الحرائق الهائلة المشتعلة، التي يقدَّر أنها الأكبر في تاريخ دولة إسرائيل، لا يُفترض أن تفاجئ أية سلطة أو وزارة في الحكومة، ولا رئيسها. من يزعم خلاف هذا، هو كاذب.
خطة العمل التي وضعتها وزارة "الأمن القومي" للعامين 2023-2024 أشارت بوضوح إلى هذا التهديد، وحدّدت الأهداف المتعلقة بتكييف قدرات واستجابة سلطة المطافئ لسيناريوهات اشتعال الحرائق. لكن الحكومة بقيت متخلّفة عن مواجهة حجم الخطر، ولم تخصّص ما يكفي من ميزانيات للاستعداد. هذا ما جاء في تقريرين لمعهد الأبحاث والمعلومات التابع للكنيست، في تموز/يوليو 2023، الأول بعنوان "مسائل في منظومة الإطفاء" والثاني "منع الحرائق بواسطة مناطق وخطوط عازلة".
بعد آخر الحرائق الكبرى، في 2010 و2016، حيث اندلع حريقان كبيران في جبال الكرمل، نشر مراقب الدولة تقريرين أشارا إلى أوجه قصور مختلفة في الإجراءات المتخذة فور اندلاع الحرائق، وفي التنسيق بين منظمات الأمن والإنقاذ.
بيانات خدمة الأرصاد الجوية، في صيف 2023، كما جاء حينذاك في تقرير لصحيفة "كلكاليست"، أكدت ازدياد مؤشرات انتشار الحرائق في العشرين عاماً الماضية وزيادة بمقدار ثلاثة أضعاف في عدد الأيام التي يكون فيها احتمال انتشار الحرائق كبيراً.
وفقاً لتقرير في العام 2021 وضعه د. أمير جفعاتي، خبير المناخ من قسم العلوم البيئية في جامعة تل أبيب، لهيئة الإطفاء والإنقاذ، بين العامين 1986 و2019، كانت هناك زيادة بنسبة 22% تقريباً في احتمال انتشار الحرائق في جبال القدس بسبب التغيرات المناخية.
أشار تقرير لمراقب الدولة في العام 2021 إلى أنّ التغيير في المفاهيم والتصورات لم يحصل بعد في دولة إسرائيل؛ وأن الأجسام التي اتخذت إجراءات من أجل تحسين عملية التهيؤ للأزمة المناخية قليلة؛ وأنّ إسرائيل من الدول القليلة في العالم التي لم تشرع بعد بالعمل على أساس خطة تهيّؤ قوميّة مموّلة ومصادق عليها، على الرغم من أنّها تقع في منطقة هي عرضة لمخاطر كبيرة، وعليه فهي معرّضة لمزيد من مخاطر التغيرات المناخية.
في كل عام من الأعوام 2020-2023، تم استقبال حوالي 128000 مكالمة بالمعدل في قسم الاستقبال الهاتفي لهيئة الإطفاء، وتعاطت أطقم الإطفاء مع حوالي نصف المكالمات. على المستوى القطري، 66% من المكالمات والاستغاثات التي تم تسلمها كانت حول حوادث حريق والبقية تم تصنيفها على أنها حوادث إنقاذ (27%) أو مواد خطرة (7%).
في العام 2017، وضعت وزارة حماية البيئة خطة عمل قطرية تضمنت تقليص المساحات المتعاقبة في الغابات عبر إنشاء مناطق عازلة تقطع تعاقب الغطاء النباتي وتفصلها أيضاً عن البلدات والمرافق المختلفة. وهو ما لم ينفّذ بالكامل.
وفقاً لمعطيات "البرنامج الوطني لتقييم حالة الطبيعة"، عام 2023، تندلع آلاف الحرائق في إسرائيل كل عام في المناطق المفتوحة. مرة كل بضع سنوات، تندلع حرائق تلتهم مساحات كبيرة لعدة أيام. كذلك، كجزء من اتجاه عالمي، يتزايد تواتر الحرائق في إسرائيل. ومن المتوقع أن تتفاقم وتيرة الحرائق وشدتها في إسرائيل لثلاثة أسباب: (1) زيادة في الغطاء النباتي الذي يعتبر وقوداً للاحتراق في المناطق المفتوحة؛ (2) زيادة في النشاط البشري في المناطق المكشوفة كالتدريبات العسكرية والحرائق المقصودة وكذلك الكثافة السكانية العالية، مما يزيد من تفاعل الناس مع المساحات المفتوحة، ونتيجة لذلك يزداد خطر الحرائق؛ (3) الظروف التي نشأت منذ الثمانينيات- - تغير المناخ وإطالة فترات الجفاف والأيام الخمسينية المصحوبة بالرياح – حيث تزداد محفّزات اندلاع الحرائق الشرسة الكبيرة.
بحسب تقرير معهد أبحاث الكنيست المُشار إليه أعلاه،، فإن إنشاء المناطق العازلة لم يتقدّم على الإطلاق: في 583 مكاناً (تم أخذ عينات منها كجزء من قرار الحكومة)، لم يتم بعد إنشاء مناطق عازلة. تم اختيار ثلاث مناطق في حيفا كهدف أول من أجل إنشاء مناطق عازلة، ولكن حتى مرحلة التخطيط لم تنته. وكشف التقرير أنه لم يتم جمع معلومات شاملة حول إنشاء مناطق عازلة، وهي مسؤولية الجهات الحكومية المختلفة.
تم أيضاً تجاهل مسودة اللوائح التي كتبتها خدمة الإطفاء والإنقاذ والتي يمكن أن تسرع في إنشاء مناطق عازلة، وتم وضعها على الرف منذ العام 2017، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن الوزارات الحكومية المعنية لم تتوصل إلى اتفاقيات بشأن مصدر الميزانية لإنشاء مناطق عازلة وتنفيذ المبادئ التوجيهية التي وضعتها الهيئة القومية للحريق والإنقاذ.
بموازاة هذا، فإن نطاق القوى العاملة في خدمات الإطفاء والإنقاذ يعاني هو أيضاً من النقص إلى حد كبير. في العام 2021، حذر مراقب الدولة من وجود نقص كبير بنحو 1695 عنصر إطفاء مقارنة بالهدف الذي حددته هيئة الإطفاء والإنقاذ. وتغطي 126 محطة إطفاء منتشرة في جميع أنحاء البلاد حوالي 50% فقط من المنطقة الحضرية.
هذه هي الحقائق. لم تضعها منظمات حقوق إنسان، ولا الأمم المتحدة، ولا "اليسار" ولا العرب. أصوات التحريض على العرب واتهامهم بإشعال الحرائق الحالية، وسُحُب الدخان لن تغطي الحقيقة التي تنص عليها تقارير رسمية إسرائيلية: هذه الحرائق كانت مسألة وقت لا أكثر. والسبب في اندلاعها اليوم هو تقاعس الحكومة والهيئات التابعة لها. كامل المسؤولية على عاتقها. الأكاذيب لا تطفئ نيرانًا ولا تغيّر وقائع.
.png)






.png)


.jpeg)



.png)

