هناك، في حيّ الشيخ جراحّ، في مدينة القدس- مأساة كبيرة، تدمي القلب كما يدمي الكرز الناضج، وتذهل العقل وتجعل المرء يقف حائرا لا يدري ما يفعل وهو يشاهد عدة عائلات فلسطينية مطرودة من بيوتها تفترش الرصيف الضيقّ وتلتحف السماء.
هناك في شارع صغير اسمه شارع ابن جبير في المدينة المقدسة، في حي الشيخ جراح العربي الفلسطيني تعيش عائلة غاوي على رصيف الشارع بعد أن طردتها قوات الأمن الاسرائيلية من بيوتها بقرار من محكمة العدل الاسرائيلية.
هناك في بيت عائلة غاوي، حيث ولد رب العائلة واولاده وأحفاده استوطن يهود متدينون متزمتون متطرفون قدموا من نيويورك يحملون الكراهية والحقد والعنف في نفوسهم وفي قلوبهم.. شبان شقر صغار يتناوبون على استيطان البيت، يدخلون اليه بصلف وتحدّ، ويخرجون منه بوقاحة وتحدّ، والامن الاسرائيلي، ووزير الامن، وجهاز الامن، وقوات الامن تحرسهم من الذين يفترشون الرصيف ويلتحفون السماء!!
هناك بيت لعائلة غاوي. فيه عدة شقق صغيرة، يسكن فيها ابناء العائلة. فيها ولدوا، وفيها تزوجوا، وفيها انجبوا الاطفال، وفيها عرفوا الدفء وعرفوا الاحلام، وفيها اكلوا وشربوا وناموا وقاموا..فيها اسرار وفيها اخبار.
واليوم يسكن فيها صببة صغار، جيء بهم من بلاد برّه، بعد ان غسلوا ادمغتهم وغرسوا كراهية الآخر في قلوبهم واكبادهم.
هناك، على الرصيف، يفترش ابناء عائلة غاوي الزفت الاسود بعد أن حولتهم حكومة اسرائيل لاجئين للمرة الثانية.
هناك في العام 1948،عام النكبة، طردت القوات الصهيونية جدّهم من قريته وهدمت بيته، وحولته لاجئا، لا يملك سوى ملابسه التي تستر جسده.. وهاهي اليوم تعود وتطرد ابناءه واحفاده من البيت الذي اشتراه قبل سبعة وخمسين عاما وتهب البيت السليب للمستوطنين.
هناك في الشيخ جراح، في شارع الرحالة العربي الاندلسي ابن جبير وفي شارع الخليفة الراشدي الثالث،عثمان بن عفان، يطردون العائلات العربية الفلسطينية الى الشارع، الى الرصيف، ويهبون بيوتها للمستوطنين.
هناك تجري بوتيرة سريعة عملية تهويد المدينة. فحكومات اسرائيل منذ اشكول حتى نتنياهو تعمل ليل نهار على تهويد المدينة والاستيلاء على الاراض والبيوت وطرد السكان الاصليين.
هناك يعملون على قبر حلم الدولة الفلسطينية
يطردون ويستولون
يحفرون ويقبرون
والبيت الابيض يحتج.والاتحاد الاوروبي يحتج. ورام الله تحتج.وعمّان تحتج.وبائع الخيار والبندورة "واللي على بالو" يحتج..وستّي بيكة تحتج...
واسرائيل تصادر الارض والبيوت وتطرد العرب الفلسطينيين منها.
يطردون ونحتج.
يصادرون ونحتج.
يبنون على ارضنا ونحتج.
ولا يسمعون ونحتج..
هناك، في حي الشيخ جراح، في شارع ابن جبير وفي شارع عثمان بن عفان يقبرون السلام....
ويغرسون الكراهية..
هناك مأساة.. هناك جريمة
فماذا تفعلون؟
والزمن دوار...
