رقصة العاهرة

single

تباعد بين ساقيها ببطء، ثم ترفعهما عاليا، قبل أن تلقي الساق اليمنى على حافة المقعد، وتنتظر للحظات، ثم تقف بسرعة، وتطلق العنان لجسدها مرة اخرى لكي يتابع حركاته الهستيرية، التي لا تخلو من التحدي، ولا تهدأ إلا عند التصفيق والصراخ: هي تؤدي طقوسها الخاصة، التي طالما قامت على الجمع بين الفن والجنس والدين.. لكنها اختارت مؤخرا أن تختزلها في رسالة سياسية هادفة، تطلق من مكان لا يمكن أحداَ أن يخطئ مغزاه.
الجمهور يقرأ الرسالة بتمعن. يتابع بشغف انفراج الساقين، واهتزاز الردفين، لكنه يترقب المفاجأة الاخيرة التي وعدته بها: العلم الابيض والازرق يغطي الجسد الملتهب الذي يتلوى على المسرح، ويرفرف في الهواء الرطب تحت الأضواء الكاشفة، ليعلن أن اللقاء قد حصل فعلا، في تلك اللحظة الدرامية التي توّجت مسيرة سنين طويلة من المواعيد العابرة وعمليات الإغواء المتبادلة حتى زال كل أثر للفراق.
ما كان يبدو في الماضي مجرد حركة راقصة دأبت المغنية على أدائها حتى صارت من علاماتها الفارقة ومن طبائع جسدها، له الآن معنى مختلف. ثمة هوية جديدة تقدم نفسها، وتعلن التحاقها بتلك الجماعة الدينية الصغيرة، وتطلب الحصول على البركة، وتنادي بالساقين المنفرجين والمرتفعين، النبي يعقوب بالذات من دون سواه، لكي يحل عليها ويحلل لها ذلك الانتماء الى نسله ولو جاء متأخرا بعض الشيء. ولما جاءها الرد بالإيجاب صرخت بانتشاء ظاهر: «إسرائيل هي مركز الحيوية في هذا العالم، وهي محور السلام على هذه الارض».
قبل أن تصل الى تلك الذروة، كانت قد أوحت بأنها انما تعذب جسدها وعقلها. تطلعت الى البعيد البعيد لتجد أن ثمة فرقة صغيرة تسمى «الكابالاه» لا يدخلها إلا الراسخون في علوم التوراة والتلمود، ولما بلغت الاربعين، وهي السن المحددة للعضوية، بدأت رحلاتها المتكررة بحثاً عن الحقيقة المطلقة والمدفونة وسط الخرافات، الى أن وجدتها وهي في سن الرابعة والخمسين، واكتشفت أنها لا تفرض التخلي عن تلك الرقصة الماجنة، بل لعلها تستدعيها، وتعتبرها من طقوس التعبد أو ربما التقرب من ذلك النبي بالتحديد.
على مدى ست ليال متتالية رقصت مادونا في إسرائيل، ويقال إنها غنت ايضا، مع أن أحدا لم يسمع غناءها من قبل ولم يحفظ كلماتها أبدا. وفي اليوم السابع قررت أن ترتاح في ضيافة بنيامين نتنياهو، وأن تطلب منه أوراقها الثبوتية الجديدة، التي لم تستطع أن تحصل عليها من منافسته تسيبي ليفني في الليلة الفائتة. فوعدها بأن ينظر في أمرها، وأن يعمم رسالتها على الجمهور المتعطش لفكرة مختلفة يقارع فيها بقية الشعوب والأمم، ويبدد الانطباع السائد عن وحشيته وبربريته، من خلال فنانة أميركية شهيرة، عثرت على نفسها أخيرا وعلى تبرير ديني لرقصها العاهر.
هلل الجمهور الإسرائيلي لهذا الفتح الجديد، الذي يضفي على دولته معنى إيمانياً يقارب القداسة.

 

عن "السفير" اللبنانية

قد يهمّكم أيضا..
featured

العروس الإسرائيلية

featured

ما بين السجود والركوع

featured

نقاش مع الناقدة فريدة النقاش وآخرين

featured

ليتوقف مسلسل الغلاء!

featured

رسالة إلى الشيخ موفق طريف

featured

معارك كر وفر.. ميدانية وديبلوماسية

featured

رسالة ابو مازن الى اوباما !

featured

الملك سلمان – "هادم" السعودية