لا تزال تتترد مقولات "هناك تقدم في مفاوضات" و "هناك تقديرات إيجابية" و "ستكون أخبار سارة خلال ايام". ومنذ بدء تكثيف هذه المقولات فقد الشعب الفلسطيني أكثر من ألفين من ابنائه وبناته المدنيين في غزة. ميدانياً، اعلن الجيش عن توسيع عملياته في وسط قطاع غزة ومنطقة دير البلح، مسوّغا ذلك بإنضاج شروط صفقة التبادل، فيما دعت الوزيرة اوريت ستروك من أقطاب الصهيونية الدينية لتوسيع العمليات حتى في المناطق التي يتم فيها، وفقا للتقديرات الاسرائيلية، احتجاز الاسرى والمحتجزين فيها.
تفيد مصادر المعطيات الاممية أن ثلث سكان القطاع لا يتناولون اي طعام على مدار أيام، وبأن المجاعة الناتجة عن سياسة التجويع باتت فتاكة وإبادية، وباتت غزة منطقة طاردة لكل مقومات الحياة الانسانية.
على مستوى الضفة الغربية يحذر رئيسا الأركان والشاباك من التنظيمات الارهابية اليهودية المسنودة حكوميا، وهي التنظيمات الساعية - ومعها منظومة الدولة - للتطهير العرقي بروح ذهنية الابادة المعمول بها في غزة.
يكثر التساؤل حول مآرب رئيس الحكومة الاسرائيلي، ولماذا لا يبرم الصفقة ويوقف اطلاق النار حتى وهو يردد بأنها صفقة جزئية وستتواصل الحرب بعد مهلة الستين يوما. بعد عودته من واشنطن كرر التصريحات بالابرام السريع للصفقة وبانتهاء الحرب دون أن يحدد كيف، بل اكتفى بربطها بتحقيق اسرائيل أهداف الحرب على غزة لكنها كانت اول مرة يتحدث فيها عن انهاء الحرب.
هناك تقديرات بأن نتنياهو قد يبرم الصفقة واتفاق وقف النار نحو السابع والعشرين من الشهر الجاري او بعده حيث تخرج الكنيست الى عطلتها الصيفية لغاية اواخر تشرين الأول / اكتوبر. فيما تزداد المؤشرات على أن انتخابات الكنيست ستجري في ربيع العام 2026. وهناك من يشكك في ذلك اذ لا تخلو التقديرات من احتمالية تأجيلها الى ما بعد موعدها القانوني وذلك بسبب الحالة الامنية.
ينعم نتنياهو بمساحة من الراحة السياسية إذ لا يوجد تهديد لحكمه حاليا وحصريا بعد 27 الجاري، فلا المعارضة قادرة على إسقاطه ولا تشكيل بديل حاكم لائتلافه، وإن كانت هناك احتمالية لسقوط الحكومة فهي من داخل مركباتها، ويبدو من قبل نتنياهو بنفسه حيث يحدد الموعد المناسب له سياسيا لإجراء الانتخابات وبذلك يسيطر على جدول اعمالها ايضا.
على الرغم من ان التوتر الحقيقي مع الحريديم قد يدفع الى القطيعة وحصريا مع يهود التوراة، فإن ذلك ليس كافيا لإسقاط الحكومة دونما انضمام حزب شاس للمبادرة. وفقا لصحيفتي معريف ويسرائيل هيوم فإن استطلاعات غير منشورة اجراها كل من حزبي الليكود وشاس، فإن جمهور هذه الحركة يميل للانضمام الى الليكود او التصويت له والانسلاخ عن شاس، باعتبار أن هذا الجمهور يميني كهاني لكنه ليس حريديا، وفي غالبيته يخدم في الجيش بخلاف موقف قياداته الروحية. وفيما كانت التهديدات على تماسك حزب شاس لغاية الان تتأتى من حزب القوة اليهودية برئاسة بن غفير، يتضح الآن بأن الانزياح الاكبر سيكون باتجاه الليكود بقيادة نتنياهو. وفقا لذلك فإن خروج شاس من الائتلاف سوف يكشف هشاشتها وتراجعها وقد تصبح هامشية.
تتواصل مساعي نتنياهو لخلق الانطباع وحصريا امام الادارة الامريكية بأنه في ضائقة سياسية تهدد حكومته في حال إبرام الصفقة، وهو يدرك ان لا احد من مركبات الحكومة يريد إسقاطها فعلا. الغاية من خلق هذا الانطباع هي ضمان تفهم امريكي لوتيرته البطيئة قصدا، ما يعني ضوءا أخضر لمواصلة الحرب الإفنائية في غزة، استغلال انشداد انظار العالم نحو التجويع كي تقوم المليشيات الارهابية بالتطهير العرقي في الضفة الغربية في خدمة مخططات حكومية ووفقا للخطوط العريضة للحكومة منذ 28 ديسمبر 2022 وحصريا الاتفاق الائتلافي بين الليكود والصهيونية الدينية.
