تغطية شمس الواقع الفلسطيني بغربال العواطف!

single

الكتابة وجهة نظر، تملي مخيلة الكاتب على يده فتمتطي أصابعه سرج قلمه ليسرح في براري السطور مخلفا في نهاية المطاف شكلا من أشكال الطيف أو الوجبة الأدبية على مائدة المتلقي .
ولأن الكلمة قنبلة موقوتة مزروعة في صدر أو خيال الكاتب بعدما كانت مجرد فكرة عابرة اختمرت في الذهن لتصبح قضية ترهقه حين تصل إلى مرحلة المخاض، وهنا يكون المأزق، فإما أن تلد ولادة طبيعية يسيرة، وإما أن تكون ولادتها قيصرية فترهق الكاتب لأنها ربما تولد مشوهة غير ملائمة للاستمرار على قيد الحياة، فيكون نصيبها النار أو سلة اللامبالاة.
لكل كاتب الحق في ولوج الميادين التي يشاء الخوض فيها، فينال لقب الروائي أو الشاعر أو الكاتب، وذلك بتركه للقارئ بصمته وهويته المميزة. 
إذًا ما هي حدود النص الذي يجب الكتابة فيه؟ وما هي معالمه وانتماءاته؟
فالخالدون الذين تربعوا على كرسي العرش الأدبي، لا زالوا في ذاكرة أبنائهم وأحفادهم من المبدعين، ولا زالوا يمتشقون سيوف شهرتهم التي يحفها بريق التراث والأسطورة والأصالة والجوهر، ويدركون جيدا أن من لا ماضي له، لا حاضر ولا مستقبل له.
ما يجري اليوم، على سبيل المثال لا الحصر، في الشارع الفلسطيني من تشرذم وانشقاق ما بين الحزبين الكبيرين اللذين ليس لهما سوى أن يعزيا نفسيهما ويخيطا جرحهما المفتوح وجيب معنوياتهما المثقوب حتى يواصلا الاستمرار والثبات في وجه عدو لا يرحم وعالم أصم، أدار ظهره عن رؤية الحق وأمعن في الصمت السرمدي حتى النهاية! 
ما يجري يقض مضاجع العرب جميعا ويلح هذا الواقع المزري على الكاتب الفلسطيني بشكل خاص أن يتناول هذا الموضوع الخصب للكتابة فيه، باعتباره أديبا أو كاتبا لسعته نيران الواقع. لكنني أقول جازما انه لا يوجد من يجرؤ ـ داخل الضفة الغربية أو قطاع غزة- على تعرية الأمور ووضع النقاط على الحروف بحشر الحزبين في خانة "اليك" من خلال مشروع رواية جادة أو حتى قصيدة لشاعر يملك شهرة وصيتا واسعين في الساحة الأدبية لتصب جام غضبها على جسد الجهة المعطلة للوفاق والوحدة.
المثقف العربي بشكل عام والفلسطيني بشكل خاص هو أحوج ما يكون من غيره كفرد وعنصر أساسي في رفع شأن أمته وبلاده نحو الأسمى والأفضل وهذه هي رسالته، وإلا فانه يكون قد خرج من جلده، وساهم بشكل أو بآخر في طمس الهوية الثقافية والعودة إلى الوراء، معتقدا أنه بتربّعه في حيز أدبي أو ثقافي سيبلسم جراح الأمة ويضعها في الموقع السليم بين الأمم والحضارات الأخرى!
أين وكيف بإمكاننا أن نغطي شمس الحقيقة بغربال عواطفنا المنحازة لكل ما يستجد ويستحدث؟ أين نعلق تذكارات الماضي وحائط حاضرنا الثقافي شبه منهار، والأديب مدرك لما يدور حوله على الساحة الأدبية العالمية، ولا يجوز له ولا بأي حال من الأحوال، أن يغفل عما يجري سياسيا، ويكتب عن الطبيعة والوجود، مثلا، بعدما أشاح بوجهه بعيدا، وأغلق أنفه وأصم أذنيه عن كل ما يجري ليكون بهذا قد انسلخ عن مواكبة الواقع أو قفز بحصان كتابته فوق حواجزه، وانكفأ عائدا القهقرى، وأضاع الهدف الأسمى للكتابة والأدوات الأدبية التي تمتلكها كافة المجتمعات الأخرى، ويكون ذلك بمثابة الانتحار خارج النص وخارج الإجماع العالمي لأهداف الكتابة!

 


(شاعر من فلسطين)

قد يهمّكم أيضا..
featured

حول الاضراب الشامل مساهمة في النقاش

featured

صانع النكبتين.. صانع النكبات

featured

الشيوعيون المصريون بين ثورتى يوليو ويناير

featured

المد الفاشي يواصل الارتفاع

featured

سموم الخطاب القومجي العسكرتاري

featured

متى يمحو نور المحبة ظلام الحقد؟

featured

زعرنة استيطانية بغطاء حكومي