لفت انتباهي ما كتبه الدكتور ياسر ريناوي في جريدة الاتحاد يوم الاثنين 14/4/2014 عن الأديب الكبير مارون عبود الذي يستحق ان يكتب عنه الكثير لمواقفه الإنسانية العربية التي تتجاوز حدود الانتماء الديني والطائفي.
وشاءت الصدف إنني أقوم بإعداد مقال عن هذا الكاتب العريق بجذوره العربية الأصيلة وإنني اذ اشد على أيادي أخينا الريناوي لأعزز موقفه الكتابي لأطرق باب كاتبنا اللبناني الذي اثري المكتبة العربية بمؤلفاته وانجازاته الفكرية في عالم الأدب والشعر.
مارون عبود كاتب وأديب لبناني كبير ولد في قرية عين كفاح إحدى قرى جبيل لبنان ونشا في أسرة متوسطة الحال متمسكة بوصايا الله راضية بخبزها كفاف يومها بكرامة من عرق الجبين بزراعة الأرض في بيئة عابقة ببخور القداسة والده حنا عبود وأمه كاترينا موسى عبود.
دخل مارون عبود مدرسة مار يوحنا مارون وعمره خمس سنوات وكان قصد عائلته إعداده للحياة الكهنوتية لكنه لم يتقبل الفكرة وامضي في المدرسة المذكورة أربع سنوات ثم انتقل بعدها إلى مدرسة الحكمة التي قضى فيها سنتين ووجد هذه المدرسة المناخ المواتي لتفتح مواهبه الشعرية والأدبية والتقى هناك بفئة من الطلاب المولعين بالشعر سعيد عقل وتولى تحرير جريدة "الحكمة". ودرس علم البيان في نفس المدرسة في السنة الدراسية 1909-1910 وبعدها انتقل إلى بلده عين كفاح ليعمل في الزراعة ليواجه الظروف الصعبة التي كان يجتازها لبنان مع اندلاع الحرب العالمية الأولى فعين رئيسا لبلدية غرزوز وتوابعها وموظفا في أعمال المساحة وقد أولى الأرض عناية خاصة.
ترك عين كفاح وانتقل الى عاليه ليدرس اداب اللغة العربية في الجامعة الوطنية وبقي فيها ما يقارب الثلاثة عقود وعلى أثرها توقف عن التعليم بسبب الدوار الذي كان يصيبه من حين إلى آخر نتيجة نشاف في شرايين الرأس فانتقل الى مدينة جونية وصرف وقته في المطالعة وتنقيح كتبه غير المطبوعة وفي هذه المرحلة الطويلة من العطاء الفني الراقي سقط القلم من يده المرتعشة عام 1962 وقد أعيته الشيخوخة والمرض وصمت صوته المدوي في دنيا الأدب بينما كانت أجراس مدينة جونية تودعه باكية عن عمر يناهز السابعة والسبعين.
كان محبا للكتاب جماعا للكتب ضمت مكتبته أكثر من ستة ألاف مجلدا بالعربية والسريانية والتركية.
من أشهر كتبه "مجددون ومجترون" الذي تناول فيه عددا من المواضيع منها قصيدة بشارة ألخوري في رثاء احمد شوقي وامتد كذلك إلى شعراء العراق وأدبائه ثم درس أدب ما وراء البحار اللبناني واعني بأدب المهجر أمثال جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي وأمين الريحاني وغيرهم.
أما قصته بتسمية ابنه فيقول "رزقت ولدا فسميته محمدا فقامت قيامة الناس فريق يستهجن ويقبح ويكفر وفريق يوالي وينتصر وكان اول من قدر هذا العمل وأعجب به اشد الإعجاب صديقه المرحوم أمين الريحاني ونظمت هذه القصيدة :
عشت يا ابني عشت يا خير صبي ولدته أمه في رجب
فهتفنا واسمه محمد أيها التاريخ لا تستغرب
خفف الدهشة واخشع إن رأيت ابن مارون سميا للنبي
أمه ما ولدته مسلما او مسيحيا ولكن عربي
والنبي القرشي المصطفى اية الشرق وفخر العرب
فإذا ما مت يا ابني في غد فاتبع خطوي تفز بالإرب
وعلى لحدي لا تندب وقل آية تزري بأغلى الخطب
عاش حرا عربيا صادقا وطواه اللحد حرا عربي
وبعث أمين الريحاني هذه العبارات وقال :
"أخي مارون عبود أصافحك بيد الحب والإعجاب وأهنئك بصبيك الجديد أحسنت يا مارون أحسنت وخير الآباء أنت أن المستقبل لهذا الجيل من الإخوان وفي مقدمتهم محمد بن مارون عبود اللبناني حرسه الله "
أخوك أمين الريحاني في 11/11/1929
وسرعان ما جاء الرد من المهجر العربي فقد بعث احد المسلمين واسمه محمد الحلبي تحية إكبار وإجلال إلى مارون عبود ورد التحية بأحسن منها
فسمى ابنه مارون محمد الحلبي.
اما المطران جورج خضر مطران جبل لبنان لطائفة الروم الارثوذكس الذي ولد بطرابلس الشام وترعرع بين المسلمين يقول : "لسنا كلنا مسلمين ولكن كلنا اسلاميون بمعنى ان هناك حضارة واضحة جدا الحضارة العربية الاسلامية ونحن كلنا ننتمي اليها".
ومع صوت العروبة الصارخ في ارز لبنان من ابي محمد مارون عبود انطلق صوت الكاتب العريق الاستاذ فنحي فوراني من حيفا في كتابه "مسيحيون ومسلمون تحت خيمة واحدة " والذي يدعو فيه خطابا وطنيا انسانيا عربيا لنعمل من المناسبات الدينية اعيادا وطنية قائلا: "الاضحى والميلاد وراس السنة افانيم تجلس جنبا الى جنب متاخية متحابة متالفة متكاتفة لها معنى واحد وروح واحدة".
هذا هو مارون عبود الماروني الاسلامي الجذور العربي المفاهيم التحرري الانساني العقيدة الذي تسامى مع ارز لبنان بلد الثقافة والحضارة العربية الاصيلة.هذا هو مارون عبود الذي حصل على الجوائز التقديرية العديدة والاوسمة الراقية والميداليات الذهبية لما قدم لمجتمعه العربي من مؤلفات ادب وشعر ونقد ونادى بالتاخي بين الاديان وخروجه عن المالوف بتسمية ابنه محمد ليكون قدوة انسانية حضارية نعتز ونفتخر بها للاجيال الحاضرة والقادمة.
