*كلمة حق، للرفيقة الغالية أولغا توما طوبي، إلى روحك الطاهرة*
رحلت عنا بهدوء وتواضع بعد أن قاسيت من المرض الذي أقصرك عن نشاطك فترة طويلة من الزمن، حتى مراسيم جنازتك كانت بسيطة متواضعة، مع ان الكثيرين لم يتمكنوا من إلقاء النظرة الأخيرة لوداعك. هكذا أنت هادئة بسيطة شعبية حبيبة رحيبة الصدر بشوشة دائما صبورة رغم ما تحملت مع زوجك رفيقنا العزيز توفيق طوبي من مصاعب الحياة والضغوط التي عشت فيها منذ زمن الحكم العسكري ومضايقاته الى كل ممارسات الحكومات القمعية، والاضطهاد والتمييز الى كل الحروب التي شنتها هذه الحكومات والاحتلال وتأثيره علينا كشعب وأقلية قومية فلسطينية في هذه البلاد، صمدت مناضلة متحملة كل المتاعب مع زوجك وأبناء شعبك.
لن أنساك يا أولغا لأنك وزميلاتك ماجي أطال الله بعمرها، عفيفة، وردة، تسيلا وهداسا وغيرهن، أقمتن أول حضانة باسم منظة النساء الديمقراطيات (التي هي الآن حركة النساء الديمقراطيات) للاطفال اليهود والعرب سنة 1952 في غرفة صغيرة في مقر مؤتمر العمال العرب، بعد أن أدركتن أن النساء بحاجة لهذه الحضانة حتى يتفرغن للعمل والركض وراء رغيف الخبز والمساعدة في إعالة عائلاتهن، ومن هذه الحضانة والروضة تخرج من تحت أياديكن الفاضلة مئات الاطفال، منذ ذلك الوقت حتى الآن وما زالت هذه الحضانة قائمة يرودها أطفال الشباب والصبايا الذين ربيتهم، فهم الآن الأطباء والمحامون والمهندسون والمحاسبون والعمال الذين حملوا رسالتك وزميلاتك معنى الحياة الحرة والاستقلال الذاتي والكرامة العربية والقومية والمحافظة على هويتهم ولغتهم، المحافظة على أرضهم وقراهم وبيوتهم. لقد سعيت مع زميلاتك لتوسيع هذه الحضانة، وأقمت المشاريع لجمع التبرعات، فاقمتن البازارات واشركتن كل أمهات الأطفال ونساء حي وادي النسناس بتقديم اشغالهن اليدوية ومختلف الفنون لاقامة هذه البازارات حتى تمكنتن من شراء بيت أوسع وأكبر حتى يكون مركزا ليس فقط للاطفال بل للنساء والامهات اللواتي كن يجتمعن بشكل متواصل ويعملن وينشطن لتوسيع حركة النساء الديمقراطيات التي بذلت كل الجهود لرفع مستوى النساء وتوعيتهن سياسيا واجتماعيا ولمعرفة حقوقهن الكاملة في العمل في البيت والمجتمع وحتى يعرفن حقوقهن القومية كفلسطنيات في وطنهن.
لن ننساك كقائدة في المظاهرات التي تطالب في العمل للعمال والخبز والحليب للاطفال، وضد الحكم العسكري، ومن أجل السلام العادل والثابت لحقوق شعبنا العربي الفلسطيني بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة باقامة دولتهم المستقلة وارجاع اللاجئين.
لن ننساك في مشاركتك في مؤتمرات حركة النساء الديمقراطيات وفي أيام يوم المرأة العالمي الثامن من آذار في كل سنة، لم ننسى الاحتفالات التي كنت تقيمينها مع زميلاتك في أيام الطفل العالمي في الأول من حزيران من كل سنة في الحضانة أو في رحلات منظمة للاطفال وامهاتهم. كيف ينساك آباء الاطفال الذين يتعلمون الآن في حضانة حركة النساء الديمقراطيات وأنت تستقبليهم ببشاشة وجهك وضحكتك الحنونه، انهم ما زالوا يذكرونك كلما جاءوا ليحضروا أطفالهم الآن الى هذه الحضانة حضانتك التي كانوا يسمونها حضانة أولغا.
أيتها العزيزة كيف ننساك وأنت كنت تستقبلينا في بيتك اذا ما احتجنا للقاء رفيقنا العزيز توفيق طوبي في حالات استشارات عديدة حزبية وعائلية، كنت تستقبلينا بترحاب كريم بوجهك الضحوك، ابتسامة حلوة تطمئن لها قلوبنا.
كيف يمكن أن ينساك عمال الاتحاد والمطابع الذين كنت وانت بطريقك لسوق الواد تزورينهم دائما لتلقي التحية في الصباح عليهم وتتفقدين أحوالهم، انهم ما زالوا يحبومك ويذكرونك.
لقد شاءت الأقدار أن نسافر سوية في سنة 1953 الى مهرجان الاتحاد العالمي للشبيبة الديمقراطية، وكانت شبيبتنا، الشبيبة الشيوعية وفرقة الطليعة مدعوين لهذا المهرجان فسافرنا معا، كنا أنت وهناء خوري، أوديت نمر، وهنيه شومر، أنا وأخريات، كانت سفرتنا عن طريق تركيا الى رومانيا حيث المهرجان في بخارست سافرنا بالقطار أي عن طريق عبارة في البحر من اسطنبول إلى بخارست في القطار تجمعنا كلنا في قاطرة واحدة ولم نهدأ كل الطريق اذ كنا ننشد أناشيد الطليعة وغيرها فانشدت يا أولغا منفردة بصوتك الجميل
وطني يا مطلع الجمال وطني يا مسرح الأباه
وطني بالموت لا تبالي شأننا أن نسحق الطغاة
كما أنشدت نشيد ميسلون الذي أعجبنا كثيرا فتعلمناه منك.
هنا ميسلون فهبّوا نحيي جميعا ثرى ميسلون
هنا استبسل العرب ضد الغزاة هنا استشهد الباسلون
وكان لجيش الغزاة انتصار ونير علينا رهيب
وكان لدى العرب اما الخنوع واما النضال العنيد
نهضنا نبادر ليلا نهارا الا ان بلغنا الارب
ولن نترك السيف او نسترد جميع حقوق العرب
نعم يا أولغا كنت عصامية لطيفة، كنت مرحة وصاحبة نكته، صوتك جميل، أحببت الجميع فاحبوك، كنت شمعة خبت وأنارت الطريق للاطفال الذين ربيتهم في الحضانة، كنت مرشدا لعائلتك زميلاتك صديقاتك ورفيقاتك.
دامت صورتك في قلوبنا، دامت ذكراك
لم ولن ننساك
