الانقلاب القضائي: من دون المحكمة العليا، من دون بتسيلم - ومن دون الفلسطينيين في المواطنة الإسرائيلية

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

**نُشرت النسخة الأولى من هذا المقال بالعبرية في مجلة "تِلِم"، ترجمت وأعدت للنشر بالعربية لصحيفة لاتحاد 
 

أنا أختار الإشارة إلى المواطنين العرب في إسرائيل بصفتهم "فلسطينيّين ضمن المواطنة الإسرائيليّة". هذا التوصيف يعكس أمرين أساسيّين: أوّلًا، التلاشي المتزايد للحدود الدوليّة، حيث تصبح المواطنة الإسرائيليّة – لا الجغرافيا – هي الحدّ الفاصل بين إسرائيل والأراضي المحتلّة؛ وثانيًا، لأنّ المواطنة الإسرائيليّة تُعدّ في آنٍ واحد حالة قانونيّة وتجربة حياتيّة تُميّز الفلسطينيّين داخل الخطّ الأخضر عن الفلسطينيّين في الضفّة الغربيّة وغزّة.
 

سواء بوعي منهم أم بدونه، يشارك المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل في تشكيل أحد الأحداث التأسيسية المركزية في المجتمع الإسرائيلي في السنوات الأخيرة، والمقصود بذلك هو الانقلاب القضائي. إن محاولة فهم جذور هذا الانقلاب قد تُسهم في رسم حدود الخطاب المدني في إسرائيل، وفي تحديد إمكانيات الفعل السياسي ضمنه. فمن دون تشخيص دقيق لأسباب العِلّة – وليعذر لي القارئ هذه المجازية المُبتذلة التي تفرض نفسها في هذا السياق –لا أمل بأي شفاء حقيقي.

فما هي، إذًا، جذور هذا الانقلاب؟ في أوساط واسعة من الحركة الاحتجاجية، نلحظ ما سمّته السوسيولوجية الفلسطينية أريج صباع خوري بـ"الوعي المنقسم"؛ أي وعي لا يرى البتّة الصلة القائمة بين الاحتلال وبين تقييد الحيّز الديمقراطي المدني (وهو ضيّق أصلًا بالنسبة للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل). إلا أن عددًا غير قليل من القانونيين وعلماء الاجتماع يرون أن جذور الانقلاب القضائي متجذّرة بعمق في ممارسات إسرائيل في الأراضي المحتلّة. فعلى سبيل المثال، يشير المحامي ميخائيل سفارد، في كتابه "احتلال من الداخل"، إلى أن إطلاق حملة التشهير التي قادتها حركة "إم ترتسو" ضد "الصندوق الجديد لإسرائيل" عام 2010، يمثّل نقطة تحوّل وبداية عصر سياسي جديد – وهي، بحسب تعبيره، "البذور الأولى للانقلاب القضائي". يكتب سفارد: "الجهد المنظّم لسحق المجتمع المدني، وتغييبه، وتجريم نشاطه – تمّ في الغالب المطلق في سياق العلاقة مع الفلسطينيين، سواء أولئك الخاضعين للاحتلال أو المواطنين داخل إسرائيل". بكلمات أخرى، الاحتلال يشكّل الدافع الأساس وراء الانقلاب القضائي.

يرى القانوني إيلان سَبان أن الجهد المنظم لسحق المجتمع المدني، الذي يوجّه نقدًا للاحتلال، يكمن في الانتقال من الخيال السياسي القائم على التسوية وتقسيم الأرض التي في الغالب لا تنطلق من اعتبارات الإنصاف، فضلاً عن العدالة، إلى تخيّل – وسياسة – تقوم على الضم. "النقد الموجَّه إلى سياسات إسرائيل يتعلق باستعمار الضفة وغزة والقدس الشرقية، بتلاشي حل الدولتين، بخطر تصاعد سفك الدماء نتيجة لذلك، وباستمرار وتعميق معاناة الفلسطينيين الخاضعين للسيطرة العسكرية الإسرائيلية." وكتب في عام 2017: "في مواجهة تصاعد هذا النقد، فإن السلطات السياسية ليست مستعدة بأي حال من الأحوال لأن تجد المحكمة في صفّ الجهات الناقدة. إنها بحاجة إلى المحكمة كجهة داعمة، أو على الأقل غير معارضة، وهي ستدفعها نحو ذلك حتى بشكل فظّ". بمعنى آخر، يجب فهم الانقلاب النظامي في سياق تحوّل عميق في الميتا-سياسة للنظام الإسرائيلي — من نهج "إدارة الصراع" (الذي تجلّى في صيغ مختلفة مثل الجدار الحديدي لزئيف جابوتينسكي، واتفاقيات أوسلو، ومبادرات تقليص الصراع) إلى سياسة "حسم الصراع"، من خلال محاولة تثبيت نظام الأبارتهايد بشكل أحادي الجانب.

تتّضح مكانة المحكمة العليا في هذه الصورة كمكوّن حاسم. فبحسب ميخائيل سفارد أيضًا، "حركة الضم تطمح إلى واقع 'من دون محكمة العدل العليا، ومن دون منظمة بتسيلم'، ولهذا فهي بحاجة إلى انقلاب قضائي".  ويخلُص سفارد إلى أن إزالة "الضابط المحدود الذي يُبطئ عملية ترسيخ التفوّق اليهودي بين النهر والبحر"، هي الدافع الرئيسي وراء هذا الانقلاب القضائي. و"الضابط المحدود" هذا –  هو المحكمة العليا.

ومع ذلك، يصعب التغاضي عن مَواطن ضعف معيّنة في هذا الطرح، لا سيما في ظل تأكيد حاسم آخر يورده سفارد نفسه في كتابه، والذي يُفَصِّل فيه أن المحكمة العليا الإسرائيلية هي في الواقع "أداة من أدوات الاحتلال". إذ يكتب: "قليلٌ من المؤسسات العامة في إسرائيل ساعدت الاحتلال وفسدت بسببه أكثر من المحكمة العليا". ويتابع: "إن سعي حركة الاستيطان إلى تحطيمها يُعدّ نوعًا من نكران الجميل بأقصى أشكاله. في الحقيقة، هو بمثابة قتل الأب – أو الأم. قتل الوالد". وإذا كانت المحكمة العليا، وفق تعبير سفارد، هي "هيئة قضائية تُطبّق نظام الأبارتهايد"، فهل يُعقَل أن يكون من المهم إنقاذها فقط من أجل إعادة هذا "الضابط المحدود"؟

انقلاب؟ ليس إلا تصحيحًا لخطأ

ومع ذلك، فإنني أتفق مع الاستنتاج الذي يطرحه سفارد وآخرون، ومفاده أن "الاحتلال ونظام الأبارتهايد هما الستيرويدات التي تغذّي الانقلاب القضائي"، كما كتب في كتابه. فهذه الأطروحة مدعومة بوقائع يوردها عدد غير قليل من الخبراء، ويكاد المرء يحتاج إلى أن يكون أعمى كي لا يراها. ومع ذلك، ومن دون الانتقاص من هذه الفرضية، أرغب في تحدّيها – لا من خلال دحضها، بل من خلال الإضافة إليها، وربما، كنتيجة لذلك، توجيه بؤرة الضوء نحو محرّك سببي آخر لهذا الانقلاب. إذ من الجليّ أن الانقلاب القضائي لا يقوم على محرّك واحد فقط.

إن طرحي هو أن دافعًا رئيسيًا إضافيًا يقف وراء الانقلاب القضائي، ولا يكمن خارج الخط الأخضر، بل في داخله: وهو تصاعد المكانة السياسية للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، وليس فقط تشديد نزع الملكية والقمع الممارسَين على الرعايا الفلسطينيين الخاضعين للسيطرة الإسرائيلية. إذ إن الانتقال من نظام أبارتهايد فعلي (de facto) إلى نظام أبارتهايد قانوني (de jure) ، كما تصفه السوسيولوجية الفلسطينية هنيدة غانم في كتابها الشامل "اليمين الجديد" – لا يكفي لتحقيقه الاكتفاء بمسار "دون محكمة عليا ودون بتسيلم". بل يتطلب الأمر كذلك تفريغ المواطنة الإسرائيلية للفلسطينيين من مضمونها، أي إبقاءهم خارج الجماعة السياسية الإسرائيلية، ومنعهم من تحقيق مواطنتهم السياسية.

بينما يعمل منطق المواطنة، على الأقل في جانبه القانوني-الشكلي، بشكلٍ رئيسي "نحو الخارج" تجاه غير المواطنين، فإن منطق الجماعة السياسية يعمل "نحو الداخل"، حيث يُشكّل "مجتمع المالكين"، وهو غالبًا – وإن لم يكن حصريًا – من ضمن المواطنين. يبرز هذا التعريف الانتماء إلى جماعة سياسية كعضوية في مجموعة تمتلك السلطة والشرعية للتأثير في طابع الدولة وجوهرها وماهيتها. يشير العديد من علماء السياسة والاجتماع السياسي إلى دور الجماعة السياسية كوسيلة لمعالجة الانقسامات المجتمعية والسياسية العميقة. تُطرَح نماذج مختلفة لتقاسم السلطة كآليات لدمج الفئات المستبعَدة وتحويل الصراعات الإثنية أو القومية إلى حالات من التفاهم، التعايش، أو على الأقل الحياد السياسي. كما تسلط أدبيات ما بعد الاستعمار الضوء على إمكانيات بناء جماعة سياسية وطنية شاملة. ورأينا أن من الجدير الإشارة، ولو بإيجاز، إلى أنّ أدبيّات ما بعد الكولونياليّة بدأت مؤخرًا بالتطرّق إلى الإمكانات التحويليّة لإزالة الاستعمار، من خلال إقامة جماعة سياسيّة شاملة أو توسيع جماعة قائمة. ففي الحالة الإسرائيليّة، تكتب رايتشل باسبريدج (Rachel Busbridge)  وهي عالمة اجتماع سياسي أسترالية: "إن ترسّخ الخطاب المستقطب يجعلنا غالبًا نغفل عن نماذج بديلة للجماعة السياسيّة قد تكون أنسب لمشروع إزالة الاستعمار".

من دون محكمة العدل العليا، من دون منظمة بتسيلم، ومن دون المواطنين الفلسطينيين – هذا هو ما يريده اليمين الإسرائيلي. لقد أشار عدد غير قليل من الكتّاب والخبراء إلى العلاقة بين إقصاء الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل سياسيًا وبين ترسيخ حكم اليمين – ويُعد أيمن عودة أبرز من ارتبط بهذا الطرح في السنوات الأخيرة. غير أنني، هنا، أقصد تسليط الضوء على العلاقة بين هذا الإقصاء وتعميق نظام الأبارتهايد. السوسيولوج ليف غرينبرغ يصوغ هذه العلاقة بوضوح ودقة في كتابه "سلام متخيَّل، خطاب حرب"، حيث يُظهر كيف أن اغتيال رابين أنهى الفترة القصيرة التي تم فيها دمج الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل في الحلبة السياسية.ويكتب: "رابين أدخلهم، والاغتيال أخرجهم. ومن دون المواطنين العرب – لا وجود لما يُسمى 'معسكر اليسار'". ويُذكّر بأن اتفاق أوسلو ما كان ليُوقّع لولا دعم الأحزاب الفاعلة في الشارع الفلسطيني في إسرائيل في حينه، أي الحزب الديموقراطي العربي والجبهة.

بهذا المعنى، يُمكن اعتبار الانقلاب القضائي "تصحيحًا لخطأ". أما "الخطأ"، فهو فرض المواطنة الإسرائيلية على الفلسطينيين الباقين في وطنهم – أي أولئك المتبقين من الفلسطينيين الذين طُردوا أو فرّوا بسبب الحرب عام 1948. في أكتوبر 2021، صرخ بتسلئيل سموتريتش في وجه أعضاء الكنيست العرب داخل الهيئة العامة للكنيست قائلاً: "وجودكم هنا هو خطأ، لأن بن غوريون لم يُنهِ المهمة، ولم يطردكم في عام 1948." وهنا لا بدّ من التوضيح: الخطأ، بحسب هذا المنطق، لا يكمن في الوجود الجسدي للفلسطينيين، إذ إن الفلسطينيين حاضرون أيضًا في الضفة الغربية وقطاع غزة، الفلسطينييون ايضًا حاضرون داخل وطنهم. كما أن الخطأ لا يتمثل في ضمّهم إلى إسرائيل، إذ إن سكان القدس الشرقية قد ضُمّوا أيضًا. الخطأ، في نظر اليمين، يكمن في منحهم مكانة المواطنة. أي أن الخطأ – في جوهره – هو تمكين "الحضور السياسي" للفلسطينيين، أو حتى مجرد خلق إمكانية لهذا الحضور.

ما الذي يمكن أن نتعلمه من روتيم سيلع ؟

لقد أكثرَ علماء الاجتماع النقديين – لا سيما الباحثين الفلسطينيين في إسرائيل ، وبحق، من نقد المواطنة الإسرائيلية التي مُنحت للأقلية الفلسطينية. فمضامين هذه المواطنة، بما تحمله من جزئية، وتلاعب، وإقصاء، وهشاشة، ولا مساواة، دفعت كثيرًا من الباحثين إلى توصيفها بمفاهيم مثل: مواطنة مفرغة" (أمل جمال)، "مواطنة الغيتو" (أورن يفتاحئيل)، و"مواطنة استعمارية استيطانية" (صباغ- خوري ونديم روحانا). ومع ذلك، فإن قلةً فقط من هؤلاء الباحثين أدركوا – بالقدر الكافي – أهمية إبراز عنصر الفاعلية لدى المواطنين الفلسطينيين داخل هذه العلاقات البنيوية. وهي فاعلية تسعى إلى "استغلال" هذا الخطأ من أجل الدفع باتجاه الدمقرطة، ضمن ما يتيحه الواقع من فرص، وما يفرضه من قيود.

أحسن القانوني الفلسطيني حسن جبارين في تشخيص هذه الفاعلية حين قال: "صحيح أن الفلسطينيين بدأوا بالمشاركة في الانتخابات من منطلق خضوع، لكن هذا الخضوع تحوّل مع الوقت إلى مقاومة فاعلة." أما السوسيولوجية الفلسطينية صباغ خوري، فقد أشارت إلى أن ذروة تعاظم القوة السياسية للفلسطينيين في إسرائيل كانت في الكنيست الـ23، حين أصبحت القائمة المشتركة ثالث أكبر كتلة برلمانية. وفي الكنيست الـ24، انضمت لأول مرة قائمة عربية – "القائمة العربية الموحدة" إلى الائتلاف الحكومي، بدعم مباشر من ناخبيها.

هذا هو "الخطأ" الذي يسعى اليمين إلى "تصحيحه". وقد عبّر يعكوب بردوغو (الصحفي المقرب لنتنياهو) عن هذا الفهم بوضوح – ولا ينبغي الاستخفاف بكلامه لمجرد هوية قائله. فوفقًا لبردوغو: "نحن لا نعيش لحظة إصلاح قضائي فحسب، بل حدثًا أكبر بكثير – صراع على طبيعة الدولة: بين دولة يهودية ودولة لكل مواطنيها. الإصلاح ليس سوى محفّز." (مارس 2023). وفي السياق ذاته، كتبت الممثلة والمقدّمة روتم سيلع منشورًا على فيسبوك في مارس 2019، مع بداية أزمة الانتخابات التي استمرّت حتى عام 2021، عبّرت فيه – بحدسٍ حادّ رغم أنها ليست من أهل الاختصاص – عن دهشتها من الخطاب السياسي السائد: "تجلس ميري ريغيف وتشرح لرينا متسليح أن على الجمهور أن يحذر، لأنه في حال فاز بيني غانتس، سيكون مضطرًا لتشكيل حكومة مع العرب. رينا متسليح تلتزم الصمت. وأنا أسأل نفسي: لماذا لا تسألها رينا بدهشة – وما المشكلة في العرب؟ هناك أيضًا مواطنون عرب في هذه الدولة! متى بحق الجحيم سيخرج أحد في هذه الحكومة ويقول للجمهور إن إسرائيل هي دولة كل مواطنيها...؟" منشور سيلع كان من الممكن أن يُبتلع وسط عشرات آلاف المنشورات والتغريدات التي كُتبت خلال تلك الحملة الانتخابية، لولا أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو اختار بنفسه الرد عليها بتغريدة جاء فيها: "إسرائيل ليست دولة كل مواطنيها. وفقًا لقانون أساس: القومية الذي ممرناه، إسرائيل هي دولة قومية الشعب اليهودي – ودولته فقط".

من المهم التوضيح: ليس هناك في الواقع صراعٌ بين "دولة جميع مواطنيها" وبين "دولة يهودية وديمقراطية"، إذ لا يوجد أيّ قوة سياسية جدّية – أو حتى قوة سياسية على الإطلاق – داخل الأغلبية اليهودية في إسرائيل ترغب فعليًا في إقامة دولة لجميع مواطنيها. فما طبيعة هذا الصراع إذًا؟ إنه صراع على حدود الجماعة السياسية: بين أولئك الذين يرغبون في إشراك المواطنين الفلسطينيين في الجماعة السياسية – وغالبًا ليس على أساس المساواة التامة – وبين أولئك الذين يرفضون ذلك رفضًا قاطعًا. وهؤلاء الرافضون يدركون أن العضوية في الجماعة السياسية تتيح التأثير على قرارات حاسمة تتعلّق بطبيعة الدولة، وهويتها، ووظيفتها – بما في ذلك قرارات تتصل بالحرب والسلام، كما حدث في حقبة اتفاق أوسلو. بكلمات أخرى: في حين أن الرعايا الفلسطينيين (في الضفة وغزة) موجودون بوضوح خارج حدود الجماعة السياسية الإسرائيلية – ومن المرجّح أن يبقوا كذلك، فإن هذا الأمر ليس محسومًا بالقدر نفسه بالنسبة إلى الفلسطينيين المواطنين داخل إسرائيل.

 هم لا يقصدون حقًا "دولة جميع مواطنيها"

أحسن بتسلئيل سموتريتش هو الآخر في تشخيص الإشكالية الكامنة في "الخطأ" الذي أشار إليه سابقًا في الهيئة العامة للكنيست. ففي منشور كتبه في مارس/آذار 2019، ردًّا على تقارير عن اتصالات بين منصور عباس وبنيامين نتنياهو، كتب سموتريتش لمؤيّديه: "حكم اليمين قائم على مسلّمة أساسية منذ قيام الدولة، مفادها أن الأحزاب العربية، طالما أنها تُنكر كون إسرائيل دولة يهودية وتدعم إرهاب أعدائها، فإنها ليست شريكًا شرعيًا في تشكيل الحكومة أو في اتخاذ قرارات وطنية... حكومة يسار-عرب كهذه ستُلحِق أضرارًا لا رجعة فيها بالدولة اليهودية، وقد تُحوّلها لا قدّر الله إلى دولة لكل مواطنيها، بل وحتى إلى دولة لكل قومياتها." وإذا ما استخدمنا المفهوم الذي صاغه الجغرافي السياسي أورن يفتحئيل، فإن سموتريتش يدرك أن ما يُسمّى "الاستعمار الأفقي" – الذي يسعى إلى التوسّع في الأراضي المحتلة – يحتاج إلى "استعمار عمودي"، يتجلّى في إغلاق أبواب الجماعة السياسية أمام المواطنين الفلسطينيين.

نجد دعمًا إضافيًا لهذا الطرح في تصريحات عَدي أربيل من "منتدى كوهِلت" - مركز أبحاث محافظ-ليبرتاري مرتبط باليمين الاستعماري في إسرائيل، ومرتبط أيضًا بمحاولة الانقلاب على النظام السياسي- الذي قال تعليقًا على قرار المحكمة العليا بشأن قانون القومية: "طوال السنوات الخمس التي مضت على إدراجه في السجل القانوني، تلقّى القانون برودًا من المحكمة العليا... تعامل المحكمة مع قانون القومية هو أحد الدوافع الرئيسية وراء الإصلاح القضائي الذي يهزّ واقعنا اليوم." وفي المناسبة نفسها، أوضح أربيل أن قانون القومية وُضع بهدف الحيلولة دون تحويل إسرائيل إلى دولة لجميع مواطنيها. لكن من المهم التأكيد مجددًا: أولئك الذين يحذّرون من "دولة جميع مواطنيها"، لا يقصدون فعليًا "دولة جميع مواطنيها" بمعناها الحقيقي، بل يقصدون تحديدًا الحالة التي يكون فيها المواطنون الفلسطينيون جزءًا من الجماعة السياسية.

على المستوى النظري، فإن شمل جميع المجموعات الاجتماعية – وخصوصًا الأقليات القومية – ضمن الجماعة السياسية، لا يعني بالضرورة أن الدولة تقف على مسافة متساوية من كل مجموعة ومجموعة، وهو ما يُعدّ السمة الجوهرية لفكرة "دولة جميع مواطنيها". إن انضمام المواطنين العرب إلى الجماعة السياسية عبر أحزابهم هو بلا شك شرط ضروري من أجل بناء دولة تقوم على المساواة ولأغراض تفكيك البنية الكولونيالية في إسرائيل، لكنه ليس شرطًا كافيًا على الإطلاق. من هذا المنطلق، يسعى الانقلاب القضائي إلى تصحيح "خطأ 1948" – إلا أن الخطأ، في الواقع، لم يكمن في الأصل. ففي حينه، قضت المحكمة العليا الإسرائيلية في قرار كيوان عام 1953، بأن "بطاقة الهوية ليست علاجًا ضد الترحيل من البلاد"، وأنها "لا تمنح لحاملها أي حقوق خاصة، باستثناء الحق في الحصول على بطاقة هوية فقط." لكن مع مرور الوقت، نشأت نتيجة غير مقصودة لهذا الوضع، تمثّلت في اتساع – وإن كان هشًا جدًا – في سلّة الحقوق التي منحتها المواطنة الإسرائيلية لفلسطينيي 48، بشكل يميزهم من ناحية المكانة القانونية والسياسية في أغلب الأحيان عن مكانة الرعايا الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة، وتقارب – ولو جزئيًا – مكانة المواطنين اليهود الإسرائيليين.

إن هذا الاقتراب نابع في جوهره من لبرلة اقتصادية – عزّزت من مكانة الطبقة الوسطى الفلسطينية في إسرائيل، وبالتالي من رغبتها في الانخراط في الحكم – لكنه نابع أيضًا من لبرلة سياسية نسبية، وهي نفسها التي تتعرّض اليوم لهجوم تقوده القوى اليمينية الكولونيالية، وإن كانت ضمن حدود هذا السياق الخاص، بطبيعة الحال. إن إمكانية أن تتحول هذه المواطنة – التي لم تكن في جوهرها سوى "ذريعة" تُبرّر ديمقراطية الدولة اليهودية، على حدّ تعبير ميخائيل سفارد – إلى مواطنة حقيقية فعلية، تُعدّ مسألة خطيرة. فقد قال الوزير يتسحاك فاسرلوف في جلسة حكومية في مايو/أيار 2023، متحسرًا على كون القانون يُصعّب التمييز ضد الفلسطينيين حاملي الجنسية الإسرائيلية: "باسم قيمة المساواة نخسر الدولة... أنا كوزير لا أستطيع إقامة بلدات يهودية. مناحيم بيغن أطلق مشروع 'متسبيم'، واليوم هذا غير ممكن." ('متسبيم' مستوطنات يهودية في الجليل، ترجمتها التي اعتُمدت للعربية: مناطر، من "ناطور"، مراقب - المترجم). وتُصبح هذه "المشكلة" أشدّ حدّة في ظل الطمس المتزايد للخط الأخضر، بحيث لم تَعُد الجغرافيا – بل المواطنة الإسرائيلية نفسها – هي التي تُشكّل الخط الفاصل بين "إسرائيل نفسها" وبين "المناطق المحتلة". وكما نبّهنا الباحثان رائف زريق وعازر دكور، فإن نظام الأبارتهايد في جنوب إفريقيا قد أُقيم عام 1948 ردًّا على تزايد دخول السود إلى الفضاءات البيضاء، وما نجم عن ذلك من تراجع في مؤشرات الفصل المكاني. أما في الحالة الإسرائيلية، فالوضع "أخطر" – لأن ما هو مطروح اليوم ليس مجرد تراجع في الفصل المكاني، بل احتمال تراجع في الفصل السياسي نفسه.

الديمقراطية الحقيقية لم تُجَرَّب هنا يومًا

كل ذلك لنقول إن ثلاثة محرّكات، لا اثنين، تقف وراء الانقلاب القضائي: أولًا، "من دون محكمة العدل العليا" – أي إزالة "الضابط المحدود"، بحسب تعبير ميخائيل سفارد، الذي لا يزال يقيّد استكمال الانتقال من أبارتهايد فعلي (de facto) إلى أبارتهايد قانوني
(de jure)؛  ثانيًا، "من دون بتسيلم" – أي إسكات النقد الداخلي الصادر عن منظمات المجتمع المدني؛ وثالثًا، "من دون المواطنين الفلسطينيين" – الذين بلغوا، كما أُشير، ذروة قوتهم السياسية قبيل لحظة انطلاق الانقلاب. هذا الضلع الثالث، الذي ساهم بوضوح في الدفع نحو الانقلاب، يعكس محاولة ممنهجة لضمان ألّا تتطوّر المواطنة الإسرائيلية للفلسطينيين إلى مواطنة حقيقية، بل أن تعود إلى ما أُريد لها أن تكون عليه أصلًا: "رعايا بلوس" – وضع قانوني يوفّر حرية حركة، وبعض الحقوق الاجتماعية وفرص العمل، من دون أن يمنح مواطنة سياسية كاملة. فالمواطنة السياسية هي هي الخطر الحقيقي. في المقابل، فإن تفريغ المواطنة الإسرائيلية للفلسطينيين من مضمونها – وهم الذين من دونهم تبقى احتمالات تحقيق أغلبية مدنية داعمة لمسار السلام والمصالحة شبه معدومة – هو ما سيضمن استمرار نظام العلوية اليهودية بين النهر والبحر.

قد يُطرح عليكم، سواء من قبل شركاء سياسيين أو خصوم سياسيين أو حتى من قبل الناس العاديين، السؤال التالي: هل يعني فتح الجماعة السياسية أمام المواطنين الفلسطينيين نهاية لكون إسرائيل "يهودية وديمقراطية"؟ الجواب هو: لا داعي للقلق – فهي لم تكن كذلك يومًا. فلا يمكنكم أن تخسروا شيئًا لم يكن موجودًا أصلًا. نعم، إسرائيل ستتغيّر. فإسرائيل التي تحتضن جماعة سياسية ثنائية القومية لا تشبه إسرائيل التي تفرض قومية أحادية على "ديموس" (جسم المواطنين) ثنائي القومية – وبالتأكيد لا تشبه الدولة التي تفرض هذا النمط من القومية الأحادية على تركيبة ديموغرافية ثنائية القومية في كامل البلاد. ما الذي يعنيه ذلك تحديدًا؟ لا يمكن تقديم إجابة قاطعة في هذه المرحلة، لأن الجواب يتوقف، من بين أمور أخرى، على كيفية تنفيذ مشروع التقسيم – إن تحقق، إذا ما اخترنا أصلًا حلّ الدولتين، وهو حلّ لا قداسة له – وعلى شروط اتفاق السلام والمصالحة الممكن، وكذلك على تطور السياسة الثنائية القومية داخل إسرائيل نفسها. وحتى إن بدت فكرة المصالحة اليوم وهمية أو عبثية في ظلّ حرب الإبادة الجارية ضدّ شعبنا في غزة، وكذلك على تطور السياسة الثنائية القومية داخل إسرائيل نفسها.

في الختام، لا ينبغي قراءة هذه الكلمات كدعوة جديدة لربط السياسة الفلسطينية داخل المواطنة الإسرائيلية بسياسات المركز، بل كدعوة إلى تشكيل كتلة سياسية جديدة مناهضة للأبارتهايد ومناهضة للاستعمار.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية