خطايانا و ضرورة الكف عن تكرارها

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

كنت قد أنهيت مقالا سابقا بالسؤال التالي: ما هي تلك الخطايا التي يجب الكف عن تكرارها ؟ وللإجابة أقول:

في افتتاح الحديث عن مقاومة الاحتلال دأب سياسيونا - وفي العادة يتبعهم مثقفون، محللون وكتاب رأي - على الإشارة لحق الشعوب المطلق في ممارسة كافة أشكال النضال لمقاومة محتليها. هذا الحق الذي حسب قولهم اعتاد الاحتلال الإسرائيلي، وكل جوقة حماته، داعميه ومسانِديه، وأميركا في المقدمة، إنكاره على شعبنا، وفوق ذلك دمغ كل أشكال نضال شعبنا، حتى السلمي منها بالإرهاب. وكان أن تحولت مقولة الحق المطلق، لكثرة ترديدها، إلى مسلمة لا تقبل النقاش لدى أطياف واسعة من جماهيرنا، خصوصا المتعلمة والمثقفة منها. المصيبة أن نسبة غير قليلة من سياسيي التنظيمات لا تعرف أن مقولة الحق المطلق هذه غير صحيحة. والمصيبة الأكبر أن العارفين بعدم صحتها لا يرون أهمية لتصحيحها، ويشاركون غير العارفين في المثابرة ليس فقط على ترديدها، وإنما على تطبيقها والعمل بها. يحدث ذلك بالرغم من سلسلة الخسارات والانكسارات التي نجمت وتنجم عن خطايا تطبيقها.

يفترض المنطق البسيط أن سياسيينا يعرفون أن حق مقاومة الشعوب للاحتلال، واختيار أشكال ووسائل النضال لا يتفق مع صفة الإطلاق التي يذهبون إليها، وأنه في حقيقة الأمر حق مقيد. صحيح أن هناك أشكال ووسائل نضال واسعة يشملها هذا الحق وهي مسموحة. لكن هناك أشكال ووسائل محدودة لا يشملها هذا الحق وهي محظورة في الدنيا كلها، وقد جرى إدراجها ومنذ وقت طويل، سبق نشوء قضيتنا، في خانة الإرهاب. والأدهى من كل ذلك أن هؤلاء السياسيين يعون ويعرفون أن عدالة القضية، مهما بلغت درجات سموها، تعجز عن جعل هذا المحظور مسموحا. يعون ويعرفون تحديدا أن أي استهداف للمدنيين، أيا كانت الدوافع والمبررات، يقع ضمن مصنف المحظور هذا. ومع ذلك، وبالرغم من كل ذلك جعلوا من هذا المحظور، أي استهداف المدنيين، هدفا مقدسا فَنهجاً لا يعود للنضال أي جدوى إن حاد عن السير على خطاه. وبالرغم من أن نتائج أفعال استهداف المدنيين، جلبت العديد من الخسارات والانكسارات لشعبنا وقضيتنا، وفي المقدمة منها تهيئة الرأي العام للقبول بتوصيف أي فعل لنا بالإرهاب، ناهيك عن تعزيز التضامن مع عدونا، إلا أن ذلك لم يدفع قيادات تنظيماتنا ولا مرة لإعادة النظر في جدوى نهج مدمر كهذا. وعلى العكس ظل صب اللوم على الرأي العام، وما يوصف بعدم اهتمام العالم، انعدام فاعلية المؤسسات الدولية، ازدواجية المعايير، وغيرها الكثير من الترهات، سبيلا مقبولا للهروب من مواجهة الحقيقة. حقيقة أن نهج استهداف المدنيين يخدم عدونا ولا يخدم قضيتنا بأي حال. كيف ؟

يذهب منظرو هذا النهج إلى الزعم بأن نقده هو الوجه الآخر لرفض المقاومة المسلحة، وينسون أنها، أي المقاومة المسلحة رافقت النضال منذ بداياته مطلع القرن الماضي. كما لا يتذكرون أن دماءً غزيرة سالت في هبة البراق العام 1929، وأن ثورة 36 - 39 مثلت درة التاج للنضال الوطني الفلسطيني في القرن الماضي كله. ينسون أن بريطانيا، القوة العظمى الأولى في العالم آنذاك، لم تجد فيما شهدته هذه الثورة المجيدة من انحرافات وأخطاء ما يبرر دمْغها بصفة الإرهاب. لماذا؟ لأنها ابتعدت تماما عن أي شكل من أشكال استهداف المدنيين. وبعد خمس سنوات فقط على نهايتها، أي في العام 1944، وقع تمرد العصابات الصهيونية على بريطانيا. والمثير للدهشة أنه لم يطل الوقت حتى دمغت بريطانيا هذه العصابات بالإرهاب. هذا التعبير الذي دخل شرقنا لأول مرة في تاريخه. الملفت للنظر أن الكشف آنذاك عن أهوال الهولوكوست لم يشفع لهذه العصابات، ولم يحل بين بريطانيا وبين وصمها بهذه الصفة الأكثر قباحة في التاريخ كله. لماذا ؟ لأن العصابات الصهيونية التي أنشأتها، دَربتها وَسلحتها بريطانيا ذاتها، امتهنت استهداف موظفي إدارة الانتداب المدنيين، بريطانيين وغير بريطانيين.

وبالرغم من انكشاف خطيئة تحالف القيادة الفلسطينية آنذاك - الحاج أمين الحسيني - مع النازية، لم تجد بريطانيا في الفعل الفلسطيني ما يدعو لوصم النضال الفلسطيني بالإرهاب. لماذا؟ لأن الفعل الفلسطيني، وبالرغم من مجازر الإبادة التي شكلت قرية دير ياسين عنوانها، حافظ على نهج رفض استهداف المدنيين أيا كانوا. ولكن..

لكن المؤسف، والمؤلم في آن، أن هذا النهج - عدم استهداف المدنيين - تغير مع ارتفاع صيت الثورة الفلسطينية الحديثة والتي انطلقت عقب نكسة العام 67. كانت بلدان المحور التي هزمت في الحرب العالمية الثانية؛ اليابان، ألمانيا وإيطاليا، قد شهدت نشوء حركات مقاومة وسمت جميعا بسمة الإرهاب. وكان أن حركات تحرر في العالم، خاصة في أمريكا اللاتينية، قد رأت فيها قدوة لها، ولتوسم هي الأخرى بسمة الإرهاب. وكان من سوء طالعنا أن بعض تنظيمات ثورتنا الحديثة وجدت في كل هؤلاء الموسومين بالإرهاب ضالتها، أي القدوة التي عليها أن تحتذي بها. هكذا كان أن بدأ نهج فَمسار الفعل بخطف الطائرات وإنزالها في مطار المفرق الأردني، واتخاذ ركابها رهائن العام 1970. ثم كان أن تدحرج الفعل والنهج عاما بعد عام، وأن تتسابق وتتنافس عليه التنظيمات، ليتسع ويشمل كل ما هو معيب وجبان، من النزول على حضانات أطفال، إلى مهرجانات رياضية - أولمبياد ميونخ، احتلال فنادق، اختطاف باصات وعبّارات سياح وغير ذلك الكثير، ولتبلغ مديات غير مسبوقة فيما وصف بالعمليات الاستشهادية التي استهدفت مقاهي، مطاعم، صالات رقص، وسائل نقل.. الخ. ومعها تمددت صفة الإرهاب لتشمل شعبنا كله وكل فعل نضالي له، كانت ما كانت درجة سلميته. وأخيرا وصلنا الذروة في 7 تشرين أول/ أكتوبر العام 2023، والعودة، بعد ذلك الحصاد الوافر من أرواح المدنيين، ب253 رهينة فيما أظنها الحصيلة الأكبر في التاريخ كله، فَالكارثة الأكبر التي ألمت بشعبنا منذ نكبته الكبرى وبما يوجب أن نصرخ جميعا وبأعلى الصوت: كفى لهذا النهج المدمر.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية