النساء الفلسطينيات في إسرائيل: دوائر الخوف واليات الإخراس المتنوعة

A+
A-
تظاهرة في مدينة الناصرة ضد حرب الإبادة على شعبنا الفلسطيني – أيار 2024

تظاهرة في مدينة الناصرة ضد حرب الإبادة على شعبنا الفلسطيني – أيار 2024

على هامش اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد النساء

منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023 وحرب الإبادة على غزة، أصبح المجتمع الفلسطيني في إسرائيل مهدداً ومستهدفاً بشكل غير مسبوق. عملت أذرع الدولة بمختلف أدوارها على ملاحقة كل من عبّر عن معارضته للحرب، وفرضت أجواء مكارثية أدخلت المجتمع الفلسطيني برمّته في حالة من الذعر والقلق التي لم يشهدها من قبل. تمثّل جزء من هذا الاستهداف بملاحقات واعتقالات وفصل تعسفي من أماكن العمل والجامعات، واستدعاءات وجلسات استماع ومحاكم ميدانية ووشايات وابتزازات وتهديدات وصلت حد التهديد بالقتل. ولعلّ تعامل الدولة بأذرعها المتنوعة مع الفلسطينيين مواطني دولة إسرائيل منذ بداية الحرب وحتى اليوم هو أشرس عملية عنف سياسي يشهدها الفلسطينيون منذ انتهاء الحكم العسكري في الستينيات.

كان للنساء الفلسطينيات حصة كبيرة من هذه الملاحقات، وهذه الحقيقة بحد ذاتها تعكس التحولات الجذرية في وضعية النساء الفلسطينيات، إذ يتجلّى الحضور الواضح لهن في المشهد السياسي والاجتماعي واتساعه على مدى العقود الأخيرة، ووصولهن لمرتبات مهنية ومواقع تأثير متعددة. تمّ ملاحقة العديد منهن في مختلف المرافق وأماكن العمل والمؤسسات التعليمية. تعرّضت العاملات منهن والطالبات الجامعيات للمساءلة، للإبعاد أو الفصل التام، ومورس ضد بعضهن حملات تحريض مكثفة وخطيرة جعلت حياتهن الشخصية مهددة ومحفوفة بالخطر، كالفنانة دلال أبو آمنة، بروفيسور نادرة شلهوب دورمينكيان، الفنانة ميساء عبد الهادي، المحاضرة وردة سعدة وغيرهن. بينما بقيت عشرات الملاحقات والاعتقالات ضد نساء أخريات طي الكتمان وتم التعامل معها في الكواليس الخلفية.

يركز هذا المقال على من بقيت أصواتهن مخرسة، ممن تعرّضن لعمليات اعتقال وترهيب ولم يفصحن عنها، في محاولة لتحليل أبعاد هذه الوضعية ومن خلال اعتبار هذه الحالات انعكاساً لوضعية مجتمع كامل، تم إخراسه وترويعه واستخدام أدوات مختلفة لقهره، في محاولة لفهم تداعيات هذه المرحلة وتأثيرها على مختلف جوانب حياة النساء وتعاملها مع دوائر القهر المتعددة.

تمثل قصة "سما" نموذجاً مثالياً للأمر. فسما، وهو اسم مستعار لشابة في مقتبل عمرها من منطقة الشمال، لم تُنشر قصتها في الإعلام وتعاملت مع قضيتها بتكتم بالغ، ولم يتم نشر ما تعرّضت له من ملاحقة واعتقال وتبعاتها. سما شابة في ريعان شبابها، لا تنتمي لأي إطار حزبي أو سياسي، وليست فاعلة في هذا المجال على الإطلاق. مع بداية الحرب، كانت سما قد بدأت تعليمها في إحدى الكليات في منطقة الجليل، كتبت في اليوم الأول للحرب جملة قصيرة على إحدى منصات التواصل الاجتماعي مع صورة متداولة لاقتحام غلاف غزة، وبعد عدة دقائق قامت بمحوها. التقط زملاؤها في الكلية ما نشرته، وقاموا بحملة تحريض حثيثة ضدها، الأمر الذي أدى إلى استبعادها من التعليم لفترة معينة، وبعد عودتها للكلية قامت نفس المجموعة من المحرضين بالتوجه للشرطة وتقديم شكوى ضدها، أدت إلى اعتقالها وسجنها أكثر من عشرة أيام، بعدها أفرج عنها بشروط مقيّدة. بقيت قضية سما متداولة في المحاكم إلى أن تم قبل عدة أشهر إغلاق القضية وفرض الخدمة الجماهيرية عليها، وقد كاد القرار أن يعيدها لسجن فعلي. عاشت خلال هذه الفترة بخوف وتوتر وما زالت حتى هذه اللحظة غير قادرة على البوح بتفاصيل الاعتقال وحيثياته، وتفضل اليوم طي هذه الصفحة والمضي بحياتها واحترام رغبة عائلتها بعدم النشر والإفصاح عن هويتها.

