أبو محمد بركة: بين صفاء قسطل صفورية وآبار غزة المالحة المدمرة

A+
A-
حفل تأبين في شفاعمرو للشخصية الوطنية الجبهوية سعيد محمد بركة

حفل تأبين في شفاعمرو للشخصية الوطنية الجبهوية سعيد محمد بركة

الحاج أبو محمد سعيد بركة، شخصية شفاعمرية أصيلة وشخصية صفورية عريقة، ما أكثرَ ما تشبهُك روايتُنا أبو محمد، وسردية شعبنا، التي ما زالت تتكرر وتتدحرج على بوابات الروح وشرايين الوطن، من صفاء قسطل صفورية، إلى آبار غزة المالحة المدمرة، المعطّشة، الدامية، المجوّعة حتى الموت، غزة التي تُرِكت لمحرقتها.. 

بعد كل هذه السنوات والعقود التي انقضت منذ النكبة، فإن الضحية ما زالت هي الضحية، ووحوش الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية والإقليمية ما زالوا هم أنفسهم، إنهم وإن كانوا أكثرَ صلفاً وتوحشاً وتغوّلاً وبلادة في هذه المرة.. غير أن شعوب العالم تهتز لغزة في كل أصقاع الدنيا، وتقلع إلى غزة لتحاصر حصارهم، وتتحدى قراصنة البحر وقطاع الطرق... إن الشعوب إذا هبت ستنتصر..  

من المفارقات، أن الشاب الصفوري المشرّد من بلدته المهدّمة.. الذي ترك من ورائه حطام البيوت وحمل في وجدانه بقايا بلد مناضل، انتقل مع من انتقل من أهله إلى الجارة شفاعمرو، ليصبح فيها معلم عمار، يعمر البيوت بيد، ويساهم في إعادة إعمار بقايا شعبه المنكوب وتثبيت بقائه ونقائه في وطنه في اليد الأخرى. 

جيل كامل وكوكبة من القيادات الاجتماعية والشعبية والأهلية الوازنة في كل بلد، وخصوصا في هذا البلد المركزي في حياة جماهيرنا، شفاعمرو، وجد نفسه أمام مهمة إعادة انتاج مجتمعاتنا من قلب النكبة ومن قلب الخيبة، ومن قلب مشاريع التبديد والتشريد المادي والمعنوي. 

هذه الكوكبة كانت حاضرة، وما زالت، ركيزة في كل بلدة من بلداتنا، شرطاً ضروريا لبقائنا وإعادة انتاج مجتمعاتنا وطموحاتنا الوطنية والإنسانية. وكانت هذه الكوكبة حاضرة بقوة على محور صفورية- شفاعمرو، التي اكتنزت في كل حاراتها وعائلاتها شخصيات وقامات بارزةً، تبوأت مراكز مميزة في مسيرة البقاء والإعمار.
 
عزيزنا الراحل أبو محمد سعيد بركة ابن صفورية العريق، الذي تعودنا أن نحبه ونثق به دون مجاملات، لم يكن فقط، شخصية بارزة مسكونة بهمّ الحفاظ على نسيج مجتمعنا الوطني والكفاحي والاجتماعي والإنساني والأخلاقي بعد النكبة، بل كان من أولئك الذين قاموا على تجديد هذا النسيج بأيديهم وقيمهم ومكانتهم العالية، ( شغل إيد، بإبرة التطريز الفلسطينية، وبالقطبة الفلاحية، و"الغَرزة" الكنعانية، التي يسند فيها الخيط الذي يليه ويستند اليه ليحفظ ثباته). 

وإذا كان هناك من راهن واهما على تحويل التعددية التاريخية في شفاعمرو، بحاراتها وعائلاتها وطوائفها، وشفاعمريتها وصفوريتها، إلى نقطة ضعف هذه المدينة العريقة، التي يسهل منها المرور لاختراق وحدتها، فإن شفاعمرو عرفت في كل اللحظات الفارقة، أن تستنهض ما في هذه التعددية من ثروة، تجعل منها قيمة رئيسية للمدينة ودرة تاجها، ونقطة ارتكاز لبناء وحدتها وتآخيها وتكاملها في القضايا الوطنية والاجتماعية والإنسانية. 

بهذا المعنى شكّل الحاج أبو محمد سعيد بركة مع كوكبة من القامات الملتزمة وطنيا واجتماعيا، نقطة ثبات واستقرار وركيزة أساسية، وسدا متينا في المعركة لإفشال مخططات مؤسسة الحكم في إسرائيل، التي تتسلل لإخضاع شعبنا وتفكيك جماهيرنا وتفتيت مجتمعنا من داخله إن أمكن، من خلال تصدير الفوضى الخلاقة، وتصدير الإجرام المنفلت وفوضى السلاح لتدمير أساساته وإشعال نار الفتنة تارة، وتذويت سياسات الخنوع والالغاء الذاتي وطنيا وانسانيا طوراً آخر. 

لم يَعتبر أبو محمد نفسه بالأساس شخصية سياسية، لكنه كان موضع إجماع وثقة، باعتباره شخصية شعبية واجتماعية فاعلة وخيّرة، ومشاركاً مثابرا في حمل الهم العام، الوطني والبلدي والأهلي والانساني، قوي الحضور عميق الانتماء واضح الخيارات السياسية والاجتماعية الكفاحية، شريكا في كل ساحات النضال.
 
مثّل الجبهة في بلدية شفاعمرو وكان رئيسا لكتلتها البلدية، وكان مرشحها لرئاسة البلدية في ثمانينيات القرن الماضي، وحين جرى الإعداد لمؤتمر الجماهير العربية الذي حظره مناحيم بيغن بأمر عسكري في كانون الأول 1980، وحظر وثيقة السادس من حزيران من العام نفسه، وأخرج اللجنة التحضيرية القطرية للمؤتمر، التي ترأسها القائد التاريخي إميل توما خارج القانون، كان أبو محمد عضوا في هذه اللجنة التحضيرية المحظورة.

ربطتني بأبو محمد، علاقة شخصية مُحِبَة وغامرة أعتز بها على مر السنين.. تطورت بفعل العلاقة الرفاقية والكفاحية المتواصلة التي ربطتني برفيقي وأخي المناضل العَلَم محمد بركة، وربطتني مع نضالات شفاعمرو ومركزية دورها في نشاطاتنا، ولكن العلاقة مع أبو محمد لم تكن مقتصرة على هذه العلاقة. فأبو محمد كان دائما وموضوعيا، قامة وقيمة اجتماعية وإنسانية وشعبية تضفي على كل مجلس شيئا من الطمأنينة والصدق والاستقامة والحكمة والمسؤولية والهم العام. 

قبل رحيل أبو محمد بأشهر عديدة كنت على علم بوجوده في ظروف دقيقة في المستشفى الطلياني في حيفا، ومع أنني كنت أسأل عنه باستمرار الا أنني كنت أتجنب زيارته منعا لأي حرج. وصادف أنني في إحدى زياراتي في المستشفى التقيت بالأخت العزيزة سناء بركة، التي كانت ترعى والدها وترافقه دون انقطاع، فأعلمتني أن أبو محمد يرقد في غرفة قريبة ودعتني لزيارته... قبل ان تسبقني إلى غرفته توقفت قليلا، ولفتت نظري، منعا للإحراج، إلى أن ذاكرته قد تخونه بفعل الأدوية التي يتناولها. 

دخلت غرفة أبو محمد متوجساً، كان جالسا على طرف السرير، جلسته الشامخة، وجهه البشوش الذي يشع نورا وبسمة عريضة، وتهذيب حطة الحطة البيضاء على رأسه.. سلمت عليه بشوق، وبادرت محاذرا إلى حديث في العموميات، لكنه انتقل ليحدثني عن حوار تلفزيوني كنت قد شاركت فيه على الميادين قبل أسبوع وأدلى بدلوه الناصع الواضح في موضوع الحوار.. فعرفت ان أبو محمد لا يخطئ في السياسة ولا تخونه الذاكرة في القضايا المهمة. كان ذلك لقائي الأخير معه، واختزنت في ذهني صورته كم أحببتها دائما، لتبقى معي، ذهناً صافيا وهامةً عالية، ووجهاً بشوشاً، وقامةً منتصبة جسدياً ومعنوياً، وملقىً جميلاً غامراً بالدفء والخير والبركة. 

لروح أبو محمد السلام وللعائلة العزيزة وللأهل في شفاعمرو وصفورية الباقية، طيب الذكرى وحسن العزاء و كل أسباب الاعتزاز.. 

(كلمة التأبين في ذكرى الراحل سعيد محمد بركة- شفاعمرو 3 تشرين الأول 2025)

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية