعل سلبي على انهيار المعسكر الاشتراكي وكبديل عن الفاعلين الحزبيين، إذ تنطلق الناشطية تحديدًا من الانفصال عن الأطر التنظيمية التقليدية والتحول إلى فعل احتجاجي ملتزم اتجاه قضية ما، كحالة قضية التمثيل النسائي في المتابعة في هذا النقاش العيني.
الغريب أن الرد يقول من جهة عن تعديل دستور المتابعة بعد مسار خمس سنوات أن هذا ليس "استيرادًا" من الخارج، وبعدها بقليل: "القول إن النسوية ناشطية منفصلة عن السياسة يفترض ضمنيًا أن السياسة حكرٌ على الذكور، وأنها لا تتحقق إلا داخل أطر الأحزاب التاريخية".
لا يوجد ربط مباشر بين ما طرحته عن كون الناشطية في التحليل الأخير هي حالة من اللا-سياسة وبين "السياسة حكر على الذكور"، الناشطية تشمل نشاط الذكور والإناث من خارج البُنى الحزبية التقليدية.
هذا بوجه عام نتيجة يتفق عليها المفكرون الذي حللوا وفككوا الناشطية، وفي القضية التي نحن بصددها، أليست النواة الصلبة للجنة المتابعة هي من الأحزاب "التاريخية"؟ وتمكين النساء (بصرف النظر عن نقاش الصواب والخطأ) مرتبط بها بحكم الأمر الواقع على الأقل؟
كذلك يشير المقال أن "النسوية هي التي أبقت خطاب العدالة في المجال العام"، أتفق أن النسوية ونشاطها دفع الأحزاب إلى عدم التجاهل (بدرجة ما) لكل موضوع حقوق وتحرر المرأة، ولو في مستواه "الخطابي". ولكن هكذا نتيجة لا تنفصل عن تصورات "المنعطف اللغوي" الذي يفترض أن الخطاب واللغة يخلقان الواقع، والواقع هو أن كل أنواع الأيدولوجيات الواضحة ليست حاضرة في حياة الناس اليومية، أما المعنيون بالأيدولوجيات والذين تلعب دورًا في سلوكهم وتصوراتهم فهم "المجتمع السياسي" في الداخل، ولكن في الواقع المُعاش الأمور ليست كذلك، علاقة "العامة" بالأيدولوجية والخطابات كعلاقة الإغريق بأرواح الرياح الأربعة.
يضيف المقال أن التمثيل النسائي "شرط للشرعية وليس ترفًا"، جميل نتفق على ذلك، ما الآلية التي "تفرض" على مكونات أن يلتزموا بهذه الشرعية؟ وهل عدم الالتزام بهذه "الشرعية" في الهيئات التمثيلية حقًا سيضرب بشرعية الأحزاب في هذه المرحلة؟. تفاعل القوى الاجتماعية معقد ويخلق بنية رمزية لا تخضع لمعايير وشروط محددة سلفًا مهما كانت محقة، وحقيقةً ما يضع شرعية تمثيل الأحزاب للمجتمع على المحك في المرحلة القادمة هو ما ستؤول إليه مفاوضات تشكيل المشتركة وليس شيئًا آخر.
لا يفهم من حديثي أنني معترض على أي هدف أو مبدأ من المبادئ السامية حول المساواة وتحرر النساء أو منكر لكل موضوع علاقات القوة والبنى والدوائر الاجتماعية التي تنتج تهميش المرأة، ما أطرحه هو مأزق عمل سياسي للناشطية دورٌ فيه لم ينل حقه من النقاش فلسطينيًا.
بخصوص الأحزاب، وبالذات منذ مطلع التسعينات والانتكاسة النفسية التي خلقها انهيار الاتحاد السوڤيتي، وإلحاح القضايا الاجتماعية المستجدة، فبأقل تعبير كانت استجابة الأحزاب ضعيفة في القضايا الاجتماعية التي لم تكن مطروحة من قبل.
أقترح فهم بنيوية الأحزاب بالاعتماد على تقسيمة موسى دوب عن الأحزاب إلى نوعين: حزب الجماهير وحزب الكادر. حزب الجماهير هو حزب مكون من أشخاص يتفقون على أمور إما تكتيكية وإما إستراتيجية لغاية تحقيق أهداف الحراك الجماهيري، أما حزب الكادر فهو حزب قد يحظى بتأييد جماهيري ولكن الانتماءات الطبقية لقيادته تلعب الدور الحاسم في سلوك الحزب الذي من شأنه تجاهل كادره والجماهير أحيانًا.
بطبيعة حزب الكادر مع مرور الوقت تتألف مواقع طبقية، أو "بيروقراطية" كما يسميها المقال، وتلعب هذه المواقع دورًا حاسمًا في سلوك القيادة الحزبية، ولكن هذا ليس كل شيء فالأحزاب نفسها خاصة في سلوكها الانتخابي تكون محكومة بالقاعدة الجماهيرية التي تمثلها، ولو كانت لا تعبر عنها، وهذا يلقي بظلاله على قضية المرأة وقضايا "المحافظة" الأخرى.
أعتقد أن النظام الرمزي الذي يحدد الصواب والخطأ وما هو أخلاقي وغير أخلاقي ويشكل صورتنا اتجاه أنفسنا يلقي بظلاله على الأحزاب أيضًا، فالنظام الرمزي هو آلية أيدولوجية لنظام ينتج ويعيد إنتاج نفسه، يستخدم النظام الرمزي ضد المتمردين عليه -حتى الذين في مركز اتخاذ القرار- فيدخلون في تناقض بين تصوراتهم وعدم امتلاكهم لأدوات التمرد، خاصة القلق من نتائج التمرد على الاعتبارات الانتخابية.
ونقطة أخرى داخل هذا النظام الرمزي تشكل حاجزًا ثقافيًا يمنع تحفيز النساء على الاندماج، هي غياب "الأيقونة"، نظام "الأيقونات" يعد محفزًا تلقائيًا للعمل، فعندما يقرر أحدهم الانضمام للعمل الحزبي فإنه يجد أيقونات كثيرة من أدباء وقادة سياسيين كتوفيق زياد وإميل حبيبي، فينحو لتقليدهم في مسارهم السياسي وحتى على صعيد المظهر ونبرة الصوت والتفاصيل الدقيقة، في الداخل الفلسطيني لم يُعرَف أيقونة نسائية كالحالات آنفة الذكر تحفز الانخراط السياسي للمرأة في حقل السياسة.
لذلك فالحاصل هو تراجع عام من كل مشروع تحرر إلى معادلات سياسية واجتماعية كثيرة في غالبها سلبية، مثل ممارسة نمط عيش غير محافظ بدون الدعوة إليه، أو قناعة مبدئية بقضية بدون طرحها خشية ضررها، وهكذا دواليك.
ما أدعو إليه هو نفس ما قلته في مقالي السابق، والذي فهم بأنه ترسيخ للفصل بين "القيادات-النساء، السياسي-المدني"، وهو في حقيقته ليس كذلك، ما أبحث عنه هو يسار ذو تراث نضالي وسياسي ممتد متحالف مع حركة وطنية وتيارات ديمقراطية تدرك أن قضايا التحديث والتحرر الوطني هي الأولوية ويضعون تصوراتهم وفق هذه الأولوية في إطار شامل موحد يدعم ظهور تيارات سياسية ثقافية في إطار منضبط وحيوي بدون تجزئة القضايا إلى بازل نضالات حقوقية متشعبة.
.jpeg)






.png)


.jpeg)



.png)

