بات "شعار التغيير" في عصرنا الحاضر والمضطرب، أشبه بموضة تُلبس كيفما تشاء، ويتردد صداها مع كل نسمة وموجة وانفعال في خضم أي حراك سياسي وانتخابي يجري في مجتمعنا العربي الصغير والعربي الشرق أوسطي.
يتجمع دعاة التغيير لرفع الشعار أحيانا كثيرة ليس في مكانه وتوقيته، وليس لتحقيقه على ارض الواقع. يعلو صوت التغيير والمطالبة بالتغيير ويشتد صداه إلى ان يصبح مطلب "الجماهير" فقط عندما تكون الجبهة والحزب الشيوعي في رأس سُلم الكفاح والنضال أو في رأس وإدارة سلطة محلية أو بلدية. فالحاقدون يستهدفون من طرح شعار التغيير اخفاء حقيقة الأمر، ونواياهم السياسية بمحاولاتهم إقصاء وتغييب الطرح السياسي والوطني والعقلاني والحكيم وتغييب الدور القيادي والطلائعي للحزب والجبهة في تبوء مركز قيادي في مؤسسة أو بلدية أو سلطة محلية من مجموع قيادة الكفاح السياسي والجماهيري والبرلماني للجماهير العربية في إسرائيل.
يعتب علينا نفر هنا وهناك، ان لكم في قيادة البلدية أو السلطة المحلية ربع قرن، ألم يحن الوقت للتغيير (يقصد الجانب الشخصي والإطار السياسي الجبهوي) وهل البلدية أو السلطة المحلية حكر عليكم وحدكم دون غيركم. من المؤسف ان هذا الطرح السطحي الهامشي والسخيف في آن واحد، ما هو الا تجنٍّ وتغييب للحقيقة وتهميش لدور الشيوعيين والجبهويين والوطنيين الصادقين وتضحياتهم الجمة في صيانة وتعزيز الكرامة الوطنية وتحقيق أغلى واكبر الانجازات اليومية لجماهيرنا في هذا البلد أو ذاك. لقد أحدثت الجبهات كتنظيم سياسي واجتماعي وكفاحي في كل قرية ومدينة عربية، وبمشاركة القوى الوطنية المتحالفة معها والمحبة لبلدها وشعبها والمصلحة العامة أحدثت ثورة في المفاهيم الوطنية والمضامين الكفاحية والمواقف السياسية في مؤازرة همومنا وقضايانا اليومية والقومية والوطنية في تثبيت وصيانة الأرض والبشر والحجر من التهويد والنسيان. وأحدثت ثورة أخرى على طريق العلم والتطور والازدهار في بناء المؤسسات والأطر الشبابية والرياضية والأثرية المختلفة وصولا إلى بناء الحدائق العامة وبرك السباحة والقاعات الشعبية والجماهيرية.
هل كان وجود الجبهة على سبيل المثال طيلة ما يقارب 40 عامًا في بلدية الناصرة، مجرد حب للمنصب أو الكرسي، أم تم نقل مدينة الناصرة من مرحلة المخترة والتحكم بها من قبل الأحزاب الصهيونية وبقايا الحكم العسكري إلى مدينة عصرية متآخية أصبحت رمزًا للنضال والثقافة الوطنية يطيب العيش فيها لما تمثله من مكانة سياسية ووطنية كعاصمة لمن تشبثوا بأرض الوطن وأصبحوا على مر الأيام ما يزيد عددهم عن المليون مواطن.. أليس الجبهة والقائد الوطني الراحل توفيق زيّاد ومكمل طريقه الوطني والبلدي المشرّف المهندس رامز جرايسي قد أوصلوا اسم الناصرة مدينة السلام والبشارة إلى كل قارات العالم. عندما فرضت عليها حكومات إسرائيل المتعاقبة سياسة الحصار والخنق المالي والاقتصادي وتقليص الميزانيات، فكان جواب جبهة الناصرة الديمقراطية ان أحضروا الشباب الوطني والشيوعي المتحمس للعمل والتضحية مع المئات من الشباب من عشرات الدول والحركات الثورية واليسارية في أوروبا وأمريكا وغيرها على مدار أكثر من 22 عامًا.
لنعد إلى الشعار الممجوج غير المتكامل والخالي من المضامين الكفاحية والسياسية "التغيير"، لم نرَ ان عملية التغيير تأتي بأناس من طينة أخرى، ولهم مواصفات تختلف، نجد ان عملية التغيير تستهدف تبديل الأشخاص والنهج ليس للأفضل وإنما للأسوأ. هناك قوى فردية أو عائلية أو طائفية تصل إلى مستوى القيادات أو المجالس والبلديات، بدون ان يكون لها أية مرجعية بلدية أو سياسية ولا حتى اطار للمساءلة أو المحاسبة، وقد رأينا في الفترة الأخيرة ان مرجعيتها تراوح بين فتات وزارة الداخلية ودوائر السلطة المختلفة، أعطوني مكانا واحدا تواجد فيه الشيوعيون والجبهويون والوطنيون المخلصون ولم يخدموا جماهيرهم وشعبهم ومواطنيهم بكل إخلاص وتفانٍ. ألم يقدم الشيوعيين يا دعاة نهج التغيير أغلى التضحيات في سبيل الدفاع عن شعبهم وحريته وكرامته عندما كان زمن الكفاح والنضال له ثمن غال في قطع الأرزاق والسجن والملاحقات والنفي. ألم تقدم الجبهة وممثلوها في المجالس والبلديات الخدمات لجميع المواطنين، ألم يكن المطالبة والنجاح في توسيع مسطح القرية أو البلدية يعود بالفائدة على جميع الأهالي، لقد ساهمت القيادات الجبهوية في المجالس والبلديات واحدثت واستحدثت الكثير من البرامج والميزانيات لرفع ودفع رفاهية مواطنيها في عشرات المواقع التي كانت الجبهة في إدارتها ورئاستها على مدى عشرات السنين.
من الواضح ان هناك قوى وفئات تطرح شعار التغيير لأهداف شخصية أنانية وسياسية تهدف إلى ضرب العمود الفقري وعصب النضال للجماهير العربية، الا وهو الحزب والجبهة وبالتالي ضرب كفاح الجماهير العربية في معركتها من اجل السلام والمساواة وإحقاق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، هذه القوى تسترشد بشعار "التغيير" على نسق ما يجري وجرى في محيطنا العربي والشرق أوسطي في مصر وليبيا وتونس واليمن والمؤامرة الكبرى على سوريا، وقد كشفت الأحداث إلى أي مدى كان ارتباط من اعتلوا موجة التغيير لكي لا يكون التغيير الحقيقي الثوري في إقصاء الأنظمة المرتبطة والمتحالفة مع الامبريالية الأمريكية والصهيونية.
هذه القوى ركبت موجة الإكراه الشعبي والجماهيري للأنظمة الفاسدة باسم التغيير والتي تحالفت مع أكثر العناصر والدول والحركات عدائية لنا ولتاريخنا المجرب من دويلة قطر إلى السعودية والفكر الوهابي الظلامي من اجل البطش بالحركات الوطنية واليسارية والشيوعيين والناصريين والدول التي لا تسير في التلم والمحور الأمريكي الإسرائيلي القطري السعودي. باسم تغيير النظام وبشار الأسد، يجري ذبح الشعب السوري على يد أكثر العناصر دموية وإرهابا، من جبهة النصرة وداعش والجيش الحر تساندهم أكثر من 30 دولة بهدف تقسيم سوريا إلى كنتونات طائفية متقاتلة وإزاحة سوريا كنظام ممانع وداعم لحركات المقاومة للمشروع الأمريكي في بناء شرق أوسط جديد وإعادة تقسيم المنطقة وثرواتها وكنوزها، وفق المصالح الاستعمارية وشطب الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني عبر تصفية مكتسباته التي أصبح العالم اجمع يقر بها في المنظمات والمؤسسات الدولية من الأمم المتحدة إلى مجلس الأمن وغيره.
ولهذا نرى ان التغيير كلمة لها معان كثيرة في القاموس السياسي والحزبي والجماهيري، وممكن ان يحصل عندما يفشل الآخرون الذين هم في سدة الحكم أو في مركز السلطة عن تحقيق آمال وطموحات وتمنيات الشعب والجماهير بالتطور والازدهار المتعدد الجوانب والأشكال، وباتوا يشكلون حجر عثرة وعقبة أمام تطور الجماهير وقدراتها الخلاقة على التقدم نحو تحقيق آمالها وأحلامها في مستقبل تسوده الحرية والعدالة الإنسانية.
إن الشيوعيين ومعهم كل القوى الساعية للتحرر الاجتماعي والسياسي والمحبة للحرية والديمقراطية والباحثة عن السلام العادل والمساواة لا يخفون حقيقة نضالهم العنيد والذي لا هوادة فيه ضد أشكال السيطرة الطبقية الرأسمالية كافة لحفنة من مصاصي دماء الشعب الذين يزدادون ثراءً كلما أمعنوا في سلب ونهب واستغلال الأكثرية الساحقة من الجماهير.
ولهذا فان مصلحة أكثرية الناس والشعب في تغيير هذه العلاقات وتغيير أشكال الاضطهاد والتمييز والاستغلال تكون مطلبا تقتضيه المصلحة السياسية والاجتماعية للخروج من دوامة الفقر والجوع والكبت الذي تعانيه أكثرية فئات المجتمع، نتيجة لتسلط حفنة من كبار الرأسماليين الذين يسيطرون على كل وسائل الإنتاج وعلى خيرات المجتمع بالكامل. ولهذا لا يحتكر الشيوعيون أشكال النضال كافة بل من اجل ذلك يسعون دائما إلى تشكيل اكبر إطار سياسي تحالفي بهدف إشراك الجزء الأكبر من الناس والقوى السياسية في العملية السياسية، من اجل تغيير القديم البالي وبناء علاقات جديدة من التعامل الاجتماعي والإنساني يكون الحق الأول فيه سعادة الإنسان وتقدمه وتطوره لما فيه خير المجتمع ككل، لكن يلعب الشيوعيون الدور القيادي ويشكلون رأس الحربة في هدم المجتمع البالي القديم القائم على الحرب والجوع والاستغلال من اجل بناء الجديد، المجتمع الخالي من الاستغلال حيث يكون الإنسان المبدع فيه سيد نفسه يأكل من ثمرة عمله وإنتاجه.
(كويكات/أبوسنان)
