لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

نبهني تعقيب على مقالتي الفائتة إلى حقيقة مرة، تصرخ كم هي رثة ومهلهلة معرفة كل فئات وطبقات شعبنا، سياسييهِ، مثقفيه، مفكريه..الخ  بتاريخ قضيتنا الوطنية، خاصة بتلك المفاصل بالغة الأهمية منه، كالعقد الممتد ما بين العامين 1937 و1947 الذي شهد حركة قدوم وذهاب لجان التقصي والتحقيق، وتتالت عنها مشاريع وقرارات التقسيم - خمسة مشاريع وقرار واحد هو القرار 181-. هذا العقد الذي تم محوه من الذاكرة العامة، وبدا وكأنه بكل مجرياته رجس من عمل الشيطان، يأثم المرء لمجرد النطق باسم القرار الفاصل فيه.

إشكالية الرثاثة والهلهلة تجلت في السياسات التي بنيت عليها. في مناهج النضال التي اشتقت من هذه السياسات، أدواته، أساليبه ووسائله، والنتائج السلبية التي ترتبت عليها منذ ذلك الحين وحتى الآن.

هنا اسمحوا لي لمس حدثين على صلة بِهلهلة المعرفة هذه.

في العام 75، وكنت أقضي فترات اعتقال إداري متجدد في سجن الخليل، هالني ما رأيت من نوع وحجم الغثاء الثقافي المعرفي الذي كان يتم حشوه في رؤوس أعضاء التنظيمات. آنذاك، وبالرغم من أنني كنت شابا غض المعرفة والتجربة، دفعني ما رأيت كي أطلق حكما قلت فيه: إذا انتصرت هذه الثورة فكل تاريخ الثورات وتجاربه التي قرأناها ليست غير كذب في كذب وغير خطأ في خطأ. أقلقني حكمي هذا آنذاك وفيما بعد. بدا لي وكأنني بدأت السير في طريق التغريد خارج الأسراب كلها، لا خارج سرب بعينه. لماذا؟ لأن المعتقلات كانت قد حازت على توصيف جامعات الثورة، وكان أمل كبير قد علق عليها.

مضت عقود، والمعرفة تزداد هلهلة وغرقا في السطحية والضحالة. زاد الطين بللا هذا البلاء الذي عم مناهجنا المدرسية والجامعية، والذي أقل ما يقال فيه عداؤه العنيد للمعرفة. 

في حفل صغير لإطلاق الجزء الثاني من كتابي: " إطلالة على القضية الفلسطينية "، سئلت من قبل أصدقاء المركز الفلسطيني لقضايا السلام والديمقراطية، راعي ومصدر الكتاب، عن رؤيتي لحال القضية في العام القادم 2010، مقارنة بما هي عليه في العام الحالي؟  أجبت مؤكدا أنها لن تكون أفضل، بل وربما تكون أسوأ. وأضفت: وسيكون العام 2010 أفضل من العام 2015، وهذا من العام 2020. احتج بعض الحاضرين بأنني أُحبطهم. رددت: قناعتي أن الحقيقة تُقوي المناضل ولا تحبطه. وأضفت: الإصرار على ذات السياسات كما هو حاصل الآن، ويستمر في المستقبل، تطبيق ذات المناهج، تكرار استخدام ذات الأدوات، الوسائل والأساليب التي أتت بنتائج سلبية في الماضي، لا يحتمل، بل ومن غير الممكن أن تأتي بنتائج إيجابية لمجرد التكرار. حينها لم يدر في خلدي أن يكون حالنا على ما هو عليه الآن، وبما ينذر بِحدوث ما هو أشد سوءا بمراحل من نكبة العام 48. لماذا؟

لأن القيادات، كما قلت في مقال فائت، تكرر اعتماد ذات السياسات التي أفضت لتلك النكبة. كيف؟

في البحث عن الإجابة اسمحوا لي عرض بعض الإضاءات التي يجري إغفالها عمدا عن تلك الفترة التي قد تبدو بعيدة، وتقضي المصلحة - مصلحة من؟ -  أن يطويها النسيان.

1- في العام 46، وبعد جلسات عديدة ومديدة، وصدور أحكام قاسية عن محكمة نورنبرغ لجرائم الحرب، أصدر الحلفاء عفوا شمل الحاج أمين الحسيني، رئيس الهيئة العربية العليا، الذي كان قد نجح بالإفلات من قبضة تلك المحكمة والوصول لمصر والاختباء فيها. بريطانيا من جانبها أصدرت عفوا مماثلا عن القيادات الفلسطينية واليهودية المعتقلة والمطلوبة لمحاكمها، وسمحت لها بالعودة لفلسطين، ومباشرة عملها القيادي منها. رفض الحاج أمين وأغلبية القيادة الفلسطينية العفو البريطاني بدعوى أنه مهين للكرامة. وكان أن قبل ثلاثة من أعضائها بالعودة من أصل 13 عضوا، بينهم نائبه مسؤول الخارجية جمال الحسيني، بينما عاد كل القادة اليهود، وعلى رأسهم إسحق شامير. الحاج أمين وباقي القيادة أداروا الحرب الفلسطينية - الصهيونية التي اندلعت نهاية العام 47 واستمرت حتى 15/5/48 من منفاهم الاختياري ذاك، وبشبه انعدام لِوسائل الاتصال مع قيادة جيش الجهاد المقدس الذي جرى تشكيله للتو واللحظة، خاليا من أي صفة لِجيش سيباشر حرب وجود. النتيجة جاءت في صورة تطهير عرقي ناجز للجزء المخصص لليهود من قرار التقسيم 181.

2 - في الفترة ما بين العامين 37 و47 ظهرت خمسة مشاريع للتقسيم: بيل العام 37، موريسون - غريدي، أو الأنجلو-أميركي العام 47، مشروع التقسيم 181 في 29/11/47، مشروع أميركي العام 48، ومشروع الكونت برنادوت العام 48 أيضا. العارف قليلا بالجغرافيا، والناظر بإمعان في خرائط المشروعات الخمسة، ستصدمه حقيقة أن الموقع والمساحة المقترحة للدولة اليهودية غير مؤهلة لإنجاز أي من المهمات التي قيل بأن الاستعمار البريطاني أصدر وعد بلفور ورعى نشوء الوطن القومي اليهودي في فلسطين من أجل الوفاء بها. الدولة المقترحة كانت ستعجز حتما عن توفير حماية لقناة السويس، وعن تشكيل فاصل بري بين إفريقيا وآسيا العربيتين، وعن إغلاق الطريق من وإلى مصر. يضاف لذلك أن النقب الجنوبي الواقع في الحصة اليهودية من القرار 181 بقيَ معدوم صلاحية العبور من وإلى سيناء في الحاضر كما كان في الماضي. ذلك غير أن خريطة 181 شملت مضيقين في الشمال والجنوب، تشكل عقد عبور بين أجزاء الدولتين الفلسطينية واليهودية، وتفرضان حالة من السلام وعلاقات الجوار الحسنة بينهما لضمان سيولة الحركة وديمومتها بين أجزاء الدولتين. كل ذلك غير ضمانات حسن الجوار التي كانت مؤسسات الأمم المتحدة المختلفة تعكف على وضعها وإنجازها.

3- المقاطعة الفلسطينية لِلجان التقصي والتحقيق مكنت القيادة الصهيونية من الإنفراد بالزن على آذان أعضاء تلك اللجان. كان من نتيجة ذلك أن تقدمت الوكالة اليهودية بمقترح تقسيم العام 46 للجنة موريسون - غريدي الأنجلو - أميركية، تحوز بموجبه على معظم فلسطين. اللجنة رفضته. ثم كان أن تقدمت للأنسكوب بخارطة للدولة اليهودية تعود للعام 1919، تضم كامل فلسطين، كامل جنوب لبنان بدءا من شمال صيدا، جنوب غرب سوريا، كل المرتفعات الغربية للأردن، وبخط حدود متعرج يبدأ من غرب الرمثا، يمر بين عمان والسلط وينتهي شرق العقبة. اللجنة رفضته أيضا. ولكنها، في غياب الفلسطينيين، وافقت على ضم النقب الجنوبي غير المسكون، كاحتياطي بعد إعماره، لإسكان المهاجرين الذين تعجز أرض الدولة اليهودية المقترحة عن استيعابهم.

4 - ونصل إلى تركيبة جزئي القرار للدولتين اليهودية والفلسطينية. ونبدأ بالتذكير أن الشرعية الدولية تقر حق عنصر، إثنية، طائفة، بالاستقلال حال أن شكلت أغلبية في المنطقة التي تطالب باستقلالها. هذا المعيار شكل العامل الأساس لكافة مشاريع التقسيم، خصوصا القرار 181، وهو المعيار الذي يجري تغييبه من جانبنا وعن عمد في أية مطالعة لقضيتنا الوطنية. تقول المحفوظة التي دأبنا على ترديدها أن أبلغ وأوضح مظاهر الظلم الذي لحق بنا جراء قرار التقسيم، تمثلت في النسب التي أسفر عنها القرار، وهي 54 % لليهود الذين يشكلون 33 % من عموم السكان، ويملكون 7 % من كامل أرض فلسطين، 44 % لأهلها الفلسطينيين، 66% من السكان ويملكون 93 % من الأرض. و2% إدارة دولية لمنطقة القدس.

تبين أية قراءة متأنية وفاحصة أن التجريد للأرقام السالفة مقصود لذاته، كونه ينطوي على مغالطات كبيرة، ناهيك عن النوايا غير السوية في الركِ عليها. الأرقام تخفي حقيقة أن الجغرافيا والبيئة الفلسطينية تقول غير ذلك. ذلك أن جنوب فلسطين يتشكل من صحراء النقب غير الصالحة للاستثمار بالزراعة وغيرها، وتشكل ثلث مساحة فلسطين تقريبا. التقسيم ضم ثلثها الشمالي بِمضارب البدو المنتشرة فيه وحاضرته بئر السبع، وهو الجزء سهل الاستصلاحِ والاستثمار، للدولة الفلسطينية، فيما ضم الباقي للدولة اليهودية كما سبق وأشرنا. تتشكل الحصة اليهودية من الغور الشمالي والجليل الشرقي، ومن السهل الساحلي الممتد من جنوب عكا إلى شمال أسدود، وبنسبة 30 % من مساحة فلسطين الكلية، و40% من فلسطين الصالحة للزراعة والاستثمار. في هذا الجزء يعيش 510 آلاف يهودي يملكون 1800 كم2 من الأرض، أو قرابة ربع مساحته الكلية، والغالبية العظمى من المصانع والمؤسسات الإنتاجية الأخرى. وهم يتوزعون على أكثر من 300 مستوطنة ومدينة، كما بأغلبية في عدد من المدن المختلطة. باقي الجزء اليهودي يتكون من النقب الجنوبي بنسبة 24 % من كامل فلسطين، وهو غير مسكون حتى يومنا هذا. الجزء الفلسطيني يتشكل من 44% من كامل فلسطين، وأكثر قليلا من 60% من المنطقة القابلة للزراعة والاستثمار، أو بما يزيد مرة وثلث المرة من المساحة المماثلة للدولة اليهودية. يعيش فيها أكثر من سبعمائة ألف فلسطيني وعشرة آلاف يهودي. وذلك بالإضافة لجيب مدينة يافا ميناء فلسطينيا خالصا.

أخيرا منطقة القدس والإدارة الدولية بنسبة 2% من مساحة فلسطين، أي 540 كم2. يعيش في هذا الجزء 105 آلاف يهودي و85 ألف فلسطيني. ويضم الجزء الفلسطيني منها بالإضافة للقدس الشرقية، مدن بيت لحم، بيت جالا وبيت ساحور، وقرى عين كارم، دير ياسين، لفتا، شعفاط، العيساوية، الطور، العيزرية، أبو ديس، سلوان، المكبر، صور باهر، بيت صفافا، شرفات، والمالحة، ومن المستوطنات رامات راحيل وتجمع موتسا إضافة للقدس الغربية.

5- ولأن المقال طال، سأكتفي الآن بهذا القدر اليسير من الإضاءات، وأنتقل إلى سؤال مفصلي طالما أرقنا، وتجاهلنا الإجابة عليه، وإن حافظنا على الطنطنة في حال أن حدث حادث. نعرف أن الدول الدول تقيم سفاراتها في العاصمة. ونعرف أن إسرائيل، بالرغم من احتلالها القدس في العام 48، اتخذت من تل أبيب عاصمة لها. وفيها أقامت الدول المعترفة سفاراتها. في العام 1980 نقلت إسرائيل العاصمة إلى القدس، وعلى غير العادة بقيت السفارات في تل أبيب. حتى الولايات المتحدة، وبالرغم من استصدار قرارات من الكونغرس بنقل سفارتها للقدس، ماطلت في تنفيذ تلك القرارات وحتى مجيء إدارة ترامب الأولى. في رأيكم لماذا حدث ويحدث ذلك ؟

قد يهمّكم أيضا..
featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين

featured

السخرية الاجتماعية بين الجاحظ وفولتير

featured
د. خليل اندراوسد
د. خليل اندراوس
·2026-01-09 12:38:47

سياسات غطرسة القوة – الصهيو إمبريالية –

featured
مينا علاء الدينم
مينا علاء الدين
·2026-01-09 12:36:35

رحيلٌ يحمّلنا مسؤولية كبيرة لإكمال المسيرة