سكت رصاص الغدر... وفاضت أرواح الشهداء إلى باريها... والتقطَ الجرحى أنفاسهم وهم يبحثون عن منفذٍ للحياة... والجلّاد يبحث عن منفذٍ لإخفاء فعلته البشعة...
أرخى الليل سدوله... والجلاد يحلم بإسدال الستار على الجريمة.
ماذا سيفعل بالضحايا المترامية في حلبة المجزرة؟
تسعة وأربعون ضحيّة بما فيها جنين الشهيدة فاطمة صرصور الذي كان يتأهب لإبصار نور الحياة بعد شهر. ينقل ضحاياه إلى مكان آخر...
عليه إخلاء المكان من أهم ملابسات الجريمة، لكن دماء الشهداء الأبرياء بقيت تشهد وتُلهم الأدباء والشعراء وتتصدر نصوصهم وإبداعاتهم.
يفرض حصاراً على القرية الوادعة... تعتيم شامل... إعلامي وسياسي يصدُر عن مملكة بن غوريون الفتية، وتلتزم به كافة ألوان قوس قزح... الإعلامية والسياسية والإنتلِكتواليّة...
إنها قضية أمنية... إذن فهي قضية وطنية... لا صوت يعلو فوق الأمن... فهو أقدس المقدَّسات في هذه المملكة الفريدة من نوعها، والتي لم يُخلق مثلها في البلاد...
فيباغت الملك عامل الزمن الذي يدور بقدرٍ ربّاني، كأنه ساعة كبيرة... عقاربها الشمس والقمر...
خلقت لضبط حياة البشر...
ويصل الخبر إلى ابن عروس البحر...
توفيق طوبي الموقّر... رجلٌ ألقى بجسده مع رفاقه أمام شاحنات الترحيل يوم نكبة مدينته حيفا وشعبه الأصيل... لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في معركة البقاء في وطن الآباء والأجداد...
أدرك طوبي أن كفر قاسم هي امتداد حيفا وأخواتها، فيمضي مع رفيقه ماير فلنر صوب كفر قاسم الذبيحة، مجسداً معنى القيادة الحقيقية لشعب أعزل في أوقاته العصيبة...
يلتقي بأهالي القرية ويرصد شهاداتهم وما تيسّر من أسماء الشهداء، وينسج وثيقته التاريخية ويعمّمها على كل المحافل لفضح الجريمة... فيرتبك الملك الجلاد... وتبوء بالفشل أحلامه لطمس الجريمة... يتبدل الهدف ويغدو اجتهاداً في مسار تبرير الجريمة... فيكون الاستخفاف بهولها ورهبتها، وبالافتراء على الضحايا باتهامهم بإلقاء الحجارة على الجنود... لكنه كان افتراءً مفضوحاً "كسر عصاته من أول غزواته"، فيهتدي إلى وصفة سحرية مفادها أن ما جرى كان سوء فهم الجنود لأوامر ضباطهم... فتسخر الخفايا والوقائع أثناء الجريمة... قبلها وبعدها وتأبى التصديق، وتضحد اجتهاداً لنسج رواية جديدة قد تحفظ ماء وجوه أمراء القتل المغبرّة بصيحات الضحايا وأنات الجرحى...
تعددت الخفايا والوقائع فكانت:
١- إغلاق كافة جهات القرية وإبقاء الجهة الشرقية الحدودية مع الضفة الغربية مفتوحة، لحث الأهالي على سلك درب الرحيل...
٢- إبلاغ مختار القرية بقرار منع التجوّل ساعة قبل بدء سريانه، كان يحمل في طياته نوايا الخبث والخديعة...
٣- "أحصدوهم" — الكلمة التي استخدمها الضابط المسؤول وهو يأمر جنوده بالقتل، كانت كفيلة لوحدها بضحد الرواية الكاذبة عندما عبّرت عن الانحراف الواضح عن الإنسانية، وكأن أهداف الحصاد ليسوا ببشر...
أحصدوهم.. لغة تلذّذ بها القاتل أمام ضحيته وهو يتحوّل إلى وحش في صورة إنسان...
أحصدوهم.. كلمة لمعت في حلبة المجزرة ولمع معها رصاص الحقد في عيون الضحايا أكثر من محاولات تلميع الرواية الكاذبة...
أحصدوهم كلمة أنجبت سلالة... أحرق حوارة... اقصف.. فجِّر البيوت فوق رؤوس أهلها. أحصدوهم كلمة تربعت على عرش ذاكرتنا...
احتار العمال الأبرياء من هذه الكلمة، وكأنّي بهم لا يصدقون أنهم هم المقصودون بالحصاد... لكن موسم الحصاد لم يحن بعد... فهم على موعد مع المطر الأول، حتى ينثروا بذور قمحهم في أحشاء الأرض الطيبة... ويَحْلُمون بزهو سنابله في أيار شهر العمال والفلاحين...
إنهم منهمكون في موسم الزيتون... ينشدون الظفر بوقود عجلة سيرورة حياتهم...
٤- ثم تلألأ قرش شدمي في يده وهو يضحك ساخرًا يوم المحكمة، ليضيف المشهد علّة أخرى تبدّد أسارير التحريف والتسويغ...
٥- حلّت الذكرى الأولى للمجزرة في العام ١٩٥٧، حوصرت القرية ودخلها رجالات الجلاد وأعوانهم... ووُصِّدت القرية بالحواجز العسكرية... منعت توفيق طوبي ورفاقه من دخول القرية بغرض إحياء ذكراها الأولى... ووجّه رجالات الجلاد كلامهم إلى الأهالي لنسيان المجزرة، والتخلي عن حقهم بإحياء ذكرى شهدائهم... خاصة بعد الصلحة المشؤومة التي عقدوها في القرية...
٦- ولما اجتهدت القلة من أبناء القرية لتخليد الذكرى وأحيتها في السنوات الأولى بصور متواضعة شنّت عليهم سلطات الجلاد موجات من الترهيب والترغيب لكسرهم وإسكاتهم، ونجحت وبقي القليل من تلك القلة ينشدون إحياء الذكرى ويحلمون بظهور من يكرمه الله بنعمة الشجاعة في مواجهة الجلاد.
ويتحقّق لذلك للقرية الوادعة، التي أنعم الله عليها بسطوع نجم ثلة من الرجال، حملوا الأمانة بكل إيمان وتصميم... لم يُثنهم صعب عن الدرب الشائك... مضوا في تخليد ذكرى شهدائهم بما يليق بهم... مسانَدين بتوفيق طوبي ورفاقه ومعهم القوى التقدّمية اليهودية التي خجلت من أمراء دولتهم... دفعوا الأثمان الباهظة والتضحيات ولم يستكينوا فكانوا نعم الثلة
وصاروا الرعيل الأول المناضلين...
تعدّدت الوقائع والخفايا لتؤكد حقيقة واحدة أسقطت كل التبريرات والتسويغات وعاشت شمس الحقيقة التي سيظل نورها يسطع ويبدّد غيوم الأكاذيب العابرة.
ثم ذرّوا في عيوننا وهم اعتبار مجزرة كفر قاسم أمراً شاذّاً عن القاعدة...
لكن الوهم تبدّد في يوم الأرض الخالد في هبة الأقصى وغدت كفر قاسم القاعدة وليس الشاذ.
في دولة استحوذ عليها اليمين المتطرّف أصبح السلام هو الشذوذ... إنه عائقٌ ومعيق كبير أمام الأحلام المنحرفة عن الخلق البشري...
أية أحلام هذه التي ترنو لبناء سعادة على جماجم الآخرين، وعلى أنقاض بيوتهم وبساتينهم... يقتلون الأطفال والنساء والشيوخ ويسومونهم كل أنواع العذاب...
كيف لا فإن الأهداف تنطق بالضاد...
إنه القضاء المبرم الذي حدّده الجلاد الجديد.. ضحية الجلاد الناطق بالخاف..
راق لها أن تغدو جلادًا لأهل الضاد. كانوا ضحية.. صاروا جلادين..
كنا الضحية... وما زلنا الضحية
لن ننسى.. لن نغفر
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار
أكتوبر 2025







.png)


.jpeg)


.png)

