فتح : حذاري من التخلف

single

كان الماضي مشرفاً لأولئك الذين سقطوا وإن كان بعضهم مازال على الطريق : حسني مبارك كان أحد أبطال حرب أكتوبر المجيدة . وزين العابدين كان شجاعاً ضد الاصولية ومن أجل العصرية والمدنية . ومعمر القذافي محرر ليبيا من القواعد الاستعمارية . ولكنهم كغيرهم سقطوا في الفساد والأحادية ونظرية الحزب القائد والتسلط ورفض الآخر وعدم إحترام صناديق الاقتراع والاعتماد على الأجهزة الأمنية لكبح جماح المعارضة وقمعها وعدم توسيع شبكة الامان بعدم توسيع قاعدة المشاركة ، فكانت النتيجة كنسهم مطرودين ، وأحزابهم الدستوري التونسي ، والديمقراطي المصري ، ولجان القذافي الشعبية إلى الحضيض والاختفاء والمطاردة وبعض قياداتهم إلى المحاكمة .

ماضي حركة فتح مشرف ، فهي صاحبة الانطلاقة ، وتطوير الجبهة الوطنية المسماة منظمة التحرير ، وصاحبة الإنجازات ، ومبادرة أوسلو للعودة إلى الوطن وغيرها ، ولكنها صاحبة الإخفاقات في الانتخابات البلدية عام 2005 ، وفي الانتخابات البرلمانية عام 2006، وفي الهزيمة أمام الانقلاب عام 2007 ، والعجز في استعادة قطاع غزة إلى حضن الشرعية وغيرها من الإخفاقات والهزائم المتكررة ولا زالت ، عاجزة أمام تغول العدو وتفوقه ، وعدم قدرتها على استنزافه وجعله احتلالاً مكلفاً سياسياً وأخلاقياً ومعنوياً على الأقل.

وكبار مناضليها تحولوا إلى كبار الموظفين ، وصغارهم إلى صغار الموظفين ، وتحول أبو عمار وأبو جهاد وأبو إياد وغيرهم من القادة إلى ذكرى للتوقف عندهم للادعاء بالصلة بهم ، أو للاختفاء خلف تضحياتهم ، أو للترحم على ماضيهم ، وهذا كله لن يفيد ولن يشبع الجوعى ، ولن يفيد المعذبين بنار الاحتلال ونار الانقلاب .

وهكذا باتت فتح تقع بين سلسلة الإنجازات وسلسلة الإخفاقات ، ولم يكن يرفع من قيمتها وتضحياتها ويرسخ دورها القيادي إلى جانب فصائل المقاومة سوى المستقلين الذين سجلوا بشجاعة دورهم المشرف في التاريخ الفلسطيني بالإنحياز لقضية شعبهم ولمنظمة التحرير .

في سبعينيات القرن الماضي ، وبعد هزيمة فصائل المقاومة في الأردن في أيلول 1970 وتموز 1971 ، لم يرد الاعتبار لفصائل المقاومة ولمنظمة التحرير ، سوى المستقلين وذلك عبر موقفين ، هما :

أولاً : حينما استقبل المرحوم الملك حسين 11 شخصية من أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني المقيمين في الأردن في نيسان عام 1972 ، ولم يكن واحد منهم من فصائل المقاومة لأن أبرز قياداتنا كانت معنا في الجفر صالح رأفت وغازي الخليلي وحمدي مطر وعزت أبو الرب " خطاب "  ، والذين استدعاهم الملك حسين وعرض عليهم فكرته ، وأذكر منهم المرحومين ابراهيم بكر وعبد الحميد السائح وياسر عمرو وداود الحسيني وأطال عمره بهجت أبو غربية ، وعرض عليهم الملك حسين صيغة المملكة العربية المتحدة، وكان ردهم الجماعي " أن من يتحدث باسمنا والناطق بلساننا ، هو ياسر عرفات رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير المقيم في حي الجامعة العربية في بيروت " ، وترك الرد الحاسم أثراً لم يمحى من ذهن الملك وقراراته ، وكانت شجاعة هؤلاء وصلابتهم كافية لوقف المشروع رغم أن السادات في ذلك الوقت أعلن تاييده للملك حسين علناً في مشروع المملكة العربية المتحدة .

وثانياً مواقف القيادات الفلسطينية بالداخل حينما صاغوا وثيقة وقّع عليها 106 شخصية من المقيمين داخل الوطن منهم بسام الشكعة وعبد الجواد صالح وكريم خلف وفهد القواسمي والياس فريج ورشاد الشوا ومحمد ملحم وسميحة خليل والدكتور حنا ناصر وغيرهم ، وتقول أن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني ، وهكذا انتصر ياسر عرفات على السياسة الأردنية وهزم المرحوم الملك حسين بإرادة هؤلاء المستقلين الذين كانوا حائط الصد على مشاريع الاحتلال داخل الوطن ، وكانوا الرافعة الوطنية لمنظمة التحرير وفصائل المقاومة داخل وخارج الوطن ، في مواجهة خصوم استقلالية قرار منظمة التحرير وحق تمثيلها لشعبها الفلسطيني ، وتجسد ذلك بقرارات القمة العربية في الجزائر 1973 والرباط 1974 .

واليوم لا يفهم بعض قادة فتح أهمية المستقلين في مواجهة الاحتلال وفي مواجهة الانقلاب ولإعطاء المصداقية لبرنامج فتح وبرنامج المنظمة، ولروح الوحدة الوطنية وتوسيع قاعدة الشراكة والإسهام في معركة الاستقلال الوطني .

لا يفهم بعضهم أن من كان يعمل مع ياسر عرفات ، ليس  بديلاً عنه ، ومن كان يعمل في مكتب أبو جهاد لا يمكن أن يرتقي لمرتبته ، حتى ولو أخذ موقعه في المجلس الثوري أو اللجنة المركزية ، ولندقق بتجربة الرئيسين ياسر عرفات ومحمود عباس ، فكلاهما من طينة مختلفة وأن كانا رفاق درب ، وأبناء تنظيم ، وأعضاء خلية واحدة ، فكيف سيكون مع الآخرين ؟؟

فتح ، لا تحتاج لعمل المؤسسات فحسب ، ولكنها تحتاج للروح التي كان يحركها ياسر عرفات ويطبخها ويمررها ويشيع فيها الحياة كأم رؤوم دافئة لفلسطين وللشعب وللفصائل وللمستقلين .

h.faraneh@yahoo.com

قد يهمّكم أيضا..
featured

على مثل أبي أشرف نبكي

featured

تحوّلات بعضها نحو الايجابي

featured

كاسترو واجترار الدعاية الأميركيّة

featured

في الذكرى الأربعين لوفاة طيب الذكر" أنيس زهران "

featured

اليوم، الـ29 من تشرين الثاني: قرار التقسيم ويوم التضامن مع شعبنا الفلسطيني

featured

دقت ساعة العمل

featured

الحذر ... عنصرية منفلتة