أضناه الندم وعذلته نفسه، فقال في داخله والمرارة تخزّه والإحباط يلفّه: "كان عليّ أن أصمد وأحاوره حتّى أفحمه وأظهر له خطل أفكاره وعقمها." فأحدث ذلك اضطرابًا في نفسه وصدمة أنسته تلك الصدمة التي تجرّعها بالأمس من الموظّف الذي كان يختم جوازات السفر عند مدخل الميناء. عندما تقدّم بجواز سفره وراح الموظّف يمعن النظر فيه ويطيل الإمعان والتدقيق، ثم رمقه بنظرة حاقدة وطلب منه التنحّي جانبًا، استأنف الموظّف عمله وهو يسارع بختم الجوازات للمسافرين وعبد السلام يتلظّى في الشمس ينتظر مضطربًا اقتراب ميعاد ابحار السفينة وأخذ هديرها يعلو شيئًا فشيئًا فثار غضبه وهاج، فهمّ أن يصرخ بالموظف، فتأزّر بالصبر، تلافيا لذريعة قد ينتحلها الموظف ليعيق سفره.
انقطع سيل المسافرين فاستدعاه الموظف وأدخله غرفة يجلس فيها رجلان. طلب منه خلع ملابسه ليبقى بملابسه الداخلية، وراحا يتحسّسان جسده حتى المواقع الحسّاسة. وبعد اغراقه بنظراتهما الجاحظة، حرّراه وعاد الى الموظف. انهال يمطره بوابل من الأسئلة التافهة والسخيفة الاستفزازية وهو يتفحّص الجواز. كان سؤاله الأوّل له "اسمك؟" احتج عبد السلام قائلا "كل التفاصيل مسجّلة في الجواز". فنهره صارخًا "اخرس! أنا أسأل وعليك أن تجيب. هل فهمت؟ هذا شغلي."
كان اللافت لعبد السلام اهتمام الموظّف اهتمامًا كبيرًا بمعرفة عنوان اقامته، اسم الفندق الذي سينزل فيه، حاول أن يراوغ ويتهرّب، لكن دون جدوى.
عادت به الذاكرة في هذه الأثناء الى استدعاءات الحاكم العسكري ورجال المخابرات له والأسئلة الاستفزازية التي كانت تنهمر عليه. وظل الموظف يماطل ويسائله حتى بلغ هدير السفينة أوجه، فكفّ عن مساءلته، حرّره والغيظ يفيض من عينيه. غذّى عبد السلام السير وصعد السفينة، وكانت سارة، زميلته في الرحلة، تنتظره بفارغ الصبر.
أزفت ساعة الإبحار، فاطلقت السفينة زعيقًا قويًا أجفل الطيور البيضاء التي كانت تعوم في مياه الميناء. تحركت السفينة وأخذت تمخر عباب البحر. غادر عبد السلام غرفته لينضم الى جمهور المسافرين الذين اعتلوا ظهر السفينة، يمتعون أنظارهم ببهاء الأفق البعيد الخلّاب، جمال البحر وزرقته الجميلة الخلابة، وأمواجه العاتية التي تلاطم جدار السفينة بلا كلل أو ملل وشذرات الرذاذ تتطاير بلا هوادة تلفح الوجوه فتخفف من وهج الشمس التي سلّطت أشعتها في يوم صيفي على لجّة البحر، فينبعث منها بريق كبريق اللآلئ يبهر النظر.
كانت الشمس في عجلة من أمرها فسارعت الخطى نحو المغيب، وراحت تخيط لها رداءً قرمزي اللون. ما لبثت أن توشحت بحلة حمراء، تكورت بداخلها وراحت تسقط رويدا رويدا، اضمحلت وغابت "تجري في مستقر لها."
