المدنيون الفقراء أول ضحايا مجرمي العدوان السعودي
- الغارات السعودية التي تجري كل يوم هي امعان في قتل المزيد من الابرياء وفي تحطيم البنى التحتية. وهذه الجرائم بحق الانسانية ليست ذات افق سياسي، فالحرب في النهاية لها اهداف سياسية، واهداف المعتدين بعيدة عن التحقيق
- اليمن ليس وحيدا، فقد اصبح احد اهم محاور المقاومة، فالمعركة واحدة، وفشل المحور المضاد بارز اليوم اكثر من اي وقت مضى، وقد ألقى الآن في الميدان بكل قوته واحتياطيّه وهو يقاتل معركته الاخيرة
يحتار المرء كثيرا كلما حاول ان يقيِّم تصرفات وسلوكيات الحكام الحاليين في السعودية، وبالذات في ادارتهم للحرب العدوانية على اليمن والمستمرة للاسبوع الخامس على التوالي دون توقف، والتي اتسمت بوحشيتها في استهداف المدنيين من اطفال ونساء، حتى ان الامم المتحدة ومسؤوليها حذروا من خطورة الاوضاع. كما ان المنظمات الحقوقية والانسانية دانت استهداف المدنيين والمدارس والمستشفيات والبنى التحتية بعبارات واضحة. فهؤلاء الحكام الذين اطلقوا "عاصفتهم" قاموا بمغامرة لم يحسبوا نتائجها، وقد حاولوا توريط الآخرين بها. وعندما لم يتحقق لهم ذلك ظلوا سادرين في غيّهم، وكأن لسان حالهم يقول: عليّ وعلى اعدائي يا رب...! فباكستان التي زجّوا باسمها في تحالفهم لها حساباتها، ولها مصالحها ولها مشاكلها، وظلّت بعيدة عن لعبتهم. ومصر التي ظنوا في لحظة من اللحظات انها في جيوبهم بعد تقديمهم الدعم المادي لها بعد التخلص من حكم الاخوان، مصر هذه وان جاملتهم كثيرا لم يكن معقولا ولا مقبولا ان تتورط في جنونهم الاعمى. فالرئيس السيسي قال قبل ايام للامير محمد بن سلمان- وزير الجيش السعودي، إن مصر لن ترسل قوات برية الى اليمن. فقد كان رهانهم كبيرا على مصر بأن تقوم بإنزال قواتها في ميناء عدن، لاعادة الرئيس الهارب عبد ربه منصور. وعندها قد يقول حكام السعودية ان حملتهم على اليمن حققت اهدافها باعادة الشرعية الى هذا البلد.
لكن الذي حدث ان ايًّا من الأهداف المعلنة والمخفية لهذه الحرب لم تتحقق ولن تتحقق، لا في الاسابيع الخمسة الماضية ولا في كل الاسابيع القادمة. وهذا يعتبر فشلا ذريعا لهذا الحلف الدنس، الذي اصبح هشّا وتتراخى اطرافه يوما بعد يوم. فالإمارات لم تعد بنفس الحماس الذي كان مع بداية هذه الحرب. والسعودية تبدو وحيدة في هذا المستنقع الذي قد تغرق فيه. والخلافات داخل العائلة المالكة اخذت تطفو على السطح، والاصوات المغايرة تظهر على العلن. فالامير مقرن بن عبدالله- نجل الملك السابق وقائد الحرس الملكي، هو صاحب التململ هذا داخل مملكة آل سعود. واصبح هؤلاء يدركون ان الدائرة قد تدور عليهم لسوء التصرف، والامعان في التعجرف والكبرياء. وللحقيقة فان قرار مجلس الامن بأغلبية 14 صوتا وامتناع روسيا عن التصويت، كان لصالحهم الا انهم لم يستفيدوا ولم يستثمروا الفرصة الذهبية التي اعطتهم اياها روسيا بعدم استخدام حق الفيتو، حتى ينزلوا عن الشجرة العالية التي صعدوا اليها. فالرئيس بوتين كان واضحا مع الملك السعودي الذي اتصل به مؤخرا، حيث طالبه بانهاء العدوان على اليمن وعدم المغامرة بحرب برية هناك، لان الحل الوحيد هو الحل السياسي وعبر الحوار بين اليمنيين انفسهم. واذا كانت الدبلوماسية الروسية قد اعطتهم الفرصة، فان ذلك لمرة واحدة وبعد ذلك فلكل حادث حديث.
والشيء اللافت للنظر ان الامريكيين، وان كانوا يدعمون السعودية لوجستيا واستخباراتيا وفي كل المجالات، فانهم غير راضين عن اداء "الحليف" السعودي. فقد قالوا بصريح العبارة إن "القاعدة" هي المستفيد الوحيد من هذه الحرب. كما ان الامريكيين قاموا بسحب احدى حاملات طائراتهم وبارجة اخرى من خليج عدن، بينما دخل هذا الخليج الاسطول الرابع والثلاثون الايراني. فالامريكي يدرك ان هذه المغامرة جاءت للضغط عليه، لكي لا يتم الاتفاق النووي مع ايران. لكن على ما يبدو فان هذا الاتفاق سيكون نافذا في نهاية شهر حزيران القادم، رغم صراخ كل من حكام السعودية واسرائيل. وامريكا لا تتصرف بغباء كما يتصرف هؤلاء الحكام المغامرون الفاشلون، لان مصالحها العليا فوق كل اعتبار.
*العالم والفاشلين!*
وفي هذا الجو العابس، أمام أقطاب العدوان على اليمن، وأمام انغلاق الأفق السياسي في وجوههم، فان العالم على علاته لا يمكن ان يساند هؤلاء الفاشلين، والخوف من قيامهم بعملية انتحارية ان هم قرروا الغزو البري لليمن. فالضربات الجوية المستمرة قد استنفدت اغراضها منذ مدة، والغارات التي تجري كل يوم هي امعان في قتل المزيد من الابرياء وفي تحطيم البنى التحتية. وهذه الجرائم بحق الانسانية ليست ذات افق سياسي، فالحرب في النهاية لها اهداف سياسية، واهداف المعتدين بعيدة عن التحقيق. واذا كانت القيادة اليمنية، التي تدير المواجهة، قد امتلكت حتى الآن قسطا واسعا من سعة الصدر والكثير من الصبر، لم تستخدم حتى اللحظة حقها في الدفاع عن النفس بنقل المعركة الى ارض المعتدين، او ضرب مراكزهم ومنشآتهم العسكرية والاستراتيجية. وهم يعترفون ان الحوثيين يملكون ترسانة من الصواريخ البالستية التي تستطيع ان تضرب اي مكان داخل السعودية. والسيد عبد الملك بدر الدين الحوثي- حكيم اليمن وقائدها الشجاع، ما زال كاظما غيظه لعل حكام السعودية يتراجعون، وهو حريص بأن يعطيهم حبل النجاة وان يتراجعوا "بكرامة" قبل ان ينفد صبره وصبر انصار الله وبقية القوى الثورية في اليمن. لكن للصبر حدودا، وحين تجيء فان غضبة اليمن ستكون موجعة.
واليمن كما ينبغي ان يفهم الجميع ليس وحيدا، فقد اصبح احد اهم محاور المقاومة، وهذا المحور لن يتخلى عن اليمن مثلما لم يتخلّ عن سوريا او العراق، او المقاومتين الفلسطينية اللبنانية. فالمعركة واحدة، وفشل المحور المضاد بارز اليوم اكثر من اي وقت مضى، وقد ألقى الآن في الميدان بكل قوته واحتياطيّه وهو يقاتل معركته الاخيرة. وهذا ما يفسر تدفق مئات المسلحين المدعومين من تركيا الى مدينة جسر الشغور في سوريا، وغالبيتهم من الشيشان والافغان. تماما كما فعل من قبل حين زجّ بأكثر من عشرة آلاف من هؤلاء المسلحين للسيطرة المؤقتة على مدينة ادلب السورية. وايادي حكام السعودية في هذا التصعيد الخطير كأنهم يريدون ان يقولوا اننا لن نستسلم، لا في سوريا ولا في اليمن، لكن ذلك يؤكد على فشلهم الاستراتيجي.
*الى الانتحار..*
ولأنه من الصعب ضبط سلوك هؤلاء المتهورين المغامرين، فان كل شيء من طرفهم وارد في الحسبان، سواء كان معقولا او غير معقول. لقد قلت من قبل انهم قد يجرّون انفسهم الى الانتحار اذا ما جرّوا المنطقة الى بحر من الحروب والدماء. وهم مهيأون نفسيا لذلك، لكن لا احد عاقلا في هذا العالم يرى ما يراه هؤلاء الخارجون من كهوف التعصب والفكر الظلامي، لان العالم مبنيّ على توازنات قد لا تسمح لهم بتجاوزها. لكن المشكلة التي تبقى هي تلك المجاميع الارهابية الاجرامية التي جاؤوا بها من كل حدب وصوب، فهي مشكلة المشاكل ليس في المنطقة وحدها، وانما على مستوى العالم اجمع. وقد اكتسبوا مهارات وخبرات، ولا تزال جمعيات "الخير" و"البرّ والتقوى" في دول الخليج المموّل الرئيسي لهم. والتعامل مع هذه الظاهرة، حتى يتم اجتثاثها، سيستغرق كثيرا من الوقت. وقد يكون من اولويات المجتمع الدولي في الفترة القادمة، بعد ان استشرى الخطر واصبح يهدد الجميع..!
