لا أبالغ إذا ما تساءلت: هل هناك فلسطينيّ لا يعرف أبا هشام أو لم يسمع به؟ وهل هناك سياسيّ فلسطينيّ أو مثقّف فلسطينيّ لا يروي طرفة ذكيّة حادّة من طرائفه السّاخرة التي لم يسلم أحد منها، من رأس الهرم حتّى قاعدته؟
منذ عرفته شدّني إليه بذكائه الحادّ، ولسانه السّليط، وذاكرته الموسوعيّة، وتاريخه الوطنيّ العريق، وروحه الوثّابة المرحة، ومداعباته اللاسعة، ومقدرة التّهكّم عنده حتّى على نفسه، وبعد نظره العقليّ، وكرمه الحاتميّ.
عرفته في أواخر ثمانينات القرن الماضي عندما التقيت به في مدينة براغ حيث كان السّفير الفلسطينيّ البارز، وكنت عضوًا في وفد اتّحاد الكتّاب العرب الذي التقى يومئذ بوفد الاتّحاد العامّ للكتّاب الفلسطينيّين برئاسة الشّاعر الصّديق محمود درويش وكان أبو هشام المضيف الكريم لهذا اللقاء، ثمّ زارني في بيتي بعد عودته مباشرة إلى الوطن، وفق اتّفاق أوسلو، فاحتفلت به احتفالًا يليق بصديق مناضل كبير وامتثلتُ برحابة صدر لطلبه بتسمية المدعوّين إلى وجبة العشاء وكان هو النّجم السّاطع في ذلك اللقاء الذي لا يُنسى.
وعندما زرتُ مدينة عمّان للمرّة الأولى في حياتي في نيسان 1995 بدعوة من د. أسعد عبد الرّحمن، مدير مؤسّسة شومان، اتّصل بي أبو هشام هاتفيًّا فور وصولي إلى عمّان وقال لي: أنا بانتظارك وسوف أرسل لكَ سيّارة خلال ربع ساعة لتنقلك إلى بيتي، وعندما وصلنا أنا وزوجتي إلى بيته العامر وجدناه بانتظارنا مع السّيّدة أم هشام والأخ الكاتب المناضل الكبير ممدوح نوفل. وبعد أيّام أقام مأدبة عشاء فاخرة على شرفي دعا إليها عددًا كبيرًا من خيرة الأدباء والكتّاب والشّعراء والإعلاميين في الأردن وطلب مني قبل تناول الطّعام أن أقدّم مداخلة عن موقف العرب الفلسطينيّين في إسرائيل من اتّفاق أوسلو فلبّيت طلبه بسرور.
وفي مساء الأربعاء 8 كانون الثّاني 1997 قلّدني وزير الثّقافة الفلسطينيّة ياسر عبد ربه وسام القدس للثّقافة والفنون نيابة عن الرّئيس ياسر عرفات في قاعة خليل السّكّاكينيّ في مدينة رام الله وحضر الاحتفال عددٌ محترمٌ من الأدباء والشّعراء والفنّانين ورجال الفكر والأساتذة الجامعيين ورجال السّياسة وتكلّم فيه بالإضافة إلى الأستاذ ياسر عبد ربّه الكاتب الرّوائيّ يحيى يخلف والأدباء عزّت الغزّاويّ ومحمود شقير ونبيه القاسم، وتقدّم الأخ أبو هشام منّي مهنّئًا وقال بسخريته اللاذعة: أنتَ أخذتَ الوسام وأمّا إسرائيل فقد أخذت القدس... وماذا بقي لنا؟
كان أبو هشام نجم كلّ سهرة وكلّ جلسة بحديثه وبسخريته اللاذعة في رام الله وفي عمّان وفي براغ وفي حيفا وفي النّاصرة وحيثما حلّ.
روى لي عدد من الأصدقاء بعضًا من طرائفه وتعليقاته الحادّة ولا بأس من أذكر واحدة منها على الأقلّ.
كان المرحوم أبو هشام يطمح أن يكون محافظًا لبيت لحم المدينة التي أحبّها كثيرًا منذ طفولته فقرية حوسان التي وُلِد فيها هي من محافظة بيت لحم، ولكنّ الرّئيس ياسر عرفات الذي كان يقدّره كثيرًا لم يمنحه هذه الوظيفة المحترمة. ويُقال أنّ أبا هشام سأل الرّئيس عرفات عن السّبب في عدم تعيينه محافظًا لبيت لحم فقال له "لأنّك تعاني من ضعف شديد في النّظر"، وكان أبو هشام رحمه الله ضعيف النّظر بسبب التّعذيب في أحد السّجون العربيّة، فردّ أبو هشام على الرّئيس عرفات: يا سيّدي الرّئيس أنا طلبت منكم أن أكون محافظًا ولم أطلب منك أن أكون قنّاصًا.
بعد عودة أبي هشام إلى الوطن ربطته علاقات صداقة ومحبّة مع عشرات الشّخصيّات الوطنيّة والسّياسيّة والاجتماعيّة والأدبيّة والفنيّة من الجليل والمثلّث والنّقب وكان على مقدرة فائقة في معرفته للنّاس وتقدير دور كلّ فرد منهم.
كان أبو هشام مناضلًا كبيرًا وسيّاسيًّا داهيةً، ومحدّثّا لبقًا وصديقًا وفيًّا، ورجلًا كريمًا شهمًا ولن أكتب عن تاريخه العريض في الفترة البيروتيّة لأنّني لا أعرف إلا النّادر القليل منها.
كان أبو هشام ضعيف البصر، حادّ البصيرة، بعيد النّظر.
رحمك الله أيّها الفلسطيني الأصيل الصّديق الوفيّ.







.png)


.jpeg)



.png)