خيم الليل ومع اشراقة شمس الأصيل حطت السفينة رحالها في الميناء. غادر المسافرون السفينة، سارع عبد السلام وأخذ سيارة أجرة تقلهم الى العاصمة. في ظهيرة ذلك اليوم عاد عبد السلام وسارة بعد جولة في ربوع العاصمة ودخلا بهو الفندق، فوجداه يعج بالنزلاء من قوميات وأقطار شتى، من بينهم من الأقطار العربية. انشرح صدره، وشعر بنشوة تغمره، في حين اعترى سارة شيء من الريب والتوجّس فسارعت الى غرفتها وأوصدت الباب. ظل عبد السلام يتحيّن الفرصة المؤاتية ليتقدم من النزلاء العرب، يلتقي بهم ويستأنس بمجالستهم، وفي غمرة هواجسه، دهمت بهو الفندق صبية سمراء، حاسرة الكتفين والساقين، أخذت تنظر يمنة ويسرة، تمعن النظر بالنزلاء. وقع نظرها على عبد السلام، اقتربت منه وأخذت تتفرس وجهه، تنحت جانبا وما لبثت أن عادت وجلست على الأريكة التي يجلس عليها. لفت الساق على الساق وراحت تتأفف. أشعلت السيجارة وأخذت تنفث الدخان بعصبية وقوة، رفعت وتيرة تأففها. عبد السلام لم يحرك ساكنًا، ينظر الى تصرفها باستهجان. ما لبثت أن كسرت الصمت لتقول "كنت على موعد مع صديق تركي الجنسية، نكث بوعده ولم يحضر. اسمي نادية، عراقية الأصل." تظاهرت بالمسكنة والاحباط "فما رأيك أن ترافقني، نخرج ونتنزه، فتخفف عني وطأة ضائقتي؟" استهجن طلبها واستغربه، قطّب جبينه وكان رفضه سريعًا وحازمًا. عادت والحت فعاد على رفضه الصارم، ولما أخفقت في مسعاها، جحظته برمقات غاضبة وفرت من البهو الى غير رجعة.
نهض واندفع بتلهف المشتاق، يلفه حماس كبير وأقدم نحو النزلاء العرب. وقع نظره على شابين أنيقين، وسيمين، أسمرين، فارهي الطول، أقدم واستأذن والبسمة تغمر شفتيه والحبور يملأ صدره عرف عن نفسه أنه شاب عربي فلسطيني من البقية الباقية من العرب في فلسطين سنة 1948، يقطن في اسرائيل. مد يده ليصافحهما، إربدّ وجههما وعقدا حاجبيهما وأحجما عن مصافحته ولم يكترثا لقدومه أو حديثه. تصدّى أحدهما بنبرة تنم عن أنفة وكبرياء "أنت صهيوني ونحن لا نصافح ولا نجالس الصهاينة الذين احتلوا أرضنا سيناء ولا زالوا يغتصبونها ويحتلونها منذ سنة."
عاد عبد السلام على ما قاله "أنا عربي فلسطيني، أنتمي الى تنظيم سياسي وقف ضد الحرب والآن يناضل ضد الاحتلال ومن أجل الانسحاب الكامل من كل الأراضي المحتلة." عاد الشاب ليقول "أنتم تسكنون في دولة وهي دولة صهيونية وكل من يقطنها فهو صهيوني." اسودت الدنيا في عينيه ووقع كلامهم على عبد السلام كالصاعقة، أطرق قليلا، خفق قلبه وتصبب العرق من جبينه واحمرت وجنتاه وشعر بالدم يتدفق في عروقه، أدبر راجعًا مهيض الأمل يجر أذيال الخيبة وراءه.
جن الليل وأخذ النزلاء يتوافدون الى البهو، تبرجت سارة وخرجت بعد أن انتزعت شعور التوجس من داخلها وهي صبية ناهدة شقراء اللون، عينان واسعتان زرقاوان، ممشوقة القد، ضامرة الخاصرتين، صهبائية الشعر، تضوع منها رائحة عطر شذية، بملابس قصيرة كشفت مفاتنها، تتهيأ لحضور حفل ساهر، غناء ورقص في احدى قاعات الفندق.
نظر عبد السلام الى ساعته، تناول رقعة شطرنج وجلسا وراء المنضدة، يتنازلان في اللعب، وكان الشابان العربيان يذرعان البهو ذهابا وايابا، وأخذت نظراتهما تعب من بهاء سارة وتلتهم مفاتنها، ذراعان عاريتان كأعواد النّد، وساقان كالعاج وصدر كروضة فيها رمانتان نافرتان، عبّا منها حتى الثمالة، فأضرمت النار بداخلهما وفاضت الشهية وسال اللعاب وراحت أشداقهما تتلمظ، أحاسيسهما هاجت ولم يستطيعا كبحها. فوقفا على الذراع على حين غرة ألقيا بظلالهما تحت أنوار البهو الساطعة على عبد السلام وسارة، وبصوت خفيت ووجه كالح تطفل أحدهما وطلب من عبد السلام لو تسمح له زميلته اللعب معه ومنازلته. نظر عبد السلام اليهما بتقزز واستهجان وهو يزُمّ شفتيه ثم انفجر ضاحكا وقال في داخله "شر المصائب ما يضحك" وقال: "سقط القناع وانهارت الوطنية الزائفة التي تسلحوا بها وطعنوا كرامتي عند الظهيرة وها هي تنهار وتتهاوى هشة، مهشمة في الليل عند ساقي سارة."
حان وقت السهرة، فصدحت الموسيقى تشنف الآذان.
(عرابة)