اللافت أيضا هو سلوك ادارة ترامب، فهي تتحدث عن ضرورة انهاء للحرب على غزة تبدأ بصفقة تبادل "تعيد المحتجزين الاسرائيليين"، كما وتمتنع عن فرض قرارها على نتنياهو وحكومته بهذا الصدد، بل تتيح المجال لمفاوضات تجري على نسق التنقيط البطيء، فيما ميدانيًا تمد اسرائيل بكل ما تريده من آلة دمار شامل ومحو للوجود الفلسطيني، ومؤخرا وصلت عن طريق البحر شحنة ضخمة من الجرافات العملاقة من طراز دي 9 الاحدث والمدرعة، والتي كانت ادارة بايدن قد جمدتها في حينه لأسباب قانونية وسياسية. وهي الآليات التي تقوم بهدم كل بناية او بيت او مرفق لم تطله التفجيرات في القطاع. كما وتمنح ادارة ترامب لنتنياهو الفرصة بعد الفرصة في إطالة أمد المفاوضات من خلال تبطيء وتيرتها، وبالتزامن تسريع وتكثيف عملية احتلال كامل القطاع وافنائه عمرانيا وسكانيا ومن كل مقومات الحياة.
وفقا لمعظم التقديرات الاعلامية والاممية الانسانية فإن التجويع هو الاداة الاستراتيجية الاسرائيلية الراهنة، وقد باتت الغايات مكشوفة وتتم فعليا دونما اية كوابح أو مواربة. التجويع هو العقاب الجماعي الوجودي للفلسطينيين لكونهم لم ينزحوا الى خارج حدود القطاع لاجئين في أنحاء العالم. ان النوايا بجعل القطاع خاليا من سكانه بالكامل ومن الأرض الصالحة ومن المأوى تتطلب ان تكون أداتها التطهير العرقي سواء بالابادة التجويعية ام بالتهجير. كما سيبحث الكنيست بعد عطلته الصيفية مخططا عمرانيا للقطاع قدمه أقطاب الصهيونية الدينية (تسفي سوكوت وليمور سون هارميلخ) يقضي باستخدام كل الردم الناتج عن هدم كل شيء في غزة، في بناء بنية تحتية لمنطقة تجارة حرة عالمية في القطاع. والى تحويل القطاع الى جزء من النقب الغربي والى حديقة تكنولوجية ومركز استيطاني معتمدا على الذكاء الاصطناعي. لا تبدو احتمالية لمثل هذا المشروع، لكن وضعه على جدول أعمال الكنيست في حال تم، يؤكد ان مخطط التطهير العرقي يتسارع.
في المقابل بدأت ملامح شرخ في المجتمع الاسرائيلي بصدد التجويع والصور المنبعثة للعالم، جزء منه هو نتيجة المواقف الدولية وقد كان وقعٌ كبير للبيان الصادر عن الدول ال26 المطالب بالمساعدات ووقف الحرب فورا وبحل سياسي يشمل الضفة والقطاع. كما يسود اسرائيليا شعور بالخوف من حملات الملاحقة والمقاطعة، فقد طالب رئيس نقابة الاطباء في اسرائيل 22/7 بادخال المساعدات الطبية والمنقذة للحياة فورا الى قطاع غزة، وبدأ الإعلام الواسع بنشر تقارير بالتزامن مع ملاحقة جنود اسرائيليين قانونيا وقضائيا في دول مختلف بتهمة ارتكاب جرائم حرب. هذا بالاضافة الى كم كبير من مقالات الرأي التي تدعو الى وقف الحرب نهائيا والى التوقف عن سياسة التجويع التي سوف يتحمل مسؤوليتها ليس فقط الدولة بل كل جندي وفقا للمساءلة الدولية. فيما يدعو انصار التطهير العرقي الى مواصلة وتكثيف سلاح التجويع الابادي، واحتلال كامل مساحات القطاع حتى ولو على حساب ارواح الاسرى والمحتجزين الاسرائيليين كما تطرح الوزيرة اوريت ستروك.
في الخلاصة فإن وتيرة المفاوضات البطيئة هي مصيدة سياسية متوافق عليها كما يبدو اسرائيليا وامريكيا، وذلك بخلاف التصريحات الامريكية العلنية. ومن الواضح ان مفتاح الحل في السياسة الإسرائيلية هو بيد نتنياهو ومفتاح الحل الرئيسي لإيقاف الحرب هو بيد ترامب، الذي يمتنع عن فرض الحل ويمنح نتنياهو المزيد والمزيد من الوقت لمواصلة التجويع الابادي في القطاع. وفيما بات خطاب "التقدم في المفاوضات" تكرارا لعدم التقدم، فإن عدم ابرام الصفقة هو ليس نتاج اختلافات في الرأي او سوء تفاهم، وانما نتاج قرار سياسي يريد الحديث عن المفاوضات وهو يسعى مواصلة حرب التجويع وتكثيفها.
بإمكان الموقف العربي توجيه الضغوط النافذة دبلوماسيا إلى الموقف الأمريكي والدولي من خلال اعتبار غزة منطقة فلسطينية والتصرف وفقا لذلك في مسألة المساعدات الانسانية ووقف الحرب. وما لم يحصل هذا التحرك العربي الهادف، وما لم تفرض ادارة ترامب وقف الحرب يبدو ان العوامل المحلية والإقليمية وحتى الدولية غير مؤاتية لوقف الحرب في حين أن غزة تموت وبتسارع.






.png)


.jpeg)



.png)

