مراكز بحوث أم ترسانات؟

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

كتب أحدهم ذات مرة تعليقاً بليغاً، باللغة الإنكليزية، عن الدور الذي يلعبه الكثير من مراكز البحوث/الدراسات في عواصم الدول الكبرى، في دق طبول الحروب والدعوة لإشعالها وتأجيجها ونشر نيرانها، بنشر دراسات تتصادى وتتناغم مع سياسات رسمية يمينية ورجعية، أو تنصح بتبنيها، أي هذه السياسات، وتحث على الإسراع في ترجمتها إلى حقائق واقعة. وذكر المعلّق أن مراكز البحوث والدراسات هذه، التي تسمّى بالانكليزية Think Tanks، ليست أقل دماراً وعنفاً، في نهاية المطاف، من الدبابات (Tanks) التي تطلق القذائف في الحروب والصراعات. إذ أنها تقوم بدور مشابه، خطابياً ومعرفياً وأيديولوجياً، يضطلع به أناس يرتدون بذلات أنيقة بلا رتب، ولا يحملون أسلحة، بل يجلسون في قاعات أنيقة بعيداً عن الجبهات.

معظم مراكز البحوث، حيثما كانت في العالم، عبارة عن أذرع وأجنحة فكرية لحكومات أو أحزاب، أو مصالح اقتصادية وعسكرية، أو لوبيهات. وهناك أمثلة لمراكز بحوث دعمها لوبي شركات صناعة السجائر في الولايات المتحدة لسنوات طويلة، لإنتاج وترويج دراسات موجهة وخطاب يحاول دحض وتفنيد الدراسات المحكمة، التي أثبتت مخاطر التدخين على الصحة. وكذا الأمر لمراكز بحوث تضخ دراسات تقلل من خطورة أزمة المناخ، وتبعاتها أو تنكرها، وهذه تدعمها، بالطبع، كبريات الشركات، التي تستخرج وتنتج الوقود الأحفوري، هناك بالطبع استثناءات تتمثل في مراكز مستقلة، أو مرتبطة بحركات وتوجهات تقدمية.

تزدحم عاصمة الولايات المتحدة، واشنطن، بكثير من مراكز البحوث، التي يعتمد الإعلام السائد على الخبراء والباحثين في طواقمها للإدلاء بدلوهم، كلما اقتضت الحاجة. وقلما يتجشم الصحافيون عناء الإشارة إلى ارتباطات مراكز البحوث هذه أو مصادر تمويلها التي تحدد مسبقاً حدود وأطر خطابها، وحسب دراسات موثّقة، نشرها معهد كوينسي مؤخراً، فإن مصادر تمويل أهم خمسين مركز أبحاث في الولايات هي الحكومة والشركات المتعاقدة مع وزارة الدفاع (التي قرر ترامب تغيير اسمها إلى «وزارة الحرب»). وفيما يخص منطقة الشرق الأوسط فأكبر مركز بحوث يعنى حصرياً بمنطقة الشرق الأوسط هو، «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى».

وما دعاني لتخصيص هذه المساحة لمراكز البحوث ولهذا المعهد بالذات، هو أن بعض العراقيين، من ذوي التأثير إعلامياً، يفرطون في الإشارة إلى ما ينشره هذا المعهد في ما يخص العراق والمنطقة، ويستأنسون بخبرائه وبتصريحاتهم وتهويماتهم التي يتلقفها جمهورهم بدوره. وبين هؤلاء من يمكن تسميتهم بـ"ولائيي ترامب"، من الذين يظنون أن الولايات المتحدة عازمة على تخليص العراق من محنته! إذا كان هؤلاء يعرفون تاريخ المعهد وارتباطاته فتلك مصيبة، وإذا كانوا لا يعرفون فالمصيبة أعظم. يدّعي موقع المعهد أن مهمته «تتمثّل في تعزيز فهم متوازن وواقعي للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، وتعزيز السياسات التي تؤمّنها». وتتصدر القسم الخاص بمهمة المعهد وتاريخه مقولتان لرئيسين سابقين يمتدحان المعهد، أحدهما بيل كلينتون والآخر جورج بوش الابن، الذي يثني على عمل المعهد بقوله: «عملكم الدؤوب والتزامكم بنشر الحرية، وتقوية أمتنا وجعل العالم مكانا أكثر أماناً وسلاماً».

ليس المعهد إلا ذراعاً للأيباك (لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية المعروفة بأنها أكبر وأهم مجموعة ضغط موالية لإسرائيل وتمتلك نفوذاً واسعاً في الولايات المتحدة وتؤثر على الانتخابات والحملات الانتخابية). أسس المعهد في 1985 لاري واينبرغ، وهو رجل أعمال معروف بتوجهاته الصهيونية وكان قد انتخب رئيساً للأيباك في 1976 وشغل هذا المنصب حتى 1982. ومع أن المعهد يذكر أن الدعم المادي هو من مواطنين عاديين، لكن من المعروف أن الدعم هو من المتبرعين والمانحين الصهاينة المرتبطين بالأيباك. وشغل عتاة الصهاينة الأمريكان مواقع مهمة في المعهد، من مارتن إيندك إلى دينس روس. وكما هو الحال في كثير من مراكز البحوث هذه فهناك ما يسمى سياسة الباب الدوّار، حيث ينتقل الأفراد من الأجهزة والمؤسسات الحكومية إلى مراكز البحوث وبالعكس.

ويفخر معهد واشنطن «بالقائمة الطويلة من «خريجي» المعهد، الذين استمروا في الخدمة في كل جهاز حكومي أمريكي تقريباً، ويلعبون دوراً في صنع السياسات في الشرق الأوسط – بما في ذلك في "مجلس الأمن القومي" و"وزارة الخارجية" و"البنتاغون" و"مجتمع الاستخبارات». ومن الطبيعي أن يحرص المعهد على أن يطعّم طاقم الخبراء بعناصر من الشرق الأوسط، للتنويع، ولكي يشهد شاهد من أهلها. قد لا يعرف العراقيون الذين يتوسمون خيراً في المعهد ويتلهفون لقراءة تقاريره أنه نظم قبيل 2003 ندوات ومؤتمراً استضاف فيه عدداً من الخبراء الجهابذة (ومن بينهم فطحل عراقي) وتضمنت مخرجات المؤتمر وعوداً بمستقبل ديمقراطي زاهر تلتقي فيه مصالح الولايات المتحدة مع مصالح الشعب العراقي!


* شاعر وروائي ومترجم وأكاديمي عراقي. المقال منشور في "القدس العربي" وينشر هنا بالاتفاق مع الكاتب.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية