يا لحزني وفجيعتي بهذا الإنسان، الإنسان البطل. يا لدهشتي كيف كان أمامي طوال الوقت وأنا احضر لكتابة ما كتب ما قبل أسبوع عن أبي عدنان محمود الصفدي. لا تذكر احدهما إلّا وتذكّرت الثاني. ربما لأنني تعرّفت عليهما في الوقت ذاته في أوائل السبعينات.. وكنت كلّما كلما طويت ورقة من ذلك الملف الذي أسميته "السوريون" أفتش عن عبق أبي عدنان اصطدم بعطر أبي عزت ومن ثم أبي يوسف- شكيب أبو جبل. فقد كان قد إستشهد عزت وبقي يوسف- الدون الهاديء كما كنت القبة.. والحي أبقى من الميت.. لكن هيهات أن يموت عزت أو يموت شكيب! الشهداء يعودون، يعيشون بيننا يلهموننا وهم أفضل منّا حتمًا.
قبل سنتين زرته في الجرمانة بسوريا/ الوطن الأم، أثناء تواجدي بمناسبة حفل الأربعين على وفاة قريبي العزيز أبي العبد- خالد الفاهوم. ذهبت للجرمانة مع إبن أخي مروان..قلت في نفسي: لا يعقل أن أكون في هذا القطر دون أن أراه... شكيب ما زال شكيبًا حتى بعد مرور نيف وعشرين سنة على إخلاء سبيله من السجون الإسرائيلية وهو المحكوم 315 سنة.. وهل رأيتم رجلًا تجاوز الثمانين يتّقد حماسًا كإبن العشرين بعبينيه الصقرييتين؟ وهل رأيتم شعلة نار آدمية متحركة؟
غادرته بصعوبة.. أخلى سبيلي بمشقة.. بعد عناق طويل... وبعد أن أهداني كتابه "مذكرات أسير عربي في سجون الإحتلال الصهيوني" وزجاجتي عطر عراقي!
شكيب هو شكيب ذلك الفنان المقاتل. ملأني وغمرني بكل ما هو إنساني.
شكيب هو شكيب ما غيّر وما بدّل.. ولم يحد عن حب الوطن الأم، ولم يبخل بشيئ.. لا بنفسه ولا بفلذة كبده ولا بماله.
آه يا أيها الفنان المقاتل بقلم الرصاص وبالفرشاة وبقلم التوش وبالرصاص، أحببتك لأنني "أحب قدس الأقداس وسنابل القمح في مرج إبن عامر، ونوارس البحر تحلق فوق قمة الكرمل وقاهرة نابليون- عكا وعروس الجليل- الناصرة.. وآثار عتليت ومجدو..." تمامًا كما أحب "قاسيون والبتراء والمدائن المعلّقة".. تمامًا كما أحب "الحق وأكره الظلم" و... كما كتبت لي في إهداء تلك المذكرات.
أحبك كما أحب هذه الأرض وتلك الأماكن فأنت من تراب وأنا من تراب هذا الوطن جبلنا معا يا شكيب أبو جبل! يا أيها الترابي.
من رحم هذه الأرض أتينا وإليها نعود. تيًا لهذا القدر الذي جعلني أرثيك، لكن هو الفرح آت.. لا ريب فيه، الفرح القادم آتٍ ولا بد لليل أن ينجلي "ولا بد للقيد أن ينكسر"! والنسر يحلق عاليًا عاليّا في السماء السابعة!