في المقابل لهذه القصة الفردية، تطرّق تقرير نُشر في صحيفة "كالكاليست" في كانون ثاني 2025 إلى ما عايشته النساء الفلسطينيات من ملاحقات واعتقالات دون أن يجد له مكاناً قبل ذلك في الإعلام العبري، وقد كان اللافت في هذا التقرير ما أشارت له بروفيسور أري بن يشاي من قسم اللسانيات واللغة الإنجليزية في جامعة حيفا، عن الطالبات العربيات اللواتي يدرسن في مساقها، عن ذعرهن وعن امتناعهن عن التعبير عن آرائهن السياسية بالرغم من تشجيعها لهن في أخذ دورهن في هذا الجانب، وعن تمسّكهن بالوصول للجامعة من أجل التعليم فقط بحسب طلب عائلاتهن وعدم التورط في أمور أخرى. وقد ساقَت هذه المحاضرة هذا الوصف إثر نشوب نقاش حاد في إحدى حصصها، قام خلاله مجموعة من الطلبة اليمينيّين بالتهجم عليها ووصل الأمر حد تدخل حراس الأمن في الجامعة. بين قصة سما وقصص الطالبات يمتد خيط جامع يجدل البعدين معاً كوسيلة إيضاح بليغة بين المستوى الفردي والجماعي ويمتد ليعكس وضعية النساء الفلسطينيات برمتها.

من فائض القول إن كلا القصتين هما نتيجة حتمية للسياسات الفاشية التي تجذرت منذ اندلاع الحرب رسمياً وشعبياً. لقد تبلورت رقابة ذاتية محكمة للغاية من قبل النساء ومحيطهن، مقابل محاولات المؤسسة الإسرائيلية وجهازها الشرطي وما تباهت به من عمليات إذلال وإخضاع تم نشرها بشكل مكثف لكي تكون رسالة للمجتمع برمته. وهي نفس الرقابة الذاتية التي منعت سما من كشف ما مرّت به في هذه التجربة واتخاذها القرار بطي هذه الصفحة والمضي في حياتها، تماماً كما اتخذت الطالبات في الجامعة قراراً بعدم الإفصاح عن مواقفهن من الحرب. عملياً تجسّد كلا الحالتين حالة من الانفصال النفسي والانسلاخ عن الذات بمصطلحات تحليلية من أجل البقاء.

في كتابه الجميل "بشرة سوداء، أقنعة بيضاء" يتحدث فرانز فانون عن العلاقة الوثيقة بين آليات المستعمر (بكسر الراء) لإخضاع السكان الأصليين من خلال ممارسات السيطرة ومن خلال تعميق الاغتراب كنتيجة حتمية لنفي وترحيل الإنسان المستعمَر (بفتح الراء) عن إنسانيته. يشير فانون إلى السيرورة التي يقوم بها المستعمِر (بكسر الميم) لتذويت النظرة التحقيرية وتفكيك ذات وكيان الإنسان المستعمَر (بفتح الميم). إن سلب النساء الفلسطينيات حقهن في التعبير والتعاطف مع معاناة شعبهن، ترهيبهن وإخضاعهن، وتعميق اغترابهن ليس فقط مع محيطهن بل مع ذواتهن، ما هو إلا عملية نزع لإنسانيتهن. وهي سيرورة تنعكس تأثيراتها في العلاقات الاجتماعية، العائلية والحميمية وكذلك في علاقات إنتاج المعرفة.

إن تحدّي البنية الاجتماعية الذكورية وعنفها مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالقدرة على تحدي البنية السياسية، على الاعتراف أولاً بسلطتها وبتأثيرها علينا وعلى إدراكنا. إن هذين البعدين مرتبطان ارتباطاً وثيقاً ببعضهما البعض، وإن اقتصار تحدي هذه البنية على بعدها الجندري سيكون مبتوراً وغير ذي صلة، تماماً كما أن اقتصار التحدي للبنية السياسية لوحدها هو كذلك فعل منقوص.

أمام هذه الوضعية يُطرح السؤال الملحّ اليوم: كيف تستطيع النساء تحدي البنية الذكورية لمجتمعاتهن، المؤسسة على انعدام المساواة الجندرية وعلى السيطرة الأبوية، في واقع تقوم به البنية السياسية بأكبر عملية تعنيف سياسي ضدهن؟ وهل تستطيع النساء اللواتي تعرضن للقمع السياسي وذوّتن خضوعهن وكرّسن اغترابهن أن يتحدين البنى الذكورية القائمة في مجتمعهن؟ وكيف لنا كمجتمع وكمؤسسات مواجهة هذه الوضعية بكل تحدياتها؟

من المؤكد أن هذه المرحلة ستفرز أشكالاً مختلفة من الديناميكيات المركبة وبالغة التعقيد، وسينتج عنها الكثير من الممارسات والسلوكيات على مستوى الأفراد المليئة بالتناقضات والاضطرابات. فتحدّي البنية الاجتماعية الذكورية وعنفها مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالقدرة على تحدي البنية السياسية، على الاعتراف أولاً بسلطتها وبتأثيرها علينا وعلى إدراكنا. إن هذين البعدين مرتبطان ارتباطاً وثيقاً ببعضهما البعض، وإن اقتصار تحدي هذه البنية على بعدها الجندري سيكون مبتوراً وغير ذي صلة، تماماً كما أن اقتصار التحدي للبنية السياسية لوحدها هو كذلك فعل منقوص.

لذلك فإنه على عاتقنا كمؤسسات وأطر مجتمعية ونسوية فاعلة مهمة شائكة. علينا التمسك بمواجهة دوائر القمع تلك معاً، وفي زمن الإخراس والترهيب تقع علينا مهمة أساسية تتلخص في أنسنة تجربتنا الحالية، وفي تحويل الموضوعات إلى ذوات، في إعلاء أصوات من لا صوت لهم/ن، وصياغة سرديتنا من خلال قدرتنا على التواصل مع أنفسنا قبل كل شيء. فالإنسان كما قال فانون بحاجة لأن يستعيد لغته وروايته لكي يتحرر ويكسر طوق القهر. علينا تقع مهمة نفخ الروح في شعاراتنا، ونقلها من أشياء إلى حيوات، وتحويلها من عناوين بدون أسماء ووجوه وأفكار ومشاعر إلى حيوات تبحث عن مفردات وتنسج قصصها وتربط سرديتها، بعيداً عن تأطيرنا كبطلات أو كضحايا، إنما كذوات قادرات على تلمّس آلامنا، معاناتنا، عجزنا وخوفنا أمام كل دوائر القهر المحيطة بنا، وكذلك شجاعتنا وإنجازاتنا وقدرتنا على تلمّس الحب والفرح والأمل والبحث عن معنى للحياة، بالرغم من حلكة الأيام.

إنها مهمة صعبة وتتطلب منا السعي لكسر دوائر الخوف وترجمة هذا الأمر إلى استراتيجيات وخطط عمل جديدة تتلاءم مع وضعية آنية مختلفة، لكنها بلا شك قادرة على أن تخلخل هذا الصمت المدوي، وقادرة أيضاً على أن تجعلنا جميعاً نستعيد أصواتنا المخرسة.

*رئيسة مجلس نعمات لواء الناصرة

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية