هل فعلا انتهت الحرب على ايران؟

A+
A-
إيران: سماء طهران عقب احدى الهجمات الإسرائيلية (شينخوا)

إيران: سماء طهران عقب احدى الهجمات الإسرائيلية (شينخوا)

بينما ما زال شعبنا في غزة يعاني مرارة الحرب والقتل والتجويع الاجرامي، عاشت منطقتنا في الاسابيع الاخيرة حالة حرب طاحنة بسبب الهجوم الاسرائيلي المفاجئ والمتوقع في نفس الوقت على ايران.

الهجوم الاسرائيلي على ايران جاء بحجة القضاء على المشروع "الحربي" النووي الايراني. كما اعلن ذلك رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. لكن ومن التجربة التاريخية لحروب اسرائيل وامريكا على دول في المنطقة، كانت هناك دائما حجج واهية لشن الحروب مثل "القضاء على اسلحة الدمار الشامل" عند الهجوم على العراق او القضاء على الدكتاتوريات وانظمة الحكم الشمولية مثل نظام القذافي في ليبيا او صدام حسين في العراق او بشار الاسد في سوريا.

ولهذا فان التعريف الحقيقي لهذه الحرب على ايران، يجب ان يكون انها حرب هيمنة استعمارية، تقوم بها اسرائيل بالإنابة عن دول الاستعمار وعلى راسهم الولايات المتحدة الامريكية، وذلك بسبب العديد من المزايا التي تتمتع بها ايران وخاصة منذ سقوط نظام الشاه وخروج هذه الدولة الاقليمية من تحت عباءة الاستعمار والموالاة له.

فايران دولة اقليمية ومحورية في المنطقة، من ناحية عدد السكان الذي يصل الى حوالي 90 مليون نسمة ومن ناحية المساحة جغرافيا فهي كبيرة جدا. وهي دولة تتمتع بمصادر هائلة من الطاقة نفطا وغازا وثروات طبيعية اخرى.

وبسبب هذه المزايا فان ايران تعتبر دولة مهمة جدا لقوى الرأسمالية العالمية وهي بلا شك سوقا تجاريا مهما لكافة السلع الاستهلاكية الغربية، وبقاءها خارج السيطرة والهيمنة الغربية الراسمالية بسبب نظامها الاسلامي، المصر على استقلاليته السياسية المبنية على مفهوم سياسي للاسلام يختلف عن المفاهيم الراسمالية الغربية، يشكل عائقا امام نفوذ الرأسمال الغربي ولهذا من المهم تفريغ هذا النظام من عناصر قوته، ان كانت علمية او ثروات طبيعية او عسكرية لكي يتسنى للهيمنة العسكرية والسياسية والاقتصادية ان تترسخ اكثر، وبدون ادماج اسرائيل في هذا المخطط لا يمكن لعامل الهيمنة ان يترسخ. فهي الاداة الطولى للاستعمار والقاعدة المتقدمة له في المنطقة. وعندما يتعذر لهذه الاداة تنفيذ المهمة الموكلة لها تتكفل الولايات المتحدة بإتمام المهمة بالضبط كما حدث في هذه الحرب.

ولهذا لا يمكن رؤية هذه الحرب سوى من خلال هذا السياق الاستعماري والاخضاع وبسط السيطرة خصوصا إذا ما اخذنا بعين الاعتبار انه كان هناك اتفاق بين ايران والولايات المتحدة حول المشروع الايراني حيث قام ترامب نفسه عام 2018 بالانسحاب منه من طرف واحد، في دورة رئاسته الاولى. اضافة الى تصريحات عديدة للقيادة الايرانية انها لا تسعى للحصول على سلاح نووي وان اهداف المشروع النووي الايراني هو فقط للاغراض السلمية والعلمية.

ومع دخول وقف اطلاق النار حيز التنفيذ يسال السؤال هل هناك منتصر وهل هناك مهزوم؟

لعل الاجابة على هذا السؤال مشتقة من اهداف هذه الحرب التي اعلنها نتنياهو بنفسه. وهو القضاء على المشروع النووي الإيراني، فهل تحقق هذا الهدف؟

من ناحية اسرائيل فهي تعلن انها قضت على هذا المشروع لسنوات طويلة.

من ناحية ادارة ترامب الامريكية فان الهجمات التي قامت بها الطائرات الامريكية قد حققت الهدف بنجاعة.

اما التقارير الاعلامية المختلفة فتشير الى ان هذه الهجمات الحقت اضرارا بالمشروع ولكنها لم تقض عليه بتاتا.

اما الجانب الايراني فيقول نقلا عن تغريدة نشرها موقع روسيا اليوم على لسان علي شمخاني، مستشار المرشد الاعلى الايراني، قال فيها: "حتى لو تم تدمير المنشأت النووية فان اللعبة لم تنته بعد. المواد المخصبة والمعرفة الوطنية والارادة السياسية كلها لا تزال قائمة".

الامر المؤكد ان مجرد النقاش والتردد في حسم هذا الموضوع يضع مسألة انتصار اسرائيل ونتنياهو في حالة حرج وتساؤل. ولكن من ناحية ثانية لا يعني هذا الامر انتصار ايران فهي بلا شك تعرضت الى ضربات عسكرية قاسية جدا واصبحت سماءها مباحة امام الطيران العسكري الاسرائيلي الذي استطاع الوصول الى كل الاراضي الايرانية دون مقاومة تذكر والوصول الى العديد من قيادات الصف الاول عسكريا وتصفيتها.

هذه الضبابية في حسم موضوع تحقيق اهداف الحرب يجعلنا نتساءل، هل فعلا انتهت الحرب؟ وايضا، من التالي بالدور؟

من الواضح ان سياسة الهيمنة في منطقة الشرق الاوسط تتطلب "تنظيفها من كل المعيقات"، لكي تتم عملية الهيمنة الاستعمارية بشكل تام وشامل ومطلق، لان هذا المشروع يأتي ليس فقط لضمان تفوق اسرائيل العسكري ودمجها ضمن مشروع الهيمنة الذي يتقمص اتفاقيات "سلام" وتطبيع و "مصالح مشتركة". بل يأتي بالأساس ضمن الحرب الاقتصادية الشاملة ضد الصين حيث تعتبر منطقة الشرق الاوسط منطقة حيوية ضمن مشروع الصين الاقتصادي الكبير "طريق الحرير" او "مشروع الحزام والطريق".

فبعد اخضاع سوريا والعراق ولبنان شبه التام والسيطرة الجوية الاسرائيلية التامة على اجواء هذه الدول الان اصبحت الدولة الاقليمية مترامية الاطراف و "المارقة"، ايران، ايضا تحت السيطرة والهيمنة، حتى ولو مرحليا.

اما تركيا فهي، ايضا، دولة اقليمية وازنة، الا انها تبقى تحوم ضمن هذا المشروع بل هي في الكثير من الاحيان جزء منه مثلما حدث في سوريا وحصولها على الكثير من الغنائم من الارض السورية.

 ولهذا فان العين الاستعمارية سوف تبقى تتجه الى مصر التي تملك مقومات الدولة الاقليمية من ناحية القوة العسكرية والجغرافيا والدمغرافيا. ولها مفهومها الخاص فيما يتعلق بأمنها القومي. وتبقى نقطة ضعفها الاساسية في قوتها الاقتصادية. وضعفها من هذه الناحية يحد من قدرتها في احيانا كثيرة، في الدفاع عن مصالحها القومية، اذا ما اخذنا سد النهضة الاثيوبي نموذجا لهذا التطاول على مصالح مصر القومية وحقها في مياه نهر النيل بشكل يتناسب مع عدد سكانها واحتياجاتها المتنامية للمياه.

ولا شك ان "المنطقة الاقتصادية في السويس" التي تدخل ضمن المشروع الصيني "طريق الحرير" تقع تحت المراقبة الاستعمارية الامريكية، واذا ما عادت مصر الى اخذ مكانتها الطبيعية في قيادة العالم العربي فان الدور سوف يلحقها في عملية الاخضاع والسيطرة التامين، التي تمارسها الولايات المتحدة وذراعها في الشرق اسرائيل.

اذن ما العمل؟

لا شك ان منطقتنا تعتبر ساحة صراع عالمي الا ان جوهر الصراع في المنطقة كان وسيبقى القضية الفلسطينية.

 ولهذا، دون حل القضية الفلسطينية حلا عادلا ودون ان يمارس الشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير، فان جذوة الصراع سوف تبقى مشتعلة ومحركا لمزيد من الصراعات وسفك الدماء وبالأساس الدماء الفلسطينية. ولهذا فان المطلب بحل القضية الفلسطينية هو المطلب الاساسي للسلام في المنطقة قاطبة واي تجاوز لهذه القضية، ان كان بالتطبيع مع بقية الدول العربية او بالقبضة الحديدية والعسكرية هو عملية تنويم وتأجيل لجولات جديدة من الصراعات والحروب.

اما العامل الثاني الذي يجب أن يضمن تحرر المنطقة وشعوبها من سطوة الهيمنة الاستعمارية فهو تبني مشروع تحرر وطني دمقراطي شامل، يواجه الهيمنة الاستعمارية ويضمن مصالح شعوب المنطقة وتسخير مقدرات وخيرات هذه المنطقة لرفاهية شعوبها.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية