خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

A+
A-
أحد شوارع مخيم الوحدات للاجئين الفلسطينيين في عمّان. والتُقطت الصورة في أيّار 1986.، من مجموعة الهلال الأحمر الفلسطيني

أحد شوارع مخيم الوحدات للاجئين الفلسطينيين في عمّان. والتُقطت الصورة في أيّار 1986.، من مجموعة الهلال الأحمر الفلسطيني

قصة قصيرة من أدب المخيم

هذه القصة ليست من الأمس ولا من العام القريب، بل من أوائل سبعينات القرن الماضي، حين كانت مخيمات عمّان الشرقية في الأردن ما تزال تنفخ دفأها في قلوب الذين سكنوها مجبرين. راويها وشخصيتها المحورية الفتى اليافع موسى، الطالب في مدرسة حسن البرقاوي الثانوية الثانية التي رُحّل اسمها لاحقا إلى بناء مدرسي آخر، أعظم مساحة ولكنّه أقلّ مهابة. ظل بناؤها صامدا تحت جامع "أبو درويش" في جبل الأشرفية، وأُعطي اسما آخر هو "محمد إقبال".

سكن مع أمّه وأخيه الأصغر في برّاكيّة من الصفيح مطلة على شارع الثلاثين الذي يصل منطقة وادي الرمم والكسّارات التي أخلت مكانها للعمائر والإسكانات بمخيم الوحدات، حيث لجأت أعداد كبيرة من الأسر بعد تهجيرها القسري من بلداتها وقراها في فلسطين عام 1948. وأُسْكِنت كلّ أسرة في وِحدة لا تزيد مساحتها عن مائة متر، وسُجِّل القادمون الجدد بصفة “لاجئين” في ملفّات وكالة الغوث الدولية. ومن جَمْع وِحدة، اشتق الناس اسم تجمعهم البشري "وِحدات".

شوارع المخيم ثلاثة متوازية، كلّها ضيّقة وشبه معبّدة: شارع النادي وشارع اللداوي وشارع المدارس الذي تغير اسمه لاحقا إلى شارع سميّة. ينفتح كلّ منها على شوارع فرعية ودخلات وأزقّة تتفاوت في ضيقها، وبالكاد يتسع أعرضها لمرور السيارات الصغيرة، والعربات، والدّوابّ التي تحمل المؤن وأثقال البيوت.

من أهم معالم المخيم، عبر تاريخه، نادي الوحدات ومطعم وكالة الغوث وعيادتها العامة ومدارسها ومركز توزيع المؤن الشهرية للاجئين الذي ربض سنين طويلة، قبل أنْ ينقرض، على زاوية طرفه الشمالي الشرقي بمحاذاة الشارع القادم من منطقة قيادة البادية صعودا إلى جبل الأشرفيّة. سنظل في السبعينات. فإلى المركز تتوجه الأسَر كل شهر لتستلم حصتها المقررة.

رحل الوالد، أبو يوسف، في أوائل آب 1970، وبعد شهر لحق به الأخ الأكبر، ففتحت البراكيّة وساكنوها أعينهم على أفق الانتظار، وأفواههم على  فزع الحاجة. كان لا بدّ لموسى أنْ يعمل إلى جانب الدراسة. وماذا يعمل؟ فكّر في مركز المؤن واستنبط الفكرة، يبتاع حمارا وينقل الطحين وملحقاته إلى بيوت اللاجئين في المخيم وخارجه. فقد عرف الدّواب منذ طفولته في مخيم عقبة جبر قبل أنْ يصير لاجئا بالإجبار إثر عدوان 1967 بعد أنْ حمل هذه السمة بالولادة. هناك الطرق ترابية، والحمير جزءٌ من حركة الحياة اليومية للناس فهي التي تنقل الطحين والماء والحطب والطوب والتراب الأحمر والحُوّر، وهي التي تجر سكة المحراث وتجوب القرى في بضائع الدوّاجين.

تعلّم كيف يقترب من الدابة دون أنْ تفزع، وكيف يشدّ الحِمْل فلا يميل، وكيف يقودها بلا عصا أو رسن ولجام. وكان استئجار الدواب لنقل المؤن (السندقة) إلى البيوت  ممارسة شهرية ينخرط فيها كثير من أهل المخيم. ومعرفة موسى القديمة بالتعامل مع الجِمال والبغال والحمير ميزة لم يحظ بها كثير من أقرانه.

من هنا قرّر أنْ يشتري حمارًا، ويبدأ عمله دون تأخير. لم يستشر أحدا. ومَن الأحد المهم في حياته ليطلب رأيه غير أم يوسف؟ لكنها لن توافق، فهي "بطلوع الروح" غضّت النظر عن عمله في تحميل وتنزيل الخضار والفواكه في السوق المركزي. أما أنْ يأتي بحمار، ويعود مغبّرا بالطحين قبل المدرسة فالبحر المالح لا يُصلح بينها وبينه.

خرج صبيحة اليوم التالي مع أبي إبراهيم، جارهم المنحدر من الريف بعد ماض من البداوة، سلكا زقاق أبي مخلوف، بائع الدجاج الحي والمنتوف، ثم هبطا شارع المدارس إلى القويسمة، حيث تمتد خيام العربان وخرابيش الغجر قرب سكة الحديد، فعندهم قد يجد ضالته.

أبواب الخيام وبيوت الشعر والخرابيش مُشرعة، وحولها تتجول الماعز والغنم والحمير. وفي أقرب خربوش إلى تَجمُّع الحمير، جلس شيخ غجري مسنّ، عيناه تقولان إنه طاف الدنيا ورأى ما يُقال وما لا يُقال. عيونه تتبعهم وغليونه ينفث نحوهم ما تيسر من سحُب دخانه.

تفحصّا الحمير، وقال أبو إبراهيم بخبرة منْ عايش الدواب سنين طويلة:

شوف اللي ظهره مستقيم… وما يخاف من العين… هذا اللي ينفعك.

أمامهم حمار أشهب هزيل، وآخر أبيض سريع الأنفاس، وثالث رماديّ عصبيّ. ثم رآه: حمار أسمر، ممتلئ الصدر، ثابت الوقفة، ساكن النظرة، مع خط غامق على الظهر كأنّه رُسم بفرشاة فنان.

الأسمر القوي. ما رأيك يا جار؟

ردّ أبو إبراهيم:

نعم هو ما ينفعك. كأنّ الليل مرّ عليه ولم يغادره كلّه.

اقترب موسى، مدّ يده إلى عنق الحمار، فما تحرك ولا ارتجف.

عاد إلى صديقه، وقال:

يلّا تحرك قبل ما يبتعد أبو سمرة عن المكان.

نظرا إلى الغجري، فوجداه قد غاب داخل خربوشه، فصاح أبو إبراهيم:

يا هنووو! يا جماعة! يا أهل البيت!

خرج الشيخ. فأشار موسى إلى الحمار.

بدنا نشتريه.

رد الشيخ:

الأسمر حقّه ثلاث ليرات.

قال أبو إبراهيم:

وحّد الله يا رجل. إحنا جماعة شرّايين… ما معنا غير ليرتين.

صمت الهبْر لحظة قصيرة، ثم نطق:

توكلوا على الله… ليرتين.

دفع موسى الثمن، ثم امتطى الحمار بلا لجام ولا رسن، وعادا به إلى المخيم.

مرّ أسبوع كامل وهو يعمل على حماره الأسمر. يقف مع أصحاب الدواب الآخرين في الساحة أمام مركز توزيع المؤن، وعيونه على الخارجين من المبنى يجرّون أكياس الطحين وملحقات الحصة الشهرية بمساعدة عامل مُعيّن لهذه الغاية. موسى يعرف وجوههم وتعبهم، ويعرف أنّ كيس الطحين وملحقاته ليس مجرد مؤن، بل استمرارٌ للحياة لشهر آخر في المخيم.

خرجت امرأة تمسك بطاقة المؤن الزرقاء بأسنانها، تسحب كيس الطحين بكلتا يديها والعامل يساعدها بالتوابع: كيس سكر صغير وكيس أرز وعدد من علب البولوبيف والسردين والكشكوان والمرغرين. 

هبّ موسى مساعدا إياها وجارّا الكيس نحو حماره. قالت:

يا ابني… توصّلّي هالمؤنات للبيت؟

أمسك رسن الحمار، وسأل:

وين ساكنة يا خالة؟

قالت، وقد التقطت أنفاسها:

 في نصّ شارع اللداوي… بعد مخيطة الحاج كامل بدخلتين.

هزّ رأسه وكأنه يقيس الطريق في ذهنه:

 تمام… هيك النقلِة بدها بريزة.

تنهدت، ثم نظرته وهي ترفع حاجبيها، ومعها كل دهاء اللاجئة التي تحافظ على كل قرش في صرّتها، وقالت:

لا، بريزة كثير… ما معي غير سبع قروش. يا بتقبل، يا بدوّر على غيرك. الساحة ملانة حمير.

ابتسم، وقال:

ماشي يا خالة… مرحبابك. وإذا مش متوفر… ادفعي الشهر الجاي.

فردّت وهي تهز رأسها وتبتسم بعينين توزعّهما التعب والرضا:

موجود من خير الله وخير الأجاوِيد… ما شاء الله عليك… الله يحفظك لميمتَك.

تناول الملحقات ووضعها في الخُرج، ثم انتخى أحد الشباب ووضعا معا كيس الطحين على ظهر الحمار. ربط الحِمل بإحكام، ثم سار وحماره خلف المرأة عبر شارع اللداوي والدخلات الفرعية وصولا إلى بيتها. انتهت المهمة. شرب طاسة ماء من الزير الملفوف بقطعة خيش مبلولة، قبض الأجرة، وقفل راجعا متأملا مزيدا من النقلات، فاليوم ما زال في بدايته.

ما إنْ وصل صيدلة يارد قرب موقف الحافلات حتى تقدّم نحوه رجل خمسيني، أوقف الحمار، وصاح بصوت مبحوح:

هذا حماري، فقدته منذ أسبوع، وها هو أمامي.

ارتبك الحمار بعد أنْ ميّز مالكه. حاول الاستدارة للهرب، لكنّ الرجل تشبث برسنه بقوة، فهدأ. لاحظ الشاب ذلك، فردّ بهدوء:

أنا اشتريته من القويسمة… ودفعت ثمنه ليرتين.

تفحصّ الرجل الشاب، وأعاد:

كما قلت لك، لقد اختفى منذ أسبوع.

كأنّ بينهما صدقا لا يحتاج قسمًا.

تابع موسى:

حسنا، نذهب إلى البائع ونرى. ما رأيك؟

وافق الرجل، وسارا يتوسطهما الحمار، حتى وصلا خربوش الغجري. ناداه الشاب، وقال:

 يا شيخ … اشتريت منك هذا الحمار قبل أسبوع ونقدتك ليرتين، وهذا الرجل يقول إنّه حماره. ردّ لي فلوسي وتفاهم معه.

تدخّل الرجل: نعم هو لي وجميع جيراني يشهدون بذلك.

هزّ الشيخ رأسه، جحَر موسى، وقال:

مزبوط. لكن مين حكى لك إني بعرف ولادي ميشان أعرف حميري؟

دسّ الشيخ يده في جيب ثوبه الداخلية، فخرجت بدينار ونصف، وأقسم: والله ما معي غيرهم.

تملكت موسى سوْرة غضب عارمة، فخسارة نصف دينار تعني خسارة يوم عمل. وراح يهدّد الغجري بأنه ما لم يتدبر أمره ويعيد الثمن كاملا فسيشكوه إلى مخفر الشرطة. أما الغجري، فاستمر في نفث دخان غليونه، ثم قال: لا أنكر حقك، بس ما معي. خليهم يشنقوني.

وهنا تدخل مالك الحمار. مدّ يده في جيبه وأخرج نصف دينار، دسّه في جيب قميص موسى، وقال:

والله إنك شاب رائع ومحترم. اقبل مني هذه المشاركة كأخ أكبر.

شكره الشاب واتفقا أنْ يعودا معا حتى البراكية ليُعيد البردعة والخُرج والرسن. وهكذا كان.

عرفتْ والدته القصة. لم تلمه، واكتفت بالتحذير: دير بالك المرة الجاي، مش كل مرة بتسلم الجرّة.

أما موسى فراح يتحدث بصمت: خسرتُ اليوم حمارا نبيلا، لكنني سأربح معركتي مع الحياة. غدا قبل شروق الشمس سأكون في القويسمة ... في سوق الحلال وأشتري حمارا قوياً. سأسرجه وأمضي، فأكياس الطحين في انتظاري.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين