الرجل الشرقي يسقط كل ما يعانيه من عقد النقص والفشل على المرأة والتي هي أيضا ترعرعت وانغمست في ذهنيتها أن الذكر هو السلطة المطلقة وهي من واجبها الطاعة والتبعية في كل الأمور
المرأة في المجتمعات الشرقية أكثر معاناة من مختلف اشكال الاضطرابات النفسية بأنواعها المختلفة، خاصة الكآبة والقلق والفزع أكثر من الرجال مقارنة بالمجتمعات الصناعية.
وتعود هذه الأسباب إلى عدة عوامل أهمها ممارسة عقدة الذكورة والقمع -الموروثة اجتماعيا- الراسخة في ذهنية الرجل الشرقي بشكل عام.
إن الرجل الشرقي، يسقط كل ما يعانيه من عقد النقص والفشل على المرأة والتي هي أيضا ترعرعت وانغمست في ذهنيتها أن الذكر هو السلطة المطلقة وهي من واجبها الطاعة والتبعية في كل الأمور وفي ذلك مخالفة إلى الشريعة الدينية الإسلامية لأن مفهوم القيامة للرجل (الرجال قوامون على النساء) أي بمعنى العناية والإنفاق عليهن وليس معناها التسلط، وتتنوع أشكال القمع من العنف اللفظي والجسدي، والتبخيس، والإهمال والاستلاب المالي والاقتصادي لحقوقها ومنعها من إنشاء مشاريع إنتاجية خاصة بها والاستلاب التعليمي فهي في عقلية الرجل الشرقي لها الدور الثانوي بعد الذكر نتيجة لما يعانيه إنسان هذه المجتمعات من التخلف الفكري، وقد استغل الذكور سوء وتأويل تفسير بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لتجييرها لصالح عقدة الذكورة كي يبقوا في موقع التسلط.
فمثلا الذكور لهم الأولوية في اختيار الدراسات المرموقة، كالطب والهندسة. وأما الأنثى، فلها الدراسات المتدنية كالعلوم الإنسانية والأدبية والتي تؤهلها فقط لان تكون في المراتب الدنيا من المستوى التعليمي والسلم الوظيفي والاجتماعي فهي ذهنيته المتخلفة يراها بمنظار أنها آخرها ستتزوج فعلمها لزوجها ولذلك يتنصل تعسفيًا وقمعيًا من إعلاء شأنها في التعليم والمهن فهذه الممارسة ما هي إلا نوع من التبخيس لشأن المرأة.
والأمر الآخر الذي يجعل المرأة أكثر عرضة للاضطرابات النفسية فهو ما زرع في عقليتها من الثقافة الاجتماعية المغلوطة التخلفية منذ نعومة أظفارها.. إنها ثقافة "إن المرأة ليست حريِة بالحوار والمناقشة والاستشارة والأخذ برأيها".
ومن هنا تنطلق العبارات الشعبية المتخلفة" "المرأة تبقى امرأة مردها إلى زوجها، قليلة العقل قليلة الدين"، تلك الأحاديث التبخيسية المسقطة على المرأة بسبب ما يعانيه الذكور في المجتمع الشرقي من عقدة التسلط مما يجعل المرأة في خيارات ضيقة هامشية في اغلب الأحيان من ناحية الزواج والتعليم والامتلاك والاقتصاد وحرية التعبير عن الرأي والمشاركة السياسية والاجتماعية... الخ، وللأسف فقد وقع الكثير منهن في هذا الموروث الاجتماعي المتخلف وأصبحن في حالة تقبل ورضوخ لكل السلوكيات القمعية من الذكور، ونتيجة لهذه الوضعية المأزقية تترسخ في كيانها النفسي عقدة (الدونية)، أنها ترى أنها اقل كفاءة وذكاءً وإنتاجًا و شأنًا من الذكر وتهتز ثقتها بنفسها فتعاني من الإحباط والقلق والكآبة الظاهرة أو الكامنة والذي يشعرها دومًا بالضعف إنها «الولية» كما يطلق عليها الذكور. ولذلك تبقى خميرة جيدة للمتسلطين في هذه الوضعية.
لذلك نجد أن المرأة العربية خاصة وكما تشير الدراسات أكثر لجوءًا وإيمانًا بالسحر والشعوذة والطعم والعمل والمس والجن.. الخ. لعدم قدرتها عن التعبير عن مكنونات نفسها بشكل سوي وعادل، أو نتيجة لما تتعرض اليه من تعنيف وإهمال أو تجيير الكبت إلى العنفوان الممارس على الأولاد والزوج، او السقوط والاستلام في استسلام في مستنقع الكآبة والصراعات النفسية وتأزم الخلافات الزوجية والتصدع الأسري وبالتالي العنف الأسري واضطراب الأمن الاجتماعي. تلك هي الإسقاطات النفسية على الكائنات الغيبية تشعرها بنوع من التوازن النفسي الوهمي من خلال العقل الباطن المكتنز بالكبت النفسي. وهي في نفس الوقت تورث هذا السلوك لأبنائها. ومن ناحية أخرى فإن المرأة في المجتمعات الشرقية أكثر اضطرابا نفسيًا من الرجل بسبب تحميلها الثقافات العيبية وثقافة الرضوخ والاستسلام حتى على الأخطاء.
ومن المعروف طبيًا وحسب النتائج والدراسات والبحوث الغربية والشرقية والتي أظهرت أن المرأة أكثر معاناة من الآلام الجسدية النفسية (ليست لها أسباب عضوية) فهي بسبب هذا الكبت النفسي، فما هو مخزون في العقل الباطن يسقط على الجسد بصورة الآلام واضطراب وظائف أجهزة الجسم المختلفة.
إنها تقدم معاناتها عبر كيانها الجسدي فهي تحمله(من خلال العقل الباطن) كل المآسي والإحباطات والتوتر المتراكم بمثابة العرضة للإنقاذ والاستنجاد ولذلك نراها في معظم الأحيان بأعراض نفسجسدية تتنقل بين القطاعات الطبية المختلفة دون الوصول إلى سبب عضوي ذلك ما يعرف بالسايكوسوماتية تصل درجة المعاناة منه لدى المرأة في مجتمعات دول العالم الثالث الى اكثر من 40% من المراجعين في العيادات في كافة الاختصاصات، دون وعيها بأنها تعاني من اضطراب نفسي انعكس عليها بإحساسات جسدية (من خلال النواقل العصبية كالأدرينالين والكورتيزون) فهي تتوسل وبلا وعي كل أنماط الإنقاذ والتعاطف والبعد عن المسؤولية في أداء واجباتها فيصبح جسدها الشماعة التي يسقط عليها كل نفايات القمع الذكوري النفسي وبنفس الوقت تحقق لها نوعًا من التوازن النفسي الوهمي المؤقت... إنها مريضة جسديًا وتعاني نوعًا من العجز.
ومع أن بعض الباحثين يشيروا أن التكوين البيولوجي والنفسي للمرأة كالنواحي العاطفية والرومانسية والطمث والحمل والولادة ومسؤولية تربية الأولاد وما يسمى بسن اليأس ذو دور هام في إصابة المرأة بالأمراض النفسية إلا أن واقع نتائج الأبحاث الواسعة والحديثة تقلل كثيرًا من دور هذه الأمور في تعرض المرأة للإصابة بالأمراض النفسية مع عدم إنكارنا لهذه العوامل التي تمر بها المرأة حيث أن لها دور استحثاثي وليس دور رئيس في الإصابة المرضية النفسية. فما اجهل من الرجل الشرقي الذي يمارس القمع والتسلط ضد المرأة.
فهو يقمع المرأة وينال من شخصيتها ويريدها أن تكون تبعية له منقادة لا كيان مميز لها يفقدها كثيرا من عوامل النمو الفكري والثقافي والعلمي والاجتماعي والعاطفي والعملي وبنفس الوقت يطلب منها أن تكون بأفضل هذه الأحوال!
فهو لا يرقى بها لان تكون زوجة بناءة أو ابنة بناءة بل يحرمها من ذلك، ولا يدرك انه في هذه الحالة يخرب بيته بيده فكيف يريد أن يرى أبناءً في تنشئة سليمة وصحية وبناءة نفسيا وأكاديميا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا وهو يمارس كل أساليب القمع والقهر والتبخيس أو التعنيف؟!
في ظل هكذا وضعية لن ترقى المرأة بنفسها، إلا حينما تحظى بالرعاية والحنان والدعم والتشجيع وترفع عنها قيود القمع والنظرة الدونية. ولن تكون في حالة سوية على جميع المستويات ولن تخرج أجيالا بناءة مبدعة وخلاقة بل العكس تمامًا اجيال تحمل وسائل القمع والتبخيس والتبعية والجهالة والانغماس والتخبط في جميع مجالات الحياة إن لم يرفع عنها ممارسة القمع والتعنيف وتحاط بالمودة والرحمة والتفاهم ويتقبل حوارها ومشاركتها الرأي وإعطائها الدعم المعنوي النفسي المحفز البناء.
* مستشار أمراض عصبية ونفسية (الأردن)
