مفهوم آخر للسياسة

single

حين وصف أرسطو الإنسان بأنه حيوان سياسي لم يكن يعني المفهوم المتداول للسياسة في زماننا، حيث يختزل السياسة كلها إلى حِرفة أو سلسلة من الصفقات والمكائد.
وما تعرض للاختزال والتسطيح في زمننا ليس السياسة فقط، بل المعرفة كلها وبمختلف حقولها، بحيث أصبحنا نطلق على المتعلم صفة المثقف، رغم أن التعليم هو الطريق إلى الثقافة وليس الثقافة ذاتها.
إن مصطلح السياسة مشتق أصلًا من الرعاية والقيادة بمعناها الاستراتيجي، والسياسة علم يراد به تطوير المجتمعات، وصياغة عقود اجتماعية تؤطر العلاقة بين الحاكم والمحكوم، لذلك هناك من يوصفون بأنهم ساسة وهم في الحقيقة ليسوا كذلك، لأنهم يشتبكون في قضايا إجرائية، أو ما يسمى في معجم مصطلحات السياسة التكتيك.
فالعالم والمثقف والفنان ليسوا خارج جاذبية السياسة ومداراتها، لكن على طريقتهم، ما داموا يحلمون بالتغيير وتحسين شروط إقامة الإنسان في هذا العالم. وحين قال أرنست همنغواي ساخرًا ممن يتحدثون عن الأدب الخالص بأنهم يقدمون للناس وجبات من الملح والسكر، لم يكن بعيدًا عن السياسة، رغم أنه لم يكتب فيها على نحو مباشر، لكن ما شاهده من كوارث الحرب العالمية دفعه إلى الاحتجاج على الحروب بأسلوب روائي. حتى الفرد نوبل، الذي اعتذر عن اكتشافه للبارود بجائزة سلام تحمل اسمه، أدرك قبل رحيله بأن للعلم بعدًا أخلاقيًا إذا نزع منه يصبح مضادًا للبشر، وبالفعل هناك من سَخّروا التكنولوجيا لتطوير أدوات تعذيب ومطاردات، ولم تسلم مجالات اقتصادية عدة من القرصنة التي توظف العلم لأهدافها!
إن مفهوم السياسة أوسع وأعمق من هذا الاختزال الذي يحشرها في نطاق منهي، أو التعامل مع السياسة باعتبارها المرادف للخداع والكذب.
وبعيدًا عن تعاليم برجمانوس الذي تنسب البرغماتية إليه، وعن ميكافيللي ووصاياه، فإن السياسة تبقى علمًا مكرسًا للتطوير والارتقاء بالمجتمعات إلى مستوى من التعايش والتناغم تحرسه القوانين، وتضبط إيقاعاته ثقافة الدولة وليس ما قبلها!
قد يهمّكم أيضا..
featured

البوصلة وصمام الأمان

featured

عرس الدم ونادية تستصرخ نخوة المعتصم

featured

المفاجأة المفتعلة في مستنقع التجنيد

featured

حتى لا تتكرّر الجريمة بحق الشعوب والانسانية!

featured

ظاهرة داعش والقانون الدولي

featured

هل السّعادة ممكنة

featured

السياسة الأمريكية في جنوب آسيا بين الاستعداء والاستجداء

featured

بوبي بوبي.. لقد وصلت النهاية