في الخامسة والستين من العمر، لم تخرج الى التقاعد ولن تخرج، تبقى تطل علينا كل صباح في فصول السنة الاربعة، وفي وهج الصيف وزمهرير الشتاء مع انفاس الربيع وزفير الخريف، وكلما "عتقت" تظل لها نكهة شوارع القدس العتيقة، والنبيذ المعتق، ولمن لا يتعاطاه، كالزيت المعتق، من الزيتون السوري الصوري العريق، ترياقا ضد سم الافاعي، وليست قليلة الافاعي السامة: يزحف الافعوان على شكل حرب وعدوان وتشريد وقتل واحتلال واضطهاد وعنصرية وفاشية.
وهي منذ اطلالها على الحياة ترفع شعار التحذير والتحدي واليقظة من الوقيعة والنكبة، ومن العدو المثلث الاضلاع الذي صنع الوقيعة والنكبة. احد اضلاع المثلث اغلقها، وحرض عليها وحاربها الضلعان الآخران، وكم من رفيق درب لها سجن ولوحق وعذب لانه حاملها وناشرها.
واجهتها هزات وعواصف ورياح سموم كادت توقعها، لكن ضمائر وايدي اصحابها واصدقائها وكل محبيها ساندت وصانت. صمدت لانها اصيلة، لانها جزء من شعب حي لا يفنى ولا يموت ولا يأكله حوت، ظلت تصدر في المدينة الكرملية التي رأت فيها النور، بعض المتوجسين الهلاميين يترفعون عن تعريفها كما هي، يغمطون أصلها، يتجاهلون الشيوعيين ولذلك ينخفضون ويسفلون، فالاتحاد الحيفاوية هي انت حاملة شعار: يا عمال العالم اتحدوا.
فها هو الحزب الذي اصدرها يحتفل بتسعين سنة على تأسيسه وقد مرّ هو الآخر بمحطات ومطبات في منتهى الخطورة وصمد، تجرح ولم يقتل ولن. البعض اطلق النعي المتشفي والرثاء الزعاف، وهذا البعض كذاب، خاب امله الدنس. وهذه الشبيبة الشيوعية تحتفل بثمانية عقود ونصف على تأسيسها وهذه الجبهة المساهمة بهذا الحمل المشرف تكتسب العراقة عاما بعد عام. وهذا الشعب الغالي، جمل المحامل باق في ربوعه لا يحول ولا يزول.
وكم من مظلوم ناصرته ونصرته وكم من مبدع شاركت في ابداعه، وكم من معارف وقيم انسانية أممية ثورية آتية من ارجاء العالم عبقت ونشرت صفحاتها باللسان العربي العريق الضخم، يصونها هذا الخط الاممي. وما التصفيق لها الا نشيد الامتنان لدورها وبقائها. وكما قال "غوغول":
سيري في طريقك اكثر حيوية، ولا تتكدر روحك من اللوم والعتاب- وهناك الكثير منه- وتقبلي بسماحة الاشارة الى النواقص- وهي ليست قليلة.
سيري فالزمن يطحن كل شيء، الكاذب منها يتطاير كالقشور، وتبقى الحقائق الدامغة كالحبوب الصلبة، واكرر: السمك السابح مع التيار قد يكون حيا، وقد يكون ميتا، اما السمك السابح ضد التيار فلا يمكن الا ان يكون حيا.
