ما وراء اعتراف إسرائيل بأرض الصومال

A+
A-
ساعر ورئيس صوماليلاند عبد الرحمن محمد عبد اللهي، اليوم. تصوير: شلومي أمسالم، مكتب الصحافة الحكومي الإسرائيلي

ساعر ورئيس صوماليلاند عبد الرحمن محمد عبد اللهي، اليوم. تصوير: شلومي أمسالم، مكتب الصحافة الحكومي الإسرائيلي

وصفت الحكومة الإسرائيلية زيارة وزير خارجيتها غدعون ساعر إلى إقليم أرض الصومال (صومالي لاند) في 7 كانون الثاني/يناير 2026 بأنها "زيارة تاريخية". وفي السياق ذاته، أعلن سفير أرض الصومال لدى واشنطن (واينت، 10 كانون الثاني/يناير) أن التوقيع على اتفاق أمني–اقتصادي مع إسرائيل قد يتم قريبًا، على أن يشمل إقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية قبالة السواحل اليمنية.

أثار إعلان ساعر عن إقامة علاقات دبلوماسية متبادلة وتبادل سفارات موجة غضب واسعة عربيًا وإقليميًا ودوليًا، ذلك أن غالبية دول العالم لا تعترف بأرض الصومال كدولة مستقلة، بل تنظر إليها بوصفها إقليمًا انفصاليًا تابعًا لجمهورية الصومال. وعليه، اعتُبر الاعتراف الإسرائيلي انتهاكًا لسيادة الدولة الصومالية ومحاولة لتفكيكها، الأمر الذي دفع إلى إحالة القضية إلى بحث خاص في مجلس الأمن الدولي. في هذا الإطار، رأت كل من مصر والسعودية وتركيا في هذه الخطوة إعلانًا لحالة صدامية وعدوانية من قبل إسرائيل.

 

لماذا اعتبرته اسرائيل حدثا تاريخيا؟

لم تعد إسرائيل، وعلى الأقل في المرحلة الراهنة، مكترثة بمسار التطبيع مع المملكة العربية السعودية، نظرًا للاستحقاقات السياسية المرتبطة بهذا المسار، وفي مقدمتها القبول بقيام دولة فلسطينية. وبالمقابل، تستند القراءة الإسرائيلية الأخيرة إلى تقييم المملكة بوصفها تتجه نحو موقف أكثر عدائية تجاه إسرائيل، فضلًا عن اعتبارها "تقترب من محور تركيا–قطر"، مع حفاظها في الوقت ذاته على مستوى متقدم من التنسيق مع مصر.

إضافة إلى ذلك، لا تبدو التقديرات الإسرائيلية متناغمة حيال الموقف السعودي، ولا حيال التوترات السعودية –الإماراتية في ملفات اليمن والصومال والسودان. ومع ذلك، تمنح غالبية هذه التقديرات أولوية واضحة للعلاقة مع دولة الإمارات، باعتبارها "الأكثر اعتدالًا"، وبالنظر إلى تطور العلاقات الثنائية معها، التي لا تفرض استحقاقات جوهرية، باستثناء التراجع في الخطاب السياسي المتعلق بضم الضفة الغربية أو أجزاء منها، وهو موقف عربي عام.

في المقابل، تراهن إسرائيل، وفقًا لمصادر داخلية وتحليلات صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، على فرضية مفادها أن الإمارات ستقوم بتوفير الغطاء السياسي والعملي لتقبّل إقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية استراتيجية في أرض الصومال، وكذلك في جزيرة سقطرى. ويأتي ذلك رغم أن الإمارات نفسها لا تعترف رسميًا بأرض الصومال.

تشير تقديرات سعودية، في هذا السياق، إلى أن الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال يعكس استراتيجية عدوانية أوسع، قد تشكل أساسًا لتحركات عسكرية وديموغرافية من شأنها زعزعة استقرار البحر الأحمر، وتهديد الأمن القومي لكل من مصر والسعودية، وإشعال حالة من الفوضى الإقليمية والداخلية. كما أن تفكيك الصومال كدولة متعددة الإثنيات والهويات، بما في ذلك إقليم أرض الصومال، يحمل احتمالية مرتفعة لنشوء تنظيمات مقاومة إلى جانب تنظيمات إرهابية، بما يفاقم مستويات التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة.

في هذا الإطار، تنقل صحيفة "معاريف" العبرية عن عبد الرحمن سهل يوسف، المستشار السابق لرئيس وزراء الصومال، قوله إن "إسرائيل تسعى إلى نقل معاركها إلى هذه المنطقة، بما يؤدي إلى تدمير الأمن القومي العربي وتقسيم الدول". ويرى أن إقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية هناك ستشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري والسعودي.

في المقابل، يرى محللون آخرون أن احتمالية إخفاق إسرائيل تبقى قائمة، نظرًا لتعاملها مع أرض الصومال ككيان انفصالي موحد، في حين أنها في الواقع كيان غير متجانس سياسيًا واجتماعيًا. ومع ذلك، فإن نجاح إسرائيل في هذا المسعى قد يشجع حركات انفصالية أخرى في دول القرن الإفريقي، بل وفي السعودية ومصر، على الدفع باتجاه سيناريوهات تفكيكية مماثلة.

 

ماذا تريد إسرائيل؟

ما تسعى إليه إسرائيل من خلال الاعتراف بأرض الصومال يتجاوز بكثير حدود العلاقات الدبلوماسية التقليدية، إذ تستغل في هذا السياق إشكاليات الحكم والهشاشة البنيوية في الصومال. ويمكن تحديد ثلاثة أهداف استراتيجية مركزية لهذا التوجه:

أولًا، السعي إلى السيطرة على البحر الأحمر، والتعاطي المباشر مع الملف اليمني، ولاحقًا مع قناة السويس، في حال انخراط إسرائيل في مشروع الممر المائي الموازي لقناة السويس المصرية.

ثانيًا، تطويق ما كان يُعرف سابقًا بـ“الطوق العربي” المحيط بإسرائيل، آخذة في الاعتبار تحالفاتها مع إثيوبيا، ونفوذها المتنامي في جنوب السودان والقرن الإفريقي.

ثالثًا، تحويل نوايا تهجير سكان قطاع غزة من مجرد طرح سياسي إلى مشروع تنفيذي عملي.

في هذا السياق، تتعاظم التقديرات بأن أرض الصومال، التي تتعامل معها إسرائيل كإقليم منفصل يتمتع بسيادة دولانية، قد توافق على استيعاب سكان من قطاع غزة مقابل اعتراف إسرائيلي بها كدولة، لتصبح بذلك أول دولة تعترف بها رسميًا. ويأتي ذلك بالتوازي مع ما نُشر قبل نحو عام حول توصل إسرائيل إلى تفاهمات مع دول وأطراف ثالثة تقبل باستيعاب الفلسطينيين مقابل مبلغ يقدر بنحو تسعة آلاف دولار للفرد تدفعه إسرائيل.

 

تهجير غزة: "الإبادة الناعمة"

تبدو نوايا حكومة بنيامين نتنياهو بتهجير سكان قطاع غزة جدية، إلا أنها لا تقوم على تهجير عسكري مباشر أو فوري، بل على سياسة إبقاء الظروف الطاردة للحياة في القطاع، وهي ظروف لا تتوقف عند وقف الحرب. ما يُمارس فعليًا هو ما يمكن تسميته بـ"الإبادة الناعمة"، أي الإبقاء على واقع معيشي كارثي تتجلى عواقبه القاتلة في مواجهة العواصف، والأمطار، والبرد، ومنع إدخال الغذاء، والإيواء، والأدوية.

ويتمثل الجانب الآخر من هذه السياسة في التعنت الإسرائيلي إزاء فتح معبر رفح باتجاه واحد، يسمح بالخروج من غزة دون العودة إليها، وهو ما تصدت له مصر من خلال تمسكها بفتح المعبر بالاتجاهين، وتحت إشراف دولي وفلسطيني. إن تفاقم الأوضاع الإنسانية والمعيشية في القطاع يشكل عنصرًا أساسيًا في مساعي إسرائيل لإرجاء المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب، والرهان على عامل الوقت لدفع شرائح واسعة من الفلسطينيين إلى خيار الهجرة بوصفه ملاذًا للبقاء على قيد الحياة.

 

التوازنات الإقليمية والدولية

على الرغم من المخاطر الاستراتيجية المترتبة على هذه العلاقة والاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال وتبادل السفارات، فإن المسألة لم تُحسم بعد. فهي تشكل تهديدًا حقيقيًا ومباشرًا للأمن القومي العربي، وبصورة خاصة لكل من مصر والسودان والسعودية واليمن. وبناء عليه، ستُحال القضية إلى مجلس الأمن الدولي، ولا سيما في ضوء تعامل إسرائيل مع الإقليم بوصفه كيانًا انفصاليًا خارج السيادة الصومالية، رغم أن أرض الصومال تمثل ساحة أطماع دولية ومجالًا لانتشار عدد من القواعد والموانئ التابعة لدول مختلفة، بعضها في حالة صراع مباشر.

في هذا السياق، ترتبط كل من مصر وتركيا باتفاقات تعاون عسكري واسعة مع الصومال، حيث تحتضن الأخيرة أكبر قاعدة عسكرية تركية خارج الأراضي التركية، فضلًا عن أكبر سفارة تركية في العالم. كما تلتقي القاهرة وأنقرة في برامج تدريب وتأهيل الجيش الصومالي، والاستثمار في البنية التحتية العسكرية، وفي مسعى مشترك لدرء النفوذ الإثيوبي في القرن الإفريقي، الذي ترى فيه مصر تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.

في المقابل، تبدو السعودية معنية بالحد من النفوذ الإماراتي الذي يسعى إلى إقامة طوق يمتد من دعم قوات الدعم السريع في السودان، مرورًا بأرض الصومال، وصولًا إلى جزيرة سقطرى قبالة اليمن الجنوبي، في سياق دعم نزعات الانفصال، رغم أن اليمن الجنوبي يمتلك أطول حدود برية مع السعودية.

تشير تحليلات إسرائيلية وازنة إلى توجه يسعى إلى تتبع النفوذ الإماراتي وبناء المصالح الإسرائيلية وفق خارطة هذا النفوذ، بما قد يعمّق الحالة التصادمية مع كل من تركيا ومصر والسعودية. في المقابل، لا تتوافر مؤشرات على رغبة إماراتية في الدخول في صدام مع المحور المصري–السعودي–التركي. بل يدعو الموقف المصري إلى تعميق التفاهمات مع السعودية وتركيا والإمارات، وتوحيد الموقف العربي والإقليمي في مواجهة التحديات التي تفرضها إسرائيل على الأمن القومي الجماعي.

وبالتوازي، فإن النفوذ الإماراتي في إفريقيا لا ينفصل عن خارطة النفوذ الصيني العالمي، ولا سيما مشروع "الحزام والطريق" العملاق، الذي يهدف إلى ربط غالبية موانئ العالم ضمن بنية مسارات بحرية وتجارية تقوم على مبدأ العالم متعدد الأقطاب. وعليه، من غير المتوقع أن تتيح الصين لإسرائيل استغلال هذه البنية لأهداف عدوانية.

 

في الخلاصة

الهدف الحقيقي من الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال يتجاوز العلاقات الثنائية والدبلوماسية التقليدية، ليشكّل مسعى لإعادة هندسة النفوذ الإسرائيلي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وتطويق ما كان يُعرف سابقًا بالطوق العربي. ويرتبط ذلك بمخطط إضعاف مكانة قناة السويس لصالح مشروع القناة الإسرائيلية المخطط لها.

قد تنجح إسرائيل في هذا المخطط في حال استمرار وتصاعد التوترات الخليجية والعربية، ونجاحها في استغلال الخلافات السعودية–الإماراتية في ملفات اليمن والسودان والصومال. غير أن هذه المحاولات تُواجَه وتُحدّ من آثارها عبر المبادرة المصرية الرامية إلى التوافق وتفويت الفرصة أمام أي تهديد للأمن القومي العربي والإقليمي.

نظرًا لتشابك المصالح الإقليمية في الصومال، والاتفاقات الأمنية والعسكرية والاقتصادية الواسعة، ولا سيما المصرية والتركية، والمخاطر التي تترتب على سيطرة إسرائيلية على البحر الأحمر بالنسبة لمصر وقناة السويس، فضلًا عن تداخل المصالح الدولية، خاصة الصينية والأمريكية، وتعقيدات التركيبة السكانية والسياسية في أرض الصومال، فإن تفاؤل حكومة نتنياهو يبدو سابقًا لأوانه، والتوقعات قد تكون أكبر مما يتيحه الواقع.

تبرز ضرورة التعاطي الجدي مع النوايا الإسرائيلية لتهجير سكان قطاع غزة، ليس عبر وسائل حربية مباشرة أو دفعة واحدة، بل من خلال الإبقاء على حالة كارثية طاردة للحياة في القطاع. إن منع تحويل هذه النوايا إلى مشروع قابل للتنفيذ يتطلب جهودًا فلسطينية وعربية وإقليمية ودولية متضافرة.

إن الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب على غزة يمثل مسؤولية فلسطينية عليا، ويُعوّل على اجتماعات القاهرة الجارية لتجاوز الإشكاليات الفلسطينية المرتبطة باستحقاقات هذا الانتقال، بما يساهم في تفويت فرصة التهجير الناتج عن "الإبادة الناعمة" المتمثلة في عدم قابلية القطاع للحياة دون إعادة إعمار، ومساعدات، وحرية حركة عبر معبر رفح بالاتجاهين.

يتضح من الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال وجود توافق إسرائيلي–أمريكي الى حد واسع على خرائط النفوذ، في مقابل توجه عربي وإقليمي بالضغط على واشنطن، ونحو التوافق مع الصين على نظام عالمي متعدد الأقطاب، يهدف إلى الحيلولة دون احتكار واشنطن وتل أبيب لمناطق النفوذ على حساب المنطقة وثرواتها.

.

قد يهمّكم أيضا..
featured
أمير مخولأ
أمير مخول
·2026-01-13 07:57:20

ما وراء اعتراف إسرائيل بأرض الصومال

featured
جمال زقوتج
جمال زقوت
·2026-01-13 07:36:20

النظام الدولي يحتضر: غزة الشاهد والشهيد

featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة