ان اتخاذ اي قرار يجب ان يكون مدروسا .. فاليوم يوجد اخصائيون في كل مجال ، عليك مشاورتهم في موضوع القرار . وسواء كان القرار في الحرب و السلام او حتى في الامور الشخصية و العامة الاجتماعية و الاقتصادية … فلكل مهنته و صنعته حتى لو كانت صناعة الكلام . صحيح ان الارادة الانسانية تصنع االمعجزات بالمثابرة والتخطيط السليم لكن هذا التخطيط يجب ان يكون شديد الالتصاق بالواقع ومتغيراته .
بالامس سمعت وشاهدت من على الشاشة الفضّية التي اصبحت ملونة ودقيقة ورفيعة ، تستوعب ما تبثه الاقمار الصناعية خلال ثوان بل واجزاء من الثانية … سمعت وشاهدت التدريبات التي يقوم بها الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل التابعة للامم المتحدة . وعندما شاهدت المدافع التي تقذف حممها باتجاه البحر ، ضحكت من ناحية وبكيت من الاخرى . ضحكت عندما تساءلت في نفسي ماذا عسى هذه المدافع مهما كانت ثقيلة ان تصنع حيال الطائرات بدون طيار التي تصور وتقذف حممها من السماء السابعة بواسطة حاسوب على الارض وكبسة زر يشغلها جندي عالم بما يعمل …
وبكيت على الهوة الشاسعة فيما بين وسائل القتال الحديثة من جهة و التقليدية من الجهة الاخرى ، فالاولى تعتمد على معارف القرن الواحد والعشرين والثانية تعتمد على وسائل القرن الحادي عشر.
كما وبكيت على السمك الذي يموت موتاً مجانياً من غير ان ينتفع يه أحد.. بكيت لانه اذا كان ضباط الجيش اللبناني من طراز قديم فان ضباط باقي جيوش الدول العربية من طراز أقدم .. فلبنان هو وجه صحارة العرب، اي نخبة العرب في كل شيئ !
وبعد ، فعلينا ان نتعلم من دروس التاريخ . خذ مثلا في الحرب العالمية الاولى حين اعلنت الدولة العثمانية الجهاد ، كيف لهذا الاعلان ان ينجح وهي حليفة دول مسيحية (النمسا والمانيا وهنغاريا وبلغاريا –دول المركز) ؟ وكيف له ان ينجح وفي جيوش الحلفاء مسلمون ؟ كيف للجندي المسلم العثماني ان يحارب اخاه المسلم الجزائري في الجيش الفرنسي او الجندي المسلم الأذربيجاني في الجيش الروسي، كيف له أن يجاهد ( أن يحارب حرباً دينية ) وفي صفوفه والى جانبه الجندي العربي المسيحي او اليهودي ؟
اعتقد ان اي دعوة للحروب الدينية في هذا العصر هي دعوة عبثية سواء كان دافعها افكار ابن لادن او افكار هنتنغتون في مسألة صراع الحضارات . زد على ذلك ان الحضارة الاقوى هي الحضارة التي اخذت باسباب التقدم ، التي تعيش في المستقبل ولا تقتات على امجاد الماضي ولا تقتفي اثر الرسول شبرا بشبر وذراعا بذراع لانه عاش في زمن غير زماننا وعارك معارفَ تختلف بما لا يقاس عن معارف زماننا . لقد نجح الرسول في دعوته قبل اربعة عشر قرنا لانه اسس لحضارة سبقت حضارات زمانه واصبحت اقوى منها ولانه كان قائدا عظيما وبشرا سويا يمتلك القدرة و المعرفة و الارادة و الامكانات و معارف زمانه . أقول الحق أنه قبل سنة عندما سمعت عن خلية فدائية هاجمت موقعاً إسرائيلياً بقطاع غزة من على ظهور الخيل أصبت بالعزّة وبالأنفة ، لكن سرعان ما ضحكت وبكيت على إستشهاد أولئك الفرسان وطريقة إستشهادهم الرخيص جرّاء كبسة زر... ونفقت الخيول المسكينة وماتت موتاً مجانياً!
اما اليوم و العالم العربي و الاسلامي يرزح تحت وطأة الجهل والفقر والخرافة وعقلية القرون الوسطى فان دعوة الجهاد تصبح اكثر من مهزلة لانها قد تصرف هذين العالمين عن الأخذ بالاسباب الحقيقية للتقدم ! وقد صدق من قال : ويل لامّة تأكل مما لا تزرع، وتقاتل بما لا تصنع بعقلية ماضوية، وتبدد ثرواتها هدرا، وذئاب العولمة تنهش في جسدها وتقطعه إرباً إربا... ويل للمغلوب الذي يقنع بالهوان ولا يأخذ باسباب غلبه وهوانه.. وروح عصره .
