حول السياسة الأمريكية في دول أمريكا اللاتينية أريد أن أذكر بأنه بعد تجربة العدوان الأمريكي على جمهورية الدومينيكان تَبَدّى الانعكاس الفعلي للمذهب الأمريكي الذي أطلقت عليه تسمية "مذهب جونسون". (ونحن اليوم في الشرق الأوسط نرى الإرهاب الصهيوني تحت اسم "مذهب نتن-يا-هو").
لقد كان مذهب "جونسون" يكفل الحفاظ على الأنظمة البرجوازية-الإقطاعية في القارة الأمريكية إذ كان ينص على التدخل في سير الأحداث في هذه الدولة أو تلك. وبدأت نتائج "مذهب جونسون" في ذلك الوقت تظهر فور إعلانه من جانب البيت الأبيض. فبعد عدوان الولايات المتحدة على الجمهورية الدومينيكية جرى، بمساعدة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، القيام بانقلاب معادٍ للثورة عام 1966 في الأرجنتين، وعام 1968 في البرازيل، وفي وقت لاحق أيضًا ظلت السياسة العدوانية الأمريكية حيال بلدان أمريكا اللاتينية تنبئ عن نفسها، فبمساعدة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أيضًا وقع انقلاب معادٍ للثورة مجددًا في الأرجنتين عام 1970، وفي بوليفيا عام 1971، وفي تشيلي والسلفادور عام 1973. كان الانقلاب العسكري الفاشي المعادي للثورة في تشيلي أشق محنة بالنسبة للقوى الثورية في أمريكا اللاتينية.
ففي عام 1973 أطاحت الطبقات الاستغلالية، طبقة رأس المال الوسيط، في تشيلي، بتدبير ومساندة من جانب الإمبريالية الأمريكية والعالمية، وبالاعتماد على القمة العسكرية الرجعية العاملة في خدمة هذه الطبقات، بحكومة الوحدة الشعبية وسلكت طريق الإرهاب الفاشي السافر. وأثناء عملية التمرد والانقلاب لقي مصرعه رئيس تشيلي المنتخب من الشعب سلفادور أليندي، وتعرضت لعمليات تنكيل وحشية جميع القوى الوطنية والديمقراطية والتقدمية اليسارية في البلاد.
وهنا ينبغي القول إن توجه القوات المسلحة التشيلية في ذلك الوقت بات بعد الحرب العالمية الثانية توجهًا مواليًا للولايات المتحدة بصورة سافرة، فإن أكثرية كبار الضباط والجنرالات في تشيلي في ذلك الوقت تلقّوا تعليمهم أو اجتازوا تدريبًا خاصًا في مراكز التعليم التابعة للولايات المتحدة والواقعة في منطقة قناة بنما أو في المدارس العسكرية في الولايات المتحدة. فالجنرال بينوشيه – الدكتاتور التشيلي في ذلك الوقت – أنهى دروس القيادة العسكرية في فورت بينغ (الولايات المتحدة) وفيما بعد اجتاز ثلاث دورات تدريب في منطقة قناة بنما. وقائد القوات الحربية البحرية التشيلية في ذلك الوقت الأميرال خوسيه توريبيو ميرينو أتقن تعليمه العسكري في القاعدة العسكرية التابعة للولايات المتحدة في منطقة قناة بنما. كما عُيِّن في المناصب القيادية للقوات المسلحة التشيلية عدد غير قليل من مريدي البنتاغون الآخرين.
وفي عالمنا العربي اليوم توجد عشرات القواعد العسكرية الأمريكية في العديد من الدول العربية، وهذا الأمر يعتبر هيمنة عسكرية أمريكية على هذه الدول، مما دفع المأفون ترامب ليصرّح ويوجه كلامه لملك السعودية قائلًا بأنه لولا الدعم الأمريكي لما كان بقي في الحكم ليوم واحد، وهذا ما يجعل السعودية ودول الخليج المطبّعة مع إسرائيل حليفة استراتيجية مع الكلب وذنبه – أقصد أمريكا ذيل الكلب الصهيوني. هذه الأنظمة التي تُطبّع مع الإرهاب الصهيوني الذي يقوم بحرب إبادة شعب في غزة، والمستمر في احتلال الضفة والمستمر في توسيع الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة، وهذا الاحتلال الصهيوني المتغطرس يقوم بقتل الأبرياء وهدم البيوت وتوسيع الاستيطان، ويسمح للمستوطنين الإرهابيين القيام بكل أشكال الاعتداء على السكان الأبرياء وعلى قاطفي الزيتون، وكذلك يقتلعون الزيتون من جذوره ويحرمون الشعب الفلسطيني من جمع الزيتون – جمع خير هذا الوطن – هذه هي الفاشية الصهيونية. وهذه الاعتداءات تُمارس على سمع ومرأى كل شعوب العالم التي تتظاهر وتتضامن مع الشعب الفلسطيني، في حين أغلبية الخليج والسعودية تحتضر وتتحصر كأنهم أهل الكهف. وإسرائيل العدوانية الصهيونية المتغطرسة مستمرة بالقيام بالعديد من الهجمات العسكرية وتقتل عشرات الأبرياء، ويأتي المأفون ترامب ويتحدث عن "السلام" الكاذب، لأن خطة المأفون والإدارات الأمريكية وحكومة إسرائيل اليمينية لا تسعى إلى السلام بل تسعى إلى إقامة تحالف استراتيجي بين طبقة رأس المال الأمريكي والصهيونية وطبقة رأس المال الكومبرادوري – الوسيط – الذي يسعى إلى الاستفادة من هذه العلاقات الاقتصادية مع أمريكا وإسرائيل على حساب القضية الفلسطينية الإنسانية الكونية العادلة. ففي خطة ترامب لا كلمة عن حل الدولتين، وهذه الكلمة يقولها بعض رؤوس الدول العربية لإخفاء تعاونهم الاستراتيجي مع الولايات المتحدة ومع دولة اليمين العنصري اليميني المتطرف الصهيوني الفاشي. هذا اليمين الصهيوني الذي يرفض رفضًا كاملًا إقامة دولة فلسطين إلى جانب إسرائيل، وهذا بسبب خنوع الأنظمة العربية الرجعية، وهذا الخنوع دفع نتن-يا-هو ليرفع شعار "إسرائيل الكبرى".
وهنا أريد أن أعود إلى السياسة العدوانية التوسعية للولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية حيث قامت الولايات المتحدة في 25 تشرين الأول عام 1982 بقواتها المسلحة بهجوم قرصني على غرينادا – إحدى الدول الصغيرة في حوض البحر الكاريبي – فانتهكت سيادتها بكل فظاظة جالبة الدمار والهلاك لسكانها الآمنين.
وهذا ما تفعله إسرائيل دولة الاحتلال الآن في غزة وبدعم أمريكي سياسي، إعلامي، عسكري، اقتصادي، فلولا الدعم الأمريكي لما استطاعت إسرائيل أن تستمر في حرب إبادة الشعب في غزة. فالولايات المتحدة شريكة مباشرة في الجرائم التي تُمارَس وتُرتكب في غزة، فالمأفون ترامب ونتن-يا-هو وجهان لعملة واحدة – عملة الصهيونية المسيحية الإيفانجليكية، وصهيونية بن غفير لا بن صغير ونتن-يا-هو وسموتريتش اليميني الصهيوني المتطرف، وعلى الإنسانية أن تناضل بكل الوسائل لكسر هذا العدوان والنضال المثابر والصامد والمكافح من أجل إحقاق الحقوق العادلة للشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة إلى جانب إسرائيل. وصمود شعوب دول أمريكا اللاتينية وخاصة فنزويلا وجزر الكاريبي سيكون كصمود شعب غزة وأطفال غزة، نقطة تحول على مستوى عالمي. وهذا الصمود لشعوب الشرق الأوسط وشعوب أمريكا اللاتينية سيكون بداية الانتصار على طبقة رأس المال العسكري وعلى منظمات ممولة الحروب الإسرائيلية الاستباقية في المنطقة – وخير مثل حرب 1967 التي كانت حربًا استباقية ضد مصر وضد الناصرية وضد الفكر العلماني الإنساني التقدمي. نجحوا في ذلك مرحليًا، ولكن صمود الشعب الفلسطيني واللبناني واليمني والتضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني لا بد أن يغير مواقف الشعوب حول العالم لصالح الشعب الفلسطيني. وبرأيي لن يكون سلام في العالم بدون حل عادل للقضية الفلسطينية من خلال إقامة دولتها المستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس. سلام الشعوب بحرية الشعوب.
وبعد أن "نجح" الانقلاب العسكري وتم القضاء على النظام الوطني الديمقراطي وتمت الإطاحة بالزعيم القائد البطل سلفادور أليندي، تحولت سفارة الولايات المتحدة في سانتياغو – عاصمة تشيلي – إلى مركز لعمل ونشاط المخابرات الأمريكية. واستطاعت الولايات المتحدة أن تقيم في تشيلي دكتاتورية عسكرية فاشية. واليوم الولايات المتحدة تدعم اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا وإعلاميًا الدكتاتورية العنصرية الشوفينية الصهيونية اليمينية المتطرفة في إسرائيل.
وفي ذلك الوقت وُضع الحزب الشيوعي وسائر الأحزاب اليسارية في تشيلي خارج القانون، والآلاف من أعضائها قُتلوا أو زُجّ بهم في السجون ومعسكرات الاعتقال. وفي ذلك الوقت كانت الأحداث في تشيلي بمثابة إشارة لأعمال العناصر الرجعية ضد القوى التقدمية في بلدان أخرى أيضًا بأمريكا اللاتينية. فسرعان ما أفلحت الطبقات الاستغلالية في الأوروغواي، بتأييد من الجناح اليميني في الجيش، في حل البرلمان وسنّ حملة من القوانين المعادية للديمقراطية.
وهذا ما تفعله حكومة اليمين الصهيوني في إسرائيل الآن، وبدعم أمريكي وخاصة من قبل المأفون ترامب الذي يعمل بكل الوسائل لمنع محاسبة ومحاكمة نتن-يا-هو ليس فقط داخل إسرائيل بل وعلى مستوى عالمي.
فقد تم في تشيلي في ذلك الوقت حظر الاجتماعات السياسية، وفرضت الرقابة على وسائل الإعلام، ووضعت خارج القانون جميع الأحزاب والمنظمات السياسية التقدمية بما في ذلك أضخم مركز نقابي – الاتحاد الشعبي للشغيلة. وشنت الرجعية الأمريكية اللاتينية المدعومة من قبل المخابرات المركزية الأمريكية هجومًا مسعورًا ضد القوى الديمقراطية التقدمية في البيرو وبنما والإكوادور والأرجنتين وكوستاريكا وغيرها من بلدان أمريكا اللاتينية. وبلغ مجموع ما شنّته القوى الرجعية في أمريكا اللاتينية وبدعم من المخابرات المركزية الأمريكية في دول أمريكا الجنوبية 12 حربًا محلية ونزاعات عسكرية كبيرة، بمحاولة كسر الموجة العاتية لنضال التحرر الوطني والنضال الثوري في تلك الدول.
ولكن في تلك الفترة دخل نضال شعوب أمريكا اللاتينية طورًا جديدًا في سبيل التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي. وهكذا لم يتسنَّ للإمبريالية العالمية وخاصة الأمريكية والقوى الرجعية داخل دول أمريكا اللاتينية إيقاف العملية الثورية التقدمية في القارة الأمريكية اللاتينية.
وفي غمرة النضال الشاق والعنيد المنتشر في أمريكا اللاتينية في ذلك الوقت وكذلك الآن في كوبا، فنزويلا، كولومبيا، البرازيل وغيرها، كان وما زال يميل نحو مجتمع ديمقراطي معادٍ للهيمنة الإمبريالية العالمية، وهذا التيار يزداد قوة شيئًا فشيئًا الآن. وهذا النضال يهدف إلى الدفاع عن السيادة والديمقراطية وضد الأنظمة الديكتاتورية وضد نهب الاحتكارات الأمريكية للموارد الطبيعية في المنطقة. وهذا لا نشاهده الآن في العالم العربي، عالم أهل الكهف.
وفي سياق النضال الثوري في أمريكا اللاتينية في ذلك الوقت انتصرت الثورة الساندينية في نيكاراغوا. فإن هذه الثورة، بإطاحتها عام 1979 بنير دكتاتورية ساموسا الذي دام سنوات عديدة، قوبلت بالحقد والضغينة من جانب الولايات المتحدة التي شنت حملة تخريبية مجرمة لزعزعة الوضع في نيكاراغوا.
ففي بادئ الأمر حُشرت نيكاراغوا في كماشة من الحصار الاقتصادي الشديد.
وهذا ما فعلته الولايات المتحدة ضد سوريا – الشعب والوطن – على مدار عقود بهدف تمزيق سوريا إلى دويلات: دويلة علوية في غرب سوريا، دويلة كردية في شمال شرق سوريا، دويلة سنّية في وسط سوريا، ودويلة درزية على حدود إسرائيل خدمة للمصالح الاستراتيجية للقاعدة الأمامية للإمبريالية العالمية في الشرق الأوسط – إسرائيل.
وأذكر بأنه في ذلك الوقت انهالت على نيكاراغوا جبال من الاتهامات الكاذبة، بما في ذلك الاتهامات الزاعمة بأن هذه الدولة، أي نيكاراغوا، تشكل خطرًا على الأمن الوطني للولايات المتحدة. واندلعت حملة واسعة للتشهير بحكومة الساندينيين في الميدان الدولي. وهذا ما تتعرض له الآن فنزويلا من قبل الولايات المتحدة وخاصة من قبل المأفون ترامب واليمين الصهيوني الأمريكي.
وفي وثائق رسمية أصدرتها وزارة خارجية نيكاراغوا وردت وقائع ملموسة عن القرصنة الدولية ضد هذه الدولة. وهذا ما فعلته وتفعله إسرائيل وبدعم مطلق أمريكي ضد سوريا ولبنان وحربها البربرية المتوحشة، حرب إبادة الشعب في غزة، وأيضًا ما يفعله الصهاينة المتطرفون المستوطنون الذين يحملون أقصى أشكال التفوق الشوفيني العنصري في الضفة الغربية المحتلة على مدى سنوات. وهذه الممارسات التي تسعى إلى استعمار وسلب أرض الشعب الفلسطيني لا تلقى من الغرب وكذلك من الدول العربية سوى إعلانات وبيانات الإدانة دون اتخاذ أي موقف عملي وجاد ضد هذا الإرهاب الذي يسعى إلى سلب الأرض لا بل كل موارد فلسطين.
وهنا أذكر بأن الاستيلاء على غرينادا عام 1983 من قبل الولايات المتحدة هو شهادة أخرى على السياسة العدوانية التوسعية الإرهابية للولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية. وهذه هي سياسات إسرائيل العدوانية على مدى عقود وخاصة الآن في الشرق الأوسط وتصريحات نتن-يا-هو بأن هدفه من حرب إبادة الشعب الفلسطيني، وحربه في لبنان وسوريا، تهدف إلى تغيير خارطة الشرق الأوسط والتوسع والهيمنة على المنطقة وتوسيع اتفاقيات التطبيع، لا بل الخيانة في المنطقة. وتصريح بعض السياسيين في الولايات المتحدة بأن "الشرق"، الصناعة الأمريكية، يسعى إلى اتفاق أمني مع إسرائيل من خلال الاعتراف بالحدود التي كانت قائمة قبل السابع من أكتوبر، وهذا يعتبر تنازلًا عن الجولان السوري المحتل.
وسياسات الإمبريالية الأمريكية والصهيونية العالمية تعملان على الهيمنة والسيطرة على الشعوب ومنع التطور العلماني التقدمي، ليس فقط في الشرق الأوسط بل وفي العالم أجمع.
إن التعاون الوثيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل والتحالف الاستراتيجي بين الإمبريالية والصهيونية تشترطهما أهداف مشتركة: قمع حركة التحرر الوطني ونضال الشعوب المعادي للإمبريالية وتعزيز مواقع الاحتكارات الأمريكية والرأسمال الصهيوني على منطقة الشرق الأوسط.
ولهذا نشاهد ونعيش فترة مؤلمة جدًا، فترة الصمت العربي تجاه ما تقوم به دولة الاحتلال من جرائم وإرهاب وحرب إبادة شعب ضد الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده.
وتاريخ أمريكا الأسود في أمريكا اللاتينية مستمر حتى الآن، وتهديد فنزويلا ودول أخرى في منطقة الكاريبي هو استمرار لجرائم الحرب التي قامت بها الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية وحول العالم، وهذا يدل على أنها أحطّ وأنذل حضارة قامت عبر التاريخ. ودعم الولايات المتحدة لسياسات إسرائيل العدوانية في المنطقة وحروبها الاستباقية في المنطقة أكبر دليل على أنها وقاعدتها الأمامية في الشرق الأوسط، أحطّ وأنذل حضارة قامت عبر التاريخ.







.png)


.jpeg)



.png)

