لم يعش جيلنا تجربة مخيمات العمل التطوعي التي كانت في الماضي عنوانًا للعطاء والانتماء والعمل الجماعي في الناصرة، لكنه نشأ وهو يسمع عنها بشغفٍ وحنينٍ إلى زمنٍ كانت فيه المبادرة الجماعية فعلًا يوميًا لا شعارًا.
واليوم، وسط ما يعيشه مجتمعنا من أزماتٍ متراكمة وتحدّياتٍ متزايدة، ورغم تغير الظروف السياسية والاجتماعية نجد دافعًا للعودة لميدان الأيام التطوعية، لإحياء تلك الروح الجماعية التي جمعت الناس حول فكرةٍ بسيطة وعميقة في آن، مفادها أنّ الحيز العام ملكٌ لأهله، يُصان بالعمل المشترك والانتماء الصادق.
في الناصرة، بدأت ملامح الأعمال التطوعية بالظهور من حديقة كرم الجمال في حيّ الصفافرة، حيث نظّمت الشبيبة الشيوعية والجبهة والحزب الشيوعي العام الماضي يوم عمل تطوعي تم به تنظيف الحديقة وترتيبها وتحسين مظهرها العام.
كانت هذه الخطوة محاولة أولى لإعادة تفعيل ثقافة العمل التطوعي في المدينة بعد سنوات، وساهمت في لفت الأنظار إلى أهمية المبادرات الميدانية الصغيرة في تطوير الحيّ والمساحات العامة.
هذا العام، شهدت الناصرة زخمًا لافتًا مع يوم العمل التطوعي في موقف خيمة هاجر، الذي كانت قد تراكمت فيه النفايات وأصبح يشكّل مصدر إزعاجٍ للأهالي ومظهرًا مؤلمًا في قلب المدينة.
نظّمت الشبيبة الشيوعية والجبهة والحزب الشيوعي هذا اليوم التطوعي في موقعٍ يخدم جميع أهالي المدينة ويُعدّ من أبرز النقاط الحيوية في حياتها اليومية، انطلاقًا من الإدراك لأهميته كمرفقٍ عام ومساحةٍ تعبّر عن وجه المدينة وحيويتها.
شارك في النشاط عشرات المتطوعين والمتطوعات، الذين قاموا تنظيف المكان، وتخطيط ودهان الموقف والأرصفة، وإعادة تنظيم المساحات العامة المحيطة به.
ترك هذا اليوم أثرًا واضحًا في المكان، إذ تحوّل الموقف إلى مساحة أكثر تنظيمًا وجمالًا تعكس روح العطاء والانتماء، كما عزّز الشعور العام بأنّ العمل التطوعي قادر على إحداث تغييرٍ ملموس في الواقع اليومي للمدينة.
يمكن القول إنّ يوم خيمة هاجر منح الحراك التطوعي في الناصرة دفعة قوية، وأعاد الفعل الجماعي إلى مركز المشهد. فتواصلت المبادرات التطوعية آخرها قبل أيام في الحيّ الشرقي - شارع إكسال، حيث نظّمت الشبيبة الشيوعية في الناصرة يوم عمل تطوعي امتدّ على طول كيلومترٍ واحد في منطقة مدرسة الشرق.
شهد هذا اليوم مشاركة واسعة من أهالي الحيّ الشرقي إلى جانب العشرات من المتطوعين من مختلف أحياء المدينة، الذين نفّذوا أعمال تنظيف شاملة، ودهان الأرصفة، وإعادة تأهيل المساحات العامة المحيطة بالمدرسة.
بعد يوم العمل التطوعي في موقف خيمة هاجر، بدأت مبادرات التطوعية تمتد إلى أماكن مختلفة في المدينة، بمشاركة مدارس، أطر، وجمعيات محلية، ما يشير إلى توسّعٍ تدريجي في دائرة الوعي والمبادرة وإن كانت فردية.
هذا التنوّع في المبادرات والمواقع يعكس اتساع الحراك الميداني التطوعي في الناصرة وارتباطه المتزايد بالمسؤولية الجماعية.
ورغم أنه ما زال من المبكر الحديث عن حراكٍ تطوعي كبير ومنتظم، إلا أنّ هذا الانتشار في المبادرات والمشاركة الواسعة من مختلف الأحياء والمؤسسات يشير إلى تحوّلٍ نوعي في العلاقة بين الأهالي وبيئتهم نحو مسؤولية مشتركة وتعزيز الشعور بالانتماء.
أما في سخنين فقد جاء الإعلان عن المبادرات التطوعية كردّ على تفاقم ظاهرة الجريمة والعنف في المجتمع العربي، وانطلاقًا من قناعةٍ بأنّ دور الأحزاب السياسية لا يقتصر على النضال السياسي والضغط على المؤسسات الرسمية فقط، بل يشمل أيضًا العمل التربوي والمجتمعي المباشر داخل بلداتنا.
وفي هذا السياق، اختارت الشبيبة الشيوعية والجبهة والحزب الشيوعي أن تواجه الواقع المتأزم بمبادرات ميدانية تطوعية تعيد توجيه الجهد الجماعي نحو ما يوحّد الناس ويعزّز الثقة بالعمل المشترك.
ضمن هذا التوجّه، نُظّم يوم عمل تطوعي في دوار توفيق زيّاد، بمشاركة العشرات من المتطوعين، الذين نفّذوا أعمال تنظيف وترتيب للمساحات العامة، وزراعة الزهور وتجميل الموقع.
تشكّل هذه النشاطات التطوعية رافعة اجتماعية تؤكد أنَُّ المبادرات التطوعية يمكن أن تكون أداة فعّالة لتعزيز قيم الانتماء والعطاء ومواجهة التفكك المجتمعي.
تجربتا الناصرة وسخنين في الفترة الأخيرة، ورغم اختلاف السياقات، تؤكدان أنّ العمل الجماعي لا زال يشكّل قيمة إنسانية ووطنية تتعزّز مع الاستمرارية والتراكم.فهو يعيد تشكيل العلاقة بين الناس وبيئتهم، بما يعزّز روح المسؤولية والانتماء. إذ إنّ التطوّع في جوهره ليس حدثًا عابرًا، بل مسارٌ طويل يعيد بناء ثقافة المشاركة، والانتماء، والعطاء المتبادل.
فالعمل التطوّعي يُشكّل أحد أهمّ الأدوات المجتمعية في مواجهة العنف والجريمة، لأنه يعيد بناء الروابط الاجتماعية التي تُضعفها الفردانية والعزلة. وحين يلتقي الناس حول هدفٍ جماعي يخدم المصلحة العامة، تتولّد بينهم ثقة متبادلة وشعور بالانتماء والمسؤولية المشتركة، وهي القاعدة التي يقوم عليها مجتمعٌ متماسك وقادر على مواجهة مظاهر العنف.
أظهرت ردود الفعل الايجابية على هذه المبادرات أثرًا بالغ الأهمية؛ فقد عبّر العديد من الأهالي عن حماسهم واستعدادهم للمشاركة في الأيام القادمة. هذا التفاعل الإيجابي خلق طاقة جماعية تُعيد الثقة بأنّ التغيير ممكن، وأنّ التطوع يمكن أن يكون فعّالًا في مواجهة مظاهر الإهمال الاجتماعي والعنف والجريمة. فحين ينشغل الناس بالبناء والعطاء، ويشعرون أنّ لهم دورًا في تحسين واقعهم، تتراجع مشاعر اللامبالاة والعجز التي تغذّي ظواهر التفكك والعنف.
إن التطوّع لا يقتصر على تنظيف حيّ أو طلاء جدار، بل هو فعلٌ يعيد الاعتبار لقيمة العمل الجماعي ويُرسّخ ثقافة التعاون بدل الصراع، والانتماء بدل الاغتراب. في بيئةٍ يسودها الانخراط الإيجابي، تقلّ دوافع الجريمة، وتتراجع مساحات الإحباط واليأس التي تُغذّي العنف.
من هنا، يصبح كلّ يوم عملٍ تطوّعي ليس فقط مبادرة لتحسين المكان، بل خطوة في بناء مناعة اجتماعية ضدّ العنف، ورسالة عملية بأنّ الطريق إلى مجتمع آمن يمرّ من خلال المشاركة، والتكافل، والإحساس بالمسؤولية تجاه بلداتنا.
إنّ تحويل ثقافة التطوّع إلى نهجٍ دائم في مدارسنا وأحيائنا ومؤسساتنا هو شرط أساسي لبناء مجتمعٍ قادرٍ على مواجهة أزماته من الداخل بروحٍ جماعية وإيمانٍ بقدرة الناس على التغيير.
وفي ظلّ التحديات المتزايدة التي يواجهها مجتمعنا، تبرز الحاجة إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي بأهمية العمل الجماعي، بوصفه مسارًا مستمرًا لبناء الثقة والتماسك الاجتماعي، وليس ردّ فعلٍ مؤقتًا على الأزمات.
إنّ ما شهدناه من مبادراتٍ تطوعية، رغم أنّها ليست مرتبطة مباشرةً في تنظيمٍ أو سياقٍ واحد، تعكس توجّهًا مشتركًا نحو استعادة الدور الميداني للعمل الجماعي وإحياء روح التطوّع والانتماء التي تُشكل جزءًا أساسيًا من هويتنا.
ومن هنا، تقع مسؤولية وواجب على فروع الشبيبة الشيوعية في مختلف البلدات لأن تأخذ زمام المبادرة، وأن تواصل هذا المسار بروحٍ متجدّدة تعيد وصل الحاضر بتاريخ أيّام العمل التطوعي التي تركت بصمتها. فالمطلوب اليوم ليس فقط الاستمرار في العمل، بل تعزيزه وتطويره ليصبح فعلًا تراكميًا يترك بصمةً حقيقية ويعمّق التواصل مع الناس ويعزز الانتماء ويعيد ترسيخ ثقافة العمل الجماعي والمسؤولية المشتركة.








.png)


.jpeg)



.png)

