الألقاب المتقدّمة: خيار مدروس أم خيار قسري

single

*حالة الطلاب العرب في الولايات المتحدة الأمريكية*


• مقدمة


تسعى هذه المقالة إلى إبراز المميزات والمركبات التي تبلور قرار الطالب/ة العربي/ة في مواصلة الدراسة للقب الثاني والثالث بشكل عام وخارج البلاد بشكل خاص، هذا القرار الذي يعتمد وينبثق في آن واحد على ومن تجربته/ها في الدراسة للقب الأول التي عادةً ما تكون في الجامعات الإسرائيلية، كما تعرض هذه المقالة السياق السياسي، الثقافي والاجتماعي الذي تتبلور من خلاله تجربة الطالب الأكاديمية ومستقبلة المهني وآفاقه ورؤيته.
ستعتمد المقالة على تجربتي في العمل في صندوق "فولبرايت" للتعليم العالي وهو الصندوق الحكومي الأمريكي الذي أقيم في العام 1946 ويهدف الى التبادل الثقافي بين الشعب الأمريكي وشعوب العالم من خلال تبادل محاضرين وطلاب متفوقين وبارزين من أعلى المستويات الأكاديمية. كما ستعتمد المقالة على تحليل التصريحات الشخصية "Personal Statement" للطلاب والطالبات العرب الذين يتقدّمون بطلب منحة لمواصلة التعليم للألقاب المتقدّمة - في هذه الحالة في الولايات المتحدة - والمواضيع التي ينوون التخصص فيها، وإلحاقًا بذلك الغايات والأهداف التي يعتمدون تحقيقها من وراء اكتساب اللقب المتقدّم والتطوّر الثقافي والأكاديمي المنشود، الناتج من جرّاء التواجد في مجتمع غربي يُعرض وكأنه المجتمع الأمثل في "تقدّمه" "تطوّره" و"مواكبته العصر وركب الحضارة"، والذي يفوق بصفاته هذه النموذج "الغربي" المتمثّل بالمجتمع الإسرائيلي.
نلمس حراكًا أكاديميًا من نوع معيّن في المجتمع العربي الفلسطيني وتغيّرًا في المفهوم لضرورة الدراسة للألقاب المتقدمة وما ينتج عنها من دراسات أكاديمية وتخصصات مختلفة. والملاحظ أن هناك ازديادًا في الاهتمام بالأكاديميا والانخراط في العمل الأكاديمي وازديادًا في عدد المهتمين في مواصلة الدراسة للألقاب المتقدّمة وإن كانت نسبته ضئيلة، والتساؤلات التي تُطرح هنا هي، ماذا يعني التعليم العالي للطلاب العرب؟ ما مدى جاهزية الأكاديميين العرب لدراسة الألقاب المتقّدمة؟ ما مدى تأهل أصحاب اللقب الأول نفسياَ وعاطفيًا واجتماعيًا وتحصيليًا للتطلّع لدراسة الألقاب المتقدّمة خارج البلاد لفترة من الزمن؟ ماذا ينشد الطلاب العرب من وراء مواصلة التعليم للألقاب المتقدّمة؟ ما قدرة المجتمع العربي خاصةً والإسرائيلي عامةً على استيعاب كوادر المتخرجّين/ات في سوق العمل المهني منه والأكاديمي؟ هل خيار الدراسة للقب الثاني هو مدروس أم نابع من انعدام الفرص للانخراط في سوق العمل والحصول على مهن تناسب مؤهلات الطالب/ة؟.
لا تهدف هذه المقالة إلى الإجابة عن كل هذه الأسئلة دفعة واحدة وبالعمق المطلوب، لكنها تركّز على محاور معينة تعيننا للإجابة عليها؛ سنبدأ بمعالجة تجربة الطالب العربي في اللقب الأول، ثم بتحليل تصريحات الطلاب المتقدمين لمنحة "فولبرايت" التي ستساعدنا على فهم الدوافع لدى الطلاب ومميزاتهم، ثم سنعالج في الخاتمة أهمية التعليم العالي خارج البلاد كأداة للتمكين لدى هؤلاء الطلاب.

 

• تجربة الطالب العربي في اللقب الأول


تتسّم تجربة الطالب/ة العربي/ة في الجامعة الإسرائيلية بتركيبة معيّنة، أن المؤسسة التعليمية تشكّل بالنسبة له مكانًا ليس فقط للتعليم ولاكتساب المعرفة والثقافة، وإنما أيضًا مكانًا لبناء الاستقلالية الذاتية والهوية الثقافية والاجتماعية والسياسية. في البحث الذي أجرته الباحثتان عنات غوفن وأيالا هاندين (2009)، حول الحوافز والعقبات التي تواجه الطالب العربي في القبول والدراسة للقب الأول، تدّعي الباحثتان أن تجربة التعليم بالنسبة للطالب/ة العربي/ة في الحرم الجامعي الإسرائيلي ونجاحه في الاستمرار في التعليم تنبع من عقبات وموارد في ذات الوقت. وتظهر نتائج البحث أن العقبات هي في خمس مستويات:
1. المستوى الشخصي والذي يضم مفهوم الجامعة، الإصرار على التعليم القدرة على تحديد سلم الأوليات والقدرة على التأقلم داخل الإطار الجديد؛
2. المستوى العائلي: ويضم التشجيع والدعم المتوّفر من قبل العائلة، مدى تحضيرهم لابنهم للتعليم العالي، ومدى تدخلهم في اختيار موضوع التعليم؛
3. المستوى التعليمي: مدى جاهزية الطالب للتعليم العالي، مدى تحضير المدرسة للطالب ولشروط القبول وللتعليم من حيث مستوى اللغة العبرية والإنجليزية؛
4. المستوى الاجتماعي: الانكشاف لعالم جديد، الابتعاد عن الدائرة الاجتماعية المألوفة والحاجة إلى خلق إطار اجتماعي جديد والاحتكاك مع الطلاب اليهود؛
5. المستوى المؤسساتي- الجامعة: ملاءمة المؤسسة للطالب - تحديد جيل القبول، تهيئة بيئة ثقافية داعمة ومدى تقبّل تمثيل الطالب العربي في أطر تمثيل الطلاب في الجامعات. (غوفن وهاندين، 2009).

إن تجربة الطالب/ة العربي/ة في الجامعة الإسرائيلية في اللقب الأول، تفوق التجربة التعليمية باعتبارها تجربة جديدة بالنسبة له على كل المستويات. فهي تكشفه لعالم جديد وتبعده عن البيئة الدافئة المعروفة له، لذلك تصقل هذه التجربة شخصية الطالب وتقوّيه أو تضعفه، كلٍّ حسب مدى جاهزيته للتعليم العالي ومدى تفاعله وتأقلمه مع التجربة الجديدة. بالإضافة إلى ذلك تشكّل الجامعة، بالنسبة للطالب، الإطار الذي من خلاله يطوّر ذاته ويبلور آراءه واستقلاله النفسي والاقتصادي وقناعاته السياسية.
ترى الأقلية العربية الفلسطينية في إسرائيل بالتعليم العالي مركبًا أساسيًا ووحيدًا في التطور الشخصي والاجتماعي والاقتصادي وللتمكين السياسي (الحاج 1996، مصطفى 2006). كما يُنظر إلى الجامعة على أنها، وبالإضافة إلى كونها وسيلة لاكتساب المعرفة والعلم، وسيلة للحصول على مكان عمل محترم يوّفر أمانًا اقتصاديًا، خاصةً عندما يدور الحديث عن مجموعة أقلية قومية مهمّشة ومنزوعة الحقوق لا تتوافر أمامها فرصة الانخراط بشكل حر في المجالات المختلفة في سوق العمل. فبالرغم من صعوبات الاندماج في سوق العمل الإسرائيلي ألاّ أننا نرى بان نسبة اندماج الأكاديميين العرب في سوق العمل أعلى منها لدى غير الأكاديميين ( مصطفى وعرار، 2006).
  الأشخاص الحاصلون على ألقاب أكاديمية عالية في النظام الديمقراطي والذي أحد ثوابته مبدأ المساواة، يتوقعون المساواة في الحقوق بينها الحق في الحصول على فرصة عمل متساوية في جهاز التعليم العالي. هذا الحق مفقود لدى الأكاديميين العرب وخصوصًا بين أولئك الحاصلين على ألقاب متقدمة ماجستير ودكتوراه من الجامعات الإسرائيلية.
وخلافًا للاعتقاد السائد في إسرائيل بشكل خاص وفي العالم بشكل عام، بأن التعليم العالي يضمن مستوى معيشة جيدًا للأكاديميين، فان سوق العمل الإسرائيلي الذي يتميّز بإقصاء العرب والتمييز ضدهم، لا يضمن مستوى معيشة جيّدًا للأكاديميين العرب (عواد، 2008).

 

• تسرّب الطلاب العرب في اللقب الأول


في العام 2008 كانت نسبة الطلاب العرب الدارسين للقب الأول في الجامعات الإسرائيلية 10%، في حين كانت نسبة الذين انهوا اللقب الأول في العام نفسه 8%، ونسبة الطلاب الذين يدرسون للقب الثاني كانت7% بينما نسبة الذين انهوا اللقب الثاني كانت 6%، ونسبة طلاب اللقب الثالث كانت 3% والذين انهوا اللقب الثالث كانت 2%.( غوفن وهاندين، 2009).
يشير الباحث مهند مصطفى في بحثه (متناولية الأقليات للتعليم العالي: حالة المجتمع العربي في إسرائيل ، 2006). إلى أن نسبة التسرّب الكبيرة لدى الطلاب العرب خاصة في أول سنتين من مباشرة التعليم تصل إلى 16,6% مقابل 12% لدى الطلاب اليهود، ويعزو الباحث مصطفى في بحثه، نسبة التسرّب لدى الطلاب العرب بالإضافة إلى نسبتهم المنخفضة في اللقب الأول إلى سببين أساسيين، وهما أولاً: انعدام التوجيه الدراسي والمهني قبل القبول في الجامعة، وثانيًا: صعوبة اندماج الطالب العربي في الحياة الثقافية في الجامعة الإسرائيلية. (مصطفى، 2006).
تتميّز تجربة الطالب العربي في اللقب الأول بصعوبات كثيرة وقد تكون هذه التجربة صاقلة لقراره في مواصلة التعليم للقب الأول وكذلك للألقاب المتقدّمة. من خلال عرض تجربة الطالب العربي في كافة المستويات الاجتماعية، السياسية والاقتصادية منها، ممكن فهم المسار الذي يمر به الطالب في الجامعة ومدى تأثير هذا المسار على برنامجه المستقبلي. إن مدى جاهزية الطالب للتعليم العالي ومدى دافعيته للاستمرار في التعليم وإحراز اللقب الأول ومدى قدرته وإصراره على مواجهة الصعوبات قد تساعد على فهم نوعية الطلاب التي ترغب في مواصلة الألقاب المتقدّمة لا سيّما خارج البلاد.


 
• الإقبال على الدراسة للألقاب المتقدمة خارج البلاد - الولايات المتحدة كمثال


وبالرغم من أن نسبة دارسي الألقاب المتقدمة في البلاد هي ضئيلة للغاية، كما ذكر آنفًا (لا تتعدى 3% في اللقب الثالث و2% في اللقب الثاني في الجامعات الإسرائيلية) وان نسبة المتسرّبين هي أيضًا كبيرة، نجد أن هنالك مجموعة من الطلاب تصبو لمواصلة الدراسات العليا خارج البلاد في دول أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. وبودي التطرّق هنا إلى تجربة مواصلة الدراسة في الولايات المتحدة، التي تعتمد على تجربتي في العمل في صندوق "فولبرايت" الأمريكي، إذ يتقدّم العشرات من الطلاب العرب من حملة اللقب الأول والثاني من كل عام بطلب منحة لمواصلة الدراسة في الولايات المتحدة من خلال صندوق "فولبرايت".
ما الذي يجذب الطالب/ة العربي/ة بطلب العلم في الولايات المتحدة؟ ولماذا في مرحلة الماجستير والدكتوراه؟ وماذا تقدّم هذه التجربة للطالب العربي؟
الأجوبة على هذه الأسئلة تتعدى كونها تبسيطية، فطموح الطالب العربي بالدراسة خارج البلاد يتعدى كونه طالبًا للعلم والمعرفة، فإذا كانت تجربة الطالب العربي في الجامعات الإسرائيلية مركّبة ومتشعّبة على المستوى التعليمي والاجتماعي والسياسي، لا يمكننا إلاّ أن نتصوّر مدى تركيبة وتشعّب التجربة التعليمية في أمريكا، فهي تجربة اكبر من كونها تجربة لاكتساب اللقب. فما الذي تعنيه حقًا التجربة في الولايات المتحدة بالنسبة للطالب العربي؟

 

• "بروفيل" الطلاب العرب المتقدّمين للمنحة


كل الذين تجذبهم تجربة الولايات المتحدة وتبهرهم وتثير فضولهم ممن درسوا ويدرسون حاليًا أو الذين أنهوا دراسة اللقب الثاني أو الثالث، يتحدثون عن تجربة تعليمية مثرية ومليئة بالإمكانيات التي تساعد في بلورة وبناية الشخصية المهنية والأكاديمية للطالب، كما يتحدثون عن التنوّع الموجود في الجامعات الأمريكية والذي يساعد على الانفتاح لآفاق تعليمية وثقافية واجتماعية من خلال التعرف على أشخاص جدد وثقافات جديدة نظرًا للاختلاط بطلاب أجانب من مختلف الحضارات والثقافات والجنسيات.
هناك حتى الآن 22 طالبا وطالبة باشروا دراستهم أو على وشك مباشرة الدراسة في الولايات المتحدة في بداية السنة الدراسية القادمة 2010، 60% من هؤلاء الطلاب انخرطوا أو عملوا في السابق أو ما زالوا منخرطين حتى الآن بعمل سياسي جماهيري منظماتي معين، جزء منهم نشط في لجنة الطلاب العرب خلال اللقب الأول والجزء الأكبر نشط وناشط في منظمات العمل الأهلي، ما يعني بالضرورة أن معظم الطلاب الذين يتوجهون للدراسة في الولايات المتحدة على مستوى عال من الوعي السياسي والجماهيري، وعلى إدراك تام بضرورة إحداث التغيير الشخصي على المدى القريب وإحداث التغيير المجتمعي وتغيير علاقات القوى والهرمية المجتمعية على المدى البعيد. فمن غير الممكن فصل الحاجة الخاصة (التعليم وإحراز الألقاب المتقدمة) عن تلك العامة (التطور الذهني والمهني للمجتمع العربي).

 ما يميّز معظم الطلاب العرب المتقدّمين بطلب للمنحة للدراسة في الولايات المتحدة وما يتبيّن من خلال تصريحاتهم الشخصية وأهدافهم التعليمية المعلنة هو أنهم، وخلافًا لتجربتهم وأهدافهم في اللقب الأول، واعون تمامًا لأهداف تعليمهم في اللقب المتقدّم وخصوصًا خارج البلاد ولإمكانية تطويرهم لذاتهم مهنيًا، ثقافيًا، علميًا واجتماعيًا، فهم يبحثون عن التجربة التي تعززّهم وتقويهم وتبعث بهم النشاط والطاقات للعمل ولإحداث التغيير في مجتمعهم.
يتطلّع الطلاب الذين ينوون مواصلة الدراسات العليا في خارج البلاد وبالإضافة إلى ضمان مكان عمل محترم، عند العودة إلى البلاد، سواء في المجال الأكاديمي أو في المجال المهني العملي، يتطلعون إلى تعزيز انتمائهم بمجتمعهم الفلسطيني، فهناك الحاجة الروحانية بتغذية الروح بالعلم، وتطوير الفكر الشخصي والجماعي والمجتمعي، وهناك الحاجة بالتطور الاقتصادي والاندماج في سوق العمل والتأثير على اقتصاد الدولة، هذان تطلعان عميقان طبيعيان يعززان الفرد والمجتمع وبالتالي يقويان الانتماء إلى المجتمع، إن الطالب الفلسطيني في تطلعه للغرب يحلم بتكوين وتطوير عالم أفضل لمجتمعه في الدولة فهو يشعر بالحاجة للانخراط في مجتمعة وإحداث التغيير فحيث هناك تعزيز للذات من خلال التطور الشخصي والفكري والعلمي هنالك تعزيز للمجتمع اجمع.
أحد العوامل المهمة التي تساهم في تفسير وعي وإدراك الطالب لتجربته في الولايات المتحدة هو عامل الجيل إذ أن معدل أجيال الطلاب العرب المتقدّمين للمنحة هو 28,2 وهو جيل تكون فيه شخصية الطالب مبلورة، ويكون واثقًا بنفسه ومستقلا في آرائه وخياراته الشخصية والمهنية، وقادرًَا على مواجهة الأفكار المسبقة ضده وعلى مواجهة الصعوبات الأكاديمية والتعليمية، وهذا ما يفسرّ الوعي والإدراك والتصميم على الاستمرار في التعليم وفي اختيار الموضوع الملائم لاحتياجات وللرؤيا المستقبلية، وهذا ما يختلف عن تجربة الطالب في اللقب الأول حيث يعاني الطالب من حالة من التشويش وعدم الوضوح وعدم فهم موضوع الدراسة، بالإضافة الى انشغاله بإنهاء اللقب حتى يتسنى له الخروج إلى سوق العمل والبحث عن استقلالية اقتصادية وعن مكان عمل يعيله. بالمقابل يبحث الطالب في الألقاب المتقدمة عن مهنة تطورّه وتحقق له ذاته بينما يبحث في اللقب الأول عن مهنة تكون بالنسبة له مكان عمل وضمان إعالة.
      تجدر الإشارة إلى أنه وقياسًا بنسبة تسرب الطلاب العرب في الألقاب المتقدّمة في الجامعات الإسرائيلية، فان نسبة تسرّب الطلاب الحاصلين على منحة من "الفولبرايت" في الألقاب المتقدمة هي 0%، لم تحدث أية حالة اضطر فيها طالب أو طالبة إلى التوقف عن التعليم والعودة إلى البلاد. يمكن عزو ذلك، من جهة، إلى أن الطالب في هذه الحالة يحصل على منحة للتعليم وبالتالي يتفرّغ تمامًا للدراسة وإحراز اللقب في مدة زمنية محددة، خلافًا لتجربة الطلاب في البلاد الذين لا يحصلون على منحة وبالتالي يضطرون للعمل والدراسة خلال الدراسة. ومن جهة ثانية يمكن عزو هذه الحقيقة إلى الشعور بمدى المسؤولية والمهمة الملقاة على عاتقه – التعليم خارج البلاد- وأهمية إنهاء اللقب والعودة لتعزيز نفسه أولاً، عائلته ومجتمعه.

 

• خاتمة: التعليم العالي كأداة للتمكين والمقاومة Resistance))


يدّعي فوكو (1982) أن القوة تنبع من القاعدة، وقد وصف فوكو القوة بأنها مركب حيوي يحمل في طياته تحديًا في بلورة حياة الأشخاص. إن التجديد الذي يجلبه فوكو من خلال نظريته هذه هو أنه بدلاً من الادعّاء بان استخدام أجهزة القوة من الأعلى إلى الأسفل يهدف إلى قمع من هم في القاعدة، يجب التشديد على أجهزة القوة المطلوب العمل عليها من اجل إنتاج المعرفة والقوة من الأسفل إلى الأعلى. وقد أولى فوكو أهمية بالغة لـ" قدرة الإنتاج" هذه في "بلورة" حياة الأشخاص. وما يعنيه فوكو في حديثه عن القوة هو ليس الثورات والنضالات ضد السلطة، إنما هو التعبير عن المعارضة تجاه استراتيجية أو طريقة أو سلطة معيّنة. هذه النضالات هي نضالات محلية يقوم الناس من خلالها بانتقاد ظروف حياتهم الحالية والتعبير عن عدم الرضا عنها وتأثير هذا على حياة الأشخاص والمجموعات والمؤسسات. ويمكّن مفهوم القوة كعامل منتج من فحص علاقات القوى-المعرفة عن طريق معارضة القوى-المعرفة، والتي ممكن تجسيدها من خلال عملية التعزيز والتمكين (Minson, 1986).
تحيلني نظرية الفيلسوف فوكو إلى سؤالي الأساسي الذي بدأت به مقالتي: هل الدراسة للألقاب المتقدّمة هو خيار مدروس أو خيار اللاّ حيلة؟ كما تحيلني نظريته إلى ادعائي الأساسي: كم هي عظيمة قوة وقدرة إنتاج المعرفة من خلال التعليم العالي، كم هي مهمة هذه التجربة في تعزيز وتقوية الأفراد وتعزيز مجتمعهم وتعزيز انتمائهم، كم هي كبيرة تجربة الانكشاف على حضارات أخرى وفهم الآخر من خلال معرفته عن كثب وفهم طريقة تفكيره وطريقة عمله.
لا شك في أن تجربة التعليم العالي للأقلية العربية الفلسطينية في دولة إسرائيل ليست بالهيّنة كما أن تجربة التعليم في الولايات المتحدة هي ايضًا تجربة صعبة بكل المفاهيم. لكن بلا شك فإن هذه التجربة ورغم صعوبتها هي تجربة مليئة بالتحديات والطموح والأمل في إنتاج وتطوير قيادات أكاديمية ومهنية شابة مثابرة وعاقدة العزم على أن تكون جزءًا من عملية التعزيز والتأثير والتغيير المنشود في المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل، سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا.


المصادر:


1. الحاج، ماجد (2006).بداخل مهند وعرار"متناولية الأقليات للتعليم العالي: حالة المجتمع العربي في إسرائيل". ص. 206 كتاب المجتمع العربي في إسرائيل، سكان، مجتمع واقتصاد. إعداد راسم خمايسي- معهد فان لير القدس.
2. عواد، ياسر (2008). تمثيل المواطنين العرب في جهاز التعليم العالي. جمعية "سيكوي- الجمعية لدعم المساواة المدنية".
3. غوفن، عنات وهاندين، ايالا. (2009). "الشاذ عن القاعدة يشير إلى القاعدة. اندماج المجتمع العربي في إسرائيل في جهاز التعليم العالي- موارد وعقبات" – الجامعة العبرية- القدس.
4. مصطفى، مهند (2006). "التعليم العالي الفلسطيني في إسرائيل". أم الفحم: جمعية اقرأ.
5. مصطفى، مهند وعرار خالد. (2006). "متناولية الأقليات للتعليم العالي: حالة المجتمع العربي في إسرائيل" كتاب المجتمع العربي في إسرائيل، سكان، مجتمع واقتصاد. إعداد راسم خمايسي- معهد فان لير- القدس.
6. Minson, J. (1986). Strategies for socialist? Foucault’s conception of power. In M. Gane (ED), Towards a critique of Foucault (pp. 160-148). London& New York Routledge, Kagan Pual.


*هذا المقال نُشر في  كتاب " دراسات"

قد يهمّكم أيضا..
featured

لعودة الحقوق الوطنية الفلسطينية الى مركز الاحداث !

featured

مكسيم رودنسون الذي نادى بالعدالة طريقاً للعيش مع العرب

featured

في القضية السورية: إطلاق الصوت الثالث بدل الاصطفاف

featured

المالح في زمن السكّر

featured

الارهاب في طهران، والنفاق!

featured

الجولان عربي سوري، وسيبقى!

featured

"الاتحاد" تضيء الشمعة السابعة والستين

featured

رسالة الرئيس جرايسي لإحداث التغيير المنشود!