التمثيل النسائي ليس ترفًا، بل شرط للشرعية

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

ردّ جمعية نساء ضد العنف على المقال "لجنة المتابعة والديمقراطية، تمثيل النساء والنقد النسوي"

نحن في جمعية نساء ضد العنف نرحّب بكل نقاش فكري وسياسي يتناول دور لجنة المتابعة العليا ومكانة النساء فيها، ونؤمن أنّ النقد الجادّ هو عنصر أساسي في تطوير مؤسساتنا الوطنية.
لكنّنا نرفض تحويل النقاش حول التمثيل النسائي إلى سجال فكري حول “الناشطية” وكأنّ العمل النسوي الحقوقي هو عبء أو انحراف عن السياسة، لا مكوّن أساسي فيها.
المقال حول هذا الموضوع، رغم ما فيه من عمق لغوي وتحليل سياسي، ينزلق إلى تبرئة البُنى الذكورية السياسية من مسؤوليتها التاريخية عن تغييب النساء، عبر تحويل النقاش من قضية بنيوية إلى قضية شكلية في "أين" و"كيف" تُطرح المطالب.

عملنا ليس "ناشطية" عابرة بل نضال مؤسسي متجذّر

ائتلاف الجمعيات النسوية، الذي أشير إليه في المقال، لم يكن مبادرة رمزية أو "ضغطًا من الخارج"، بل مسارًا منظمًا ومؤسساتيًا خاضته منظمات نسوية ووطنية داخل المجتمع العربي الفلسطيني منذ عام 2006، واستمر خمس سنوات متواصلة حتى أُقرّ تعديل واضح في دستور لجنة المتابعة، يضمن تمثيل النساء في مركّباتها.

هذا التعديل لم يكن استيرادًا من الخارج”، بل ثمرة عمل وطني محلي، بجهد باحثات وناشطات وقياديات سياسيات من أحزاب مختلفة، وبدعم من فصائل وطنية تقدّمية.

اختزال هذا التاريخ في مصطلح “ناشطية” هو محاولة لإفراغ الحركة من مضمونها السياسي الثوري، وكأنها مجموعة مبادرات موسمية بلا عمق فكري أو مشروع تحرري شامل. هذا الطرح يتجاهل أن الحركة النسوية هي التي أبقت خطاب العدالة والمساواة حاضرًا في المجال العام عندما تراجعت الأحزاب عن أدوارها التحررية وتحوّلت إلى بيروقراطيات حزبية.

لقد خلقت الحركة النسوية فضاءً سياسيًا بديلاً في لحظة انسداد، ودفعت ثمنًا باهظًا من التهميش والتشويه لأنها تجرأت على تفكيك المسكوت عنه: علاقة الذكور بالسلطة، في الحزب، في اللجنة، وفي البيت.
القول إن النسوية “ناشطية منفصلة عن السياسة” يفترض ضمنيًا أن السياسة حكرٌ على الذكور، وأنها لا تتحقق إلا داخل أطر الأحزاب التاريخية.

المشكلة ليست في "الناشطية"، بل في من يرفض الإصغاء

حين يُتهم العمل النسوي بأنه “لا يُنتج مشروعًا تحرريًا”، فإنّ السؤال يجب أن يُوجَّه بالعكس: من الذي يمنع تراكم هذا المشروع؟ من الذي يحتكر القرار السياسي داخل الهياكل الذكورية ويستدعي النساء فقط عند الحاجة إلى تزيين الصورة أو استكمال الحصص؟
إنّ الناشطية النسوية لم تفصل نفسها عن السياسة، بل استُبعدت منها مرارًا، وتم التعامل معها كعنصر خارجي بدل اعتبارها شريكًا في بناء الفعل الوطني والاجتماعي.
السياسة تبدأ من مقاومة البنى السلطوية نفسها – أي من تفكيك المنظومة التي تمنح الرجال احتكار التمثيل والقرار. فحين تناضل النساء من أجل تغيير قواعد اللعبة، لا من داخلها فقط، فهن لا “ينفصلن عن السياسة” بل يُعدن تعريف معناها. من هنا فإن تصويرها كظاهرة “ناشطية” هو شكل جديد من الإقصاء الرمزي الذي يحاول نزع الشرعية السياسية عن عمل النساء.

التمثيل النسائي ليس ترفًا، بل شرط للشرعية

حين تُناضل النساء ضد العنف، وضد التشييء، وضد تغييب أصواتهن، فهن يُمارسن فعلًا سياسيًا يغيّر علاقات القوة في المجتمع. وجود النساء في لجنة المتابعة، وفي الأحزاب، وفي الهيئات الوطنية، ليس "مطلبًا أخلاقيًا" أو "موضة ناشطية"، بل أساس للشرعية السياسية لأي جسم يدّعي تمثيل جماهيرنا.

المؤسسة التي تُقصي نصف المجتمع لا يمكنها أن تدّعي تمثيله. وهذا ليس جدلًا بين "أخلاق" و"سياسة"، بل بين شمولٍ وإقصاء، بين عدالة ومحاباة.

المطلوب ليس التنظير بل التنفيذ

التمثيل النسائي لم يُقرّ من فراغ، بل عبر قرار واضح في النظام الداخلي للجنة المتابعة، الذي لم يُنفّذ حتى اليوم. وإذا كانت "الناشطية" عاجزة كما يُقال، فليُفسَّر إذًا لماذا فشلت البنى الحزبية والسياسية - بكل ما تملك من سلطة وتمويل وشرعية - في تنفيذ بندٍ بسيط يعكس إرادة المساواة.
من السهل محاكمة من يرفع الصوت، لكن من الأصعب مساءلة من يمتلك القرار ويتجاهل تطبيقه.

النساء جزء من المشروع الوطني، لا هامشه

نحن نرى أن النسوية الفلسطينية جزء لا يتجزأ من المشروع الوطني التحرري، وهي لا تتناقض مع العمل الحزبي أو الأيديولوجي، بل تسعى لإصلاحه من الداخل.

خلاصة الموقف النسوي، بهذا الصدد أن الإشكالية الجوهرية ليست في ضعف المأسسة أو شكل التمثيل، بل في استمرار بنية ذكورية تُنتج إقصاء النساء وتُفرغ السياسة من بعدها التحرري. والتحرر لا يتجزأ ولا يأتي بقمع الآخرين.

التحالف الذي ندعو إليه ليس بين "النسويات" و"اليسار" فقط، بل بين كل من يؤمن بعدالة مجتمعية وجندرية كشرط لبناء مجتمع مقاوم وحرّ.

إنّ تحويل النقاش عن التمثيل النسائي إلى هجوم على “الناشطية” لا يخدم أحدًا. هو فقط يعيد إنتاج الانقسام بين "السياسي" و"المدني"، بين "القيادات" و"النساء"، بينما الحقيقة أن الطرفين بحاجة لبعضهما، لبناء مشروع وطني ديمقراطي فعلي.
فالعدالة الجندرية ليست رفاهية، بل مؤشّر على مدى صدقنا في بناء مشروع وطني تحرري جامع.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية