ليس هذا الذي انتظرناه كلّ هذه السنوات

A+
A-
الميلشيات التابعة لسلطة الأمر الواقع في سوري

الميلشيات التابعة لسلطة الأمر الواقع في سوري

شَهْقةُ الفرَح التي غمرتنا مع انفجار الجماهير العربية في تونس مُطيحة بحُكم زين العابدين بن علي في بداية عام 2011 وانتقالها إلى ليبيا ومصر وسوريا مبشِّرة ببداية ربيع عربي قادم سرعان ما عَلِقت في حلوقنا وسدّت المنافذَ إلى رئاتنا مع بداية الانقسامات بين المُتَحَكِّمين في مصير الشعب كما في ليبيا والسودان واليمن فتمزقت البلاد وسادت الفوضى، ومع ظهور حركات دينيّة  أبرزها "داعش" تسعى لإعادة التاريخ مئات السنوات، ديدنها القتل والذَّبح والاغتصاب والتهجير وكل ذلك باسم الدين ومن أجل إعلاء مكانة الدين وإقامة الخلافة الإسلاميّة في سوريا والعراق. 

وبذلك تحققت رَغَبات وخطط وزيرة خارجية الولايات الأميركية المتحدة كونداليزا رايس التي عرفناها باسم "الفوضى الخلّاقة".

وكانت السنوات الأربع من الأقسى في حياة العراقيين والسوريين ممّا قاسوه من أفعال داعش، فقُتل مَن قُتل وتهجّرَ من طُرد، وغادرت الملايين بيوتها ووطنها طالبة النّجاةَ حيثما تجدُ مَن يستقبلها ويرعاها. وانقسم الناس في البلدين كلٌّ حسب انتمائه الدينيّ: سنّي، شيعي، علوي، نصيري، درزي، مسيحي، كردي، أزيدي. والكلّ يكفّر الكل ويحتكر الله له والجنّة لأتباعه، فلم تعد لكلمة "العروبة" و "أمّة عربية واحدة" أي بريق. وبالتغلّب على "داعش" و "النُّصرة" وباقي التنظيمات الجهاديّة وإضعافها وطَرْدها من مواقعها، ظلّ الشَّعبان العراقي والسوري يُعانيان من الانقسام الديني ما بين الانتماء للشيعة، أو للسنّة، أو للمسيحية أو للعرب، أو للأكراد، وظلّ ظلم النّظام السوري وبشار الأسد يزيد من أعماله الإجراميّة ويُهجّر مواطني بلاده، ويملأ السّجون بمَنْ يجرؤ على التَّفوّه بأيّ لفظة شاكية.

وكانت البُشرى بثورة الشعب وانهيار وتراجع الجيش السوري واحتلال المدن الواحدة بعد الأخرى وهرب بشار الأسد من قصره ومن دمشق ليجد الملجأ الأخير في موسكو.

ورغم التّساؤلات والشكوك والتّخوّفات والمُتابعة لكلّ خطوة للحُكّام الجُدد ظلّ الأملُ بغَد أفضل لسوريا وأهلها.

وكانت فرحتُنا بمتابعة احتفالات الشعب السوري بالذكرى الرابعة عشرة لانطلاق ثورته ضدّ حكم بشار، وقَصَدْنا التّغاضي نوعا ما عمّا كُنّا نسمعُ عن الأعمال الإجرامية التي حدثت في مدن وقرى الساحل السوري حيث يُقيم أبناءُ سوريا من العلويين، حتى صدَمَتنا المشاهدُ التي نراها في مختلف المواقع من أعمال داعشيّة يقوم بها سوريون ضد أخوتهم السوريين من الطائفة العلوية، وتلك التّسجيلات المُرعبة والمُثيرة للفزَع والخوف والقلق ممّا ينتظر السوريين. فإمام من أئمة دمشق في خطبته أمام المئات من المصلين داخل المسجد يُعلن "أن دمشق لا يمكن أن تبقى مُدنّسة من الكفّار، ويجب أنْ تكون لأهل السنّة فقط". وهلّل العشراتُ وكبّروا تأييدا له، ولم يقف واحد من المَوجودين ليعترض أو يُنبّه لخطورة أقوال الشيخ.

وتردّدتُ بالكتابة حول هذا الموضوع الحَسّاس في هذا الوقت بالذّات، رغم أنّ الواجبَ يفرض على كلّ عربي واعٍ ومثقّف ويهمّه مصير ومستقبل شعبه وأمّته ووطنه، وخاصّة المسلم، أنْ ينبريَ لهذه المواقف الدّاعشيّة المُخيفة المُفتّتة والمُمزقة لشعبنا وأمَّتنا.

لكنّ قراءتي لمقالة الكاتب راشد عيسى من أسرة جريدة "القدس العربي" يوم 17.3.2025، وليعذرني على الاقتباس من كلماته، التي جاء فيها :" كان التلكؤ في تصديق المجزرة مفهوماً، فلا أحد يريدُها، خصوصاً الإدارة السورية الجديدة، التي ضربت المَثل ببراغماتيتها في سبيل الحصول على اعتراف دولي، إلى أنْ جاءت الأخبار من أسماء نعرفها ونثق بمصداقيتها، التي راحت تتحدّث عن قرى وأهل وأسماء، ومن بينها المُعارضة والمعتقلة السابقة هنادي زحلوط، التي نعت إخوةً ثلاثة لها أعدِموا ميدانياً، كما جاء في منشور لها على فيسبوك. فهذا صوت موثوق، يحكي قصة شخصية غير منقولة. ومع الأخبار وصلت فيديوهات عديدة، من بينها واحد كان الأفظع، لأم سورية أمام ثلاث جثث (لابنين وحفيد لها) مُلقاة أمام البيت، فيما يجادلها قاتِلوهم بحوارٍ مُخزٍ: «هذول ولادك.. نحن عطيناكم الأمان، بس أنتم غدارين»، و"استلمي ولادك». حوار مهين، لا لأنه طائفي وحسب، بل لأنه لم يراع أقدس المَشاعر وأكثرها نبلاً. هل هناك أكثر توحّشاً من أن يُقتَل أبناءٌ أمام والدتهم، ويُترَكون جثثاً مكشوفة في الطريق، ثم يُشرِعُ القَتَلة بـ «مُكايدة» الأم!

ويُتابع "كما أنّ الدّخول إلى حيّ ومحاولة قَتْل كلّ مَنْ فيه هو صورة مُصغّرة عن رغبة أشمل، قد يُسهم في تسهيلها ثقافةٌ تكفيريّة عند بعض الفصائل". 

ويسأل "لماذا قُتل شبان مَدنيّون على الفَور حتى قبل أن يُجيبوا عن سؤال إن كانوا علويين أم لا؟ وحتى قبل أنْ يُسألوا إن كانوا مع النظام أم ضدّه، إن كانوا عسكريين أو مدنيين.."

قراءتي لمقالة راشد عيسى حرّرتني من التردد وكتبتُ فله الشكر الكبير.

وإذا كنتُ قبل مدّة كتبتُ مُحذِّرا من دَجَل الشيوخ الجَهَلة ومن الفَتاوى التي يُدَبّجونها ومن التّعدي على الدين الإسلامي والرسول الكريم بنِسْبَة كلّ ما يقولون للرّسول ممّا لا يُعْقَلُ أنْ يكون الرسول قد قاله، كما حذرتُ من المُنجِّمين العملاء الذين يعملون على تخويف الناس بالمصائب التي ستحلّ بهم*، فماذا سأقول عن هؤلاء الشيوخ اليوم الذين يُنكرون حقَّ أيّ إنسان غير سنّي في أنْ يُقيم في دمشق، وقد يمتدّ التّحريمُ والمَنْع على كلّ القطر السوري والوطن العربي؟

وأيّ أمان سيشعرُ به العلوي والدّرزي والكردي والمسيحي وغيرهم في ظل حُكم داعش جديد أشدّ وأقسى وألأم.

هذا ما على المسؤولين في سوريا في الحكم والمُجتمعات المختلفة وفي كلّ أقطار الوطن العربي أن ينتبهوا له ويتصدّوا لمَن يُفكّر به قبل أن يحدثَ الذي نخافه ويكون الطوفان وتكون سوريا غيرها التي نعرفها.

 

*نشرت كلمتي تحت عنوان "دَجَل مُنجّمين وغَباء شيوخ وصمْت المثقّفين" على صفحتي في الفيسبوك وفي جريدة الاتحاد وعلى موقع الحوار المتمدن ورأي اليوم وجريدة المثقف العراقية يوم 17.10.2024

د. نبيه القاسم

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية