بعد عامين من الحرب الوحشية في غزة، توفر الهدنة غير المستقرة بعض الراحة للسكان المنكوبين. وبينما يعود الناس إلى منازلهم المدمرة، ويبحثون بين الأنقاض عن أقاربهم المفقودين، ويلملمون الباقي من شتات حياتهم المُمزقة، يبقى المستقبل في غياهب المجهول. إن وقف إطلاق النار هش، حيث تشكل الخروقات المتعددة اختبارا لعزيمة ضامنيه. لا يكفي مجرد إطالة أمد غياب الحرب – بل يجب علينا أن نرسم مسارا قابلا للتطبيق نحو السلام.
إن الاحتياجات الإنسانية والصدمات في غزة هائلة. لقد عانى فريقي من القصف والنزوح والحصار لمدة عامين. إنهم حزينون على مقتل عدد لا يحصى من أحبائهم وأكثر من 380 زميلا وزميلة. إنهم منهكون تماما، لكنهم لم يتوقفوا عن العمل أبدا. لقد كان تصميمهم عاملا رئيسيا في نجاة غزة.
واليوم، تقدم الأونروا 40 في المائة من إجمالي الرعاية الصحية الأولية في غزة، وتقدم حوالي 14 ألف استشارة طبية يوميا. نحن نعزز الصحة العامة من خلال حملات التحصين وفحوصات التغذية واختبارات جودة المياه وحملات مكافحة الآفات. يستفيد مئات آلاف الأشخاص من آبار المياه وأنظمة تحلية المياه وخدمات إدارة النفايات التي نقدمها. نقدم تعلما وجاهيا لنحو 40 ألف طفل، وندعم ما يقرب من 300 ألف طفل من خلال منصات التعلم عبر الإنترنت. الدعم النفسي والاجتماعي مدمج في أنشطتنا التعليمية، وكلاهما بالغ الأهمية لإحياء الأمل ومنع التطرف.
وعلى النقيض من التضليل المستمر، يبرهن برنامج التعليم في الأونروا على التزامه بالتسامح وحقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين والتنوع بشكل لا يُضاهى في المنطقة. لقد تمسكنا بهذه الالتزامات، على الرغم من المعارضة القوية والترهيب من جانب حماس والجماعات الأخرى.
لقد نجحنا في تثقيف أجيال من الفلسطينيين الذين أصبحوا مواطنين عالميين ناجحين، الأمر الذي أثرى المجتمعات في جميع أنحاء المنطقة وخارجها، في أوروبا وأمريكا الشمالية. إن جدوى الخطط السياسية في غزة تعتمد على النجاح في تحقيق الاستقرار والتعافي. ويتطلب ذلك زيادة المساعدات الإنسانية بسرعة وإعادة الخدمات العامة الحيوية.
وبفضل قوتها العاملة التي يبلغ قوامها 12 ألف موظف وما تتمتع به من ثقة راسخة من المجتمع، فإن قدرة الأونروا على تقديم خدماتها لا مثيل لها. ومع ذلك، لا تزال عملياتنا عرضة للتقويض بسبب الهجمات السياسية والأوضاع المالية الخطيرة.
اعتمد الكنيست الإسرائيلي – الذي صوت مؤخرا لصالح ضم الضفة الغربية – تشريعا في عام 2024 أدى إلى إخراج موظفي الأونروا الدوليين قسرا من الأرض الفلسطينية المحتلة ومنع دخول إمداداتنا إلى غزة.
لقد شوهت حملة تضليل شرسة سمعة الوكالة وخنقت تمويل أعمالنا الحيوية. في أيلول/سبتمبر من هذا العام، وجدت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة أن القوانين التي أقرها الكنيست لشل عمليات الأونروا، وإنشاء مؤسسة غزة الإنسانية، كانت تهدف إلى منع المساعدات المنقذة للحياة وخلق "ظروف غير صالحة للحياة" تؤدي إلى التدمير الفعلي للفلسطينيين في غزة – وهو عمل إبادة جماعية.
وفي تشرين الأول/ أكتوبر، قضت محكمة العدل الدولية بأن إسرائيل ملزمة برفع القيود المفروضة على عمليات الأونروا، والموافقة على جهود الإغاثة التي تبذلها الوكالة وتسهيلها. وأقرّت المحكمة بالصلة الفريدة والمستدامة بين ولاية الوكالة وإعمال حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني، بما في ذلك حق تقرير المصير.
باختصار، إن حماية ولاية الأونروا وعملياتها أمر يقتضيه القانون الدولي؛ وهو أمر حيوي لبقاء الملايين من الفلسطينيين على قيد الحياة؛ وأساسي للتوصل لحل سياسي.
على الرغم من الدور الحاسم الذي تلعبه الأونروا، فإن وضعنا المالي حرج. إن العجز الشديد وأزمات التدفق النقدي تعرض قابلية استمرار عملياتنا للخطر. وقد أدى التنفيذ المطرد لتدابير التقشف وضبط التكاليف البالغة 150 مليون دولار أمريكي في عام 2025، والإدارة الصارمة للتدفق النقدي، إلى ضمان دفع جميع رواتب الموظفين تقريبا حتى الآن. ومع ذلك، قد لا يكون من الممكن الحفاظ على عمليات الأونروا بنطاقها وجودتها الحاليين.
يبلغ العجز بين الربع الأخير من عام 2025 والربع الأول من عام 2026 حوالي 200 مليون دولار أمريكي. وخلافا للسنوات السابقة، فإن الدخل المتوقع في الربع الأول من عام 2026 منخفض للغاية بحيث لا يمكنه استيعاب عجز كبير من عام 2025. في غياب تدفق كبير للتمويل الجديد، فإن تقديم الخدمات الأساسية للملايين من لاجئي فلسطين في جميع أنحاء المنطقة سيتعرض للخطر.
إن تقليص أو إنهاء خدمات الأونروا سيكون له عواقب وخيمة على المنطقة. في غزة، من شأن ذلك أن يقوض الاستقرار والتعافي، ويعرض تقدم المسار السياسي للخطر. وفي الضفة الغربية المحتلة، فإن فقدان خدمات الوكالة لنحو مليون من لاجئي فلسطين من شأنه أن يزيد من الضغط الهائل على السلطة الفلسطينية وسيؤدي ذلك إلى تفاقم الوضع المضطرب الذي أدى إلى نزوح أكثر من 30,000 فلسطيني بسبب العمليات الأمنية الإسرائيلية، كما بلغ عنف المستوطنين مستويات غير مسبوقة.
وفي لبنان، تشكل خدمات الأونروا شريان الحياة للاجئي فلسطين، الذين يواجه معظمهم إقصاء اجتماعيا واقتصاديا عميقا. وتعتبر الوكالة ضرورية أيضا لضمان الاستقرار في مخيمات اللاجئين. وفي سوريا، تلعب الأونروا دورا حاسما في تقديم الخدمات إلى السكان الأشد ضعفا من لاجئي فلسطين، ودعم الحوكمة الشاملة. وفي الأردن، أكدت الحكومة مرارا وتكرارا على الدور الحاسم الذي تلعبه الوكالة وحذرت من إضعافها.
لعقود من الزمن، ظلت الأونروا محركا للتنمية البشرية في المنطقة. واليوم أصبحت الوكالة رصيدا متعدد الأطراف لا يقدر بثمن. وتعتبر مساهمتها حاسمة في تنفيذ إعلان نيويورك وخطة الرئيس ترامب المكونة من 20 نقطة. وتشكل الوكالة دعما حيويا للسلطة الفلسطينية في سعيها إلى الإصلاح وسعيها إلى بناء القدرة على حُكم وخدمة جميع سكان الضفة الغربية المحتلة وغزة.
تأسست الأونروا لأول مرة من قبل الجمعية العامة كجزء من معادلة أوسع نطاقا نحو السلام والحل العادل للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني. وتهدف الجهود الرامية إلى تهميش الوكالة إلى تغيير المعايير الراسخة للتوصل إلى حل سياسي مستقبلي. على مدى عامين، نجحت الأونروا في التغلب على تحديات وجودية، ونفذت ولايتها رغم صعوبات مستحيلة في الأرض الفلسطينية المحتلة. إن تجديد هذه الولاية وحده لن يكون كافيا لحماية عمل الوكالة وحياة ومستقبل لاجئي فلسطين.
يجب على الدول الأعضاء أن تتخذ خطوات ملموسة لتحديد دور الأونروا ضمن عملية سياسية محددة زمنيا وأن تمول تقديم الخدمات الأساسية بشكل كامل لحين اكتمال هذه العملية. إن دعم الوكالة يعني الاستثمار في مسار سياسي للمضي قُدما والوقوف في تضامن حقيقي مع كل أولئك الملتزمين بالسلام الدائم.
*كلمة المفوض العام للأونروا فيليب لازاريني أمام اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، أواسط تشرين الثاني الجاري، 2025
.png)






.png)


.jpeg)



.png)

