أكتب رسالتي هذه موجهة لكل المسؤولين وغير المسؤولين، مسيحيين ومسلمين فلسطينيين خاصة والعرب عامة ولا استثني اليونانيين.
أكتبها بعد شهرين تقريبا على كشف الفضيحة الجديدة والمتمثلة بإبرام غبطة البطريرك ثيوفيلوس صفقة جديدة مع جهات إسرائيلية يتم بموجبها تسريب حوالي 71 دونما من اراضي الأوقاف الأرثوذكسية في أحد أهم المواقع في القدس العربية، على الطريق الواصل بين القدس وبيت لحم المقدستين، مقابل "حفنة عدس" كما قال المخمن.
تنص الاتفاقية بوضوح ان حصة البطريركية من الصفقة المذكورة، صفقة تلبيوت الجديدة، هو 100 وحدة سكنية فقط، في مساحة 12000 متر مربع، من أصل 85000 متر مربع على الأقل يمكن بناؤه هناك، على ان يبنى على ما تبقى أكثر من 700 وحدة سكنية فاخرة بالإضافة الى فندق ومرافق تجارية أخرى. والمثير في الأمر ان غبطته وقع على اتفاقية كتبت باللغة العبرية وهو لا يفقه بها أكثر من كلمة واحدة.
ويتضح من بروتوكولات المحكمة الإسرائيلية، أن أعضاء المجمع المقدس، الذين يفترض ان يكونوا مؤتمنين على الأوقاف ويتطلب البيع او التأجير طويل الأمد معرفتهم التفصيلية وموافقتهم التامة، لا يعرفون عن الصفقة إلا بعد توقيعها. وهذا الكلام يتناقض مع ما صرح به المطران ايسيخيوس في المحكمة ذاتها ومفاده ان المجمع وافق على الصفقة يوم 17.11.08 اي قبل التوقيع عليها وقبل إقامة الشركة التي وقع ممثلوها على الصفقة بحوالي خمسة أشهر، الأمر الذي يثير التساؤل الكبير حول ماهية الأمانة التي يحملها أصحاب القداسة هؤلاء!
يدعي المروجون للصفقة المذكورة أنها جاءت لاستعادة الأرض من شركة "بارا" التي أبرمت صفقة مشؤومة أخرى مع البطريرك السابق والمعزول ايرينيوس. ولكنهم يعترفون، ويجاهرون أنهم عندما وقعوا الصفقة مع شركة تلبوت الجديدة يوم 28.4.09 لم يكونوا على علم بالصفقة التي ابرمها ايرنيوس في نهاية العام 2007. فهل يكذبون أم يتشاطرون؟
يدعى مروجو الصفقة ايضا ، ان الأرض تقع في منطقة ال 48 وكأن الصفقات في منطقة ال 48 شرعية؟! والحقيقة ان الغالبية العظمى لهذه القطعة تقع في المنطقة المحتلة عام 1967 ويشهد على ذلك تقرير مركز الخرائط الإسرائيلي وتقرير مركز الخرائط الفلسطيني لدى السيد خليل توفكجي. ويضيف مروجو الصفقة كذبا، أن القطعة المذكورة "مصادرة" وأن الصفقة تهدف الى "استعادة" الأرض المصادرة. قد يستطيعون إقناع المغفلين فقط ولكنهم نسوا ان الفلسطيني قد تمرس في معارك المصادرة ويفهم الفارق بينها وبين ترسيمها على ايدي بلدية الاحتلال كمنطقة خضراء، ونسوا اننا شعب لا ينسى وقادر ان يستعيد ذاكرته وأرشيفه ليؤكد ان سيناريو التهديد الإسرائيلي بالمصادرة أو تحويلها الى منطقة خضراء، والترويج له من قبل السماسرة والمنتفعين والمستشارين بهدف تركيع البطريرك أو لتبرير الصفقات أمام الناس، قد مررنا به أول مرة عام 1951 وتكرر لاحقا مرات عديدة نعرف تفاصيلها اعتمادا على الوثائق الكثيرة المتوفرة لدينا. وللأسف، هذا هو السيناريو المعمول به اليوم وإن اختلف اللاعبون او المستفيدون.وليس من هدف لهذه الكذبة إلا تبييض الصفقة.
ويقول د. منذر حدادين في صحيفة الرأي الأردنية : "من المعروف ان أي شركة عربية لا تستطيع الحصول على التراخيص من بلدية القدس وأنه فقط شركات اسرائيلية وشخصيات متنفذة تستطيع ذلك وبالتالي لم يكن أمام البطريرك أي حيلة لاستثمار الأرض الا عن طريق شركة اسرائيلية." وهذا اخطر التبريرات المعمول بها، إذا كان الأمر كذلك فلماذا نقدم كل القدس والضفة الغربية لشركات استثمار إسرائيلية لإنقاذها من المستوطنين؟ فهل هذه هي العبرة المرسلة إلى الفلسطيني المكافح ضد الاحتلال؟ لكن وقبل كل شىء يجب ان نسأل: ماذا فعل الطاقم القانوني "العبقري" المحيط بغبطته لتحويل الأرض من منطقة خضراء إلى منطقة سكنية قبل اللجوء إلى المستثمر اليهودي؟ هل حاول وفشل؟ هل استنفد التوجه الى المؤسسات القضائية الإسرائيلية؟ وهل يعلم انه قادر على التوجه بعد ذلك الى الهيئات الدولية باعتبار ان الأرض وقفية وانها تقع في المناطق المحتلة؟
صحيح أن الإتفاقية لا تتحدث عما سيجري بعد 99 عاما ولكن هذا لا يعني أبدا أن تعاد الأرض وما عليها، كما يدعي خليل اندراوس أحد ممثلي البطريرك، إلى الكنيسة، ذلك لأن البند الأخير في الإتفاقية يحدد ‘ن القانون الإسرائيلي والمؤسسات القضائية الإسرائيلية هي وحدها التي تحكم بأي خلاف مستقبلي بين الطرفين، معنى ذلك ان مستقبل هذه الأرض، بعد انتهاء المدة، سيحكمه القانون الإسرائيلي. وإذا أخذنا بالاعتبار أن أكثر من 80% من الإسرائيليين يعيشون في شقق استأجروا أرضها من الدولة لمدة 49 أو 99 سنة، وأخذنا بالإعتبار ما جاء على لسان محامي البطريرك (رامي المغربي) أمام اللجنة الوزارية وبحضور البطريرك ثيوفيلوس نفسه، عشية الاعتراف به، بأن "البطريرك مخلص للدولة ذات السيادة"، وانه "مستعد ان يجري صفقات ارض مع الدولة" وحين يسأل الوزير باراون غبطته: " بموجب أي قانون تعمل البطريركية في القدس؟ يجيب غبطته: "ان البطريكية تعمل بموجب القانون الإسرائيلي"، وليس القانون الأردني، بالرغم من أنها تقع في منطقة محتلة، بعد كل هذه الاعتبارات بات من السهل ‘ن نفهم ما هو مصير هذه الأرض بعد 99 سنة. هذا أمر في غاية الأهمية ومن الضروري فهمه بنظرة مستقبلية لتطور قانون الأراضي في إسرائيل باتجاة تسجيل الأراضي المسكونة تسجيلا كاملا في الطابو باسم أصحاب الشقق.
ما أنوي تأكيده هنا ‘نه إذا ما نجحت ادعاءات او تبريرات مثل التي يسوقونها مستشارو ومحامو غبطته في أعطاء الشرعية لهذه الصفقة فلن يتردد احد منهم في تسويق أرض دير مار الياس جميعها وتكون الصفقة القادمة هي الصفقة الأخيرة التي تنهي أي إمكانية لتطور القدس العربية وتكون الطريق الموصل بين بيت لحم والقدس ، لأول مرة في التاريخ، قد قطعت ولأجل غير محدود.
إن الأخطار المترتبة على هذه الصفقة لا تنحصر بمجرد تأجير الأرض لمدة 99 سنة، لأن غبطته يستطيع الإدعاء دائما ان الأرض وجدت للاستثمار ، ولكن الأخطار الحقيقية تكمن في التالي:
يجري التصرف بالأوقاف وكأنها سلعة مسروقة، تباع وتؤجر بسعر الفجل "..
إن استثمار الأرض من قبل شركة يهودية وإعطاءها حق بيع الشقق لمن تريد بل وإعطاءها حق تحويل الأرض الى بنوك وشركات أخرى ممولة ( طبعا يهودية) يعني ان الساكنين المستقبليين لهذه الأرض هم من اليهود، وكذلك الإستفادة والسيادة
أما موقع الأرض فيعني قطع التواصل، كما ذكر سابقا، بين القدس وبيت لحم خاصة، وجنوب الضفة عامة، ولهذا العمل أبعاد دينية مسيحية وإسلامية بالإضافة الى الأبعاد السياسية.
هذه هي الحقائق أمامكم ايها المسيحيون وايها الوطنيون وامام الدولة الأردنية والسلطة الفلسطينية والحكومة اليونانية ايضا التي وقع ممثلها، القنصل اليوناني العام في القدس، تاريخيا كشاهد على عدد من الصفقات مع الجهات الإسرائيلية وأولها صفقة الطالبية عام 1951.
هذه هي المخاطر وهذه هي المسؤوليه التاريخية ومنكم ننتظر الجواب قولا وعملا.
*الكاتب هو عضو اللجنة التنفيذية للمؤتمر الأرثوذكسي في مناطق ال 48
