المتابع العادي لتطوّر شخصيّة بنيامين نتنياهو-بيبي، رئيس حكومة إسرائيل يرى مثالا تقليديّا للشخصيّة المضطربة، لا نحتاج بأن نكون متخصّصين بأحد العلوم النفسيّة أو التربويّة أو الاجتماعيّة أو السياسيّة أو...لنكتشف اضطراب شخصيّة بيبي.
يدلّ على سلوك شخصيّة بيبي المضطربة إخفاقاته السلوكيّة وفق معايير المجتمع الدولي.
تقرّ الشخصيّة العاديّة بحاجتها إلى المساعدة والتضامن والتكافل والدعم و...أمّا بيبي فيشعر في داخله بأن كلّ القيادات الدوليّة، بدون استثناء، قد تخلّت عن الشعب اليهوديّ إبّان الحرب العالميّة الثانيّة وتركته فريسة للوحش النازيّ، وبأنّ الخسارة في العيال والمال كانت من نصيب الشعب اليهوديّ فقط! لذلك لا يشعر بيبي بالقلق إزاء سلوكه السياسيّ الفاشل في العلاقات الدوليّة؛ إنّه يفشل في الحفاظ على اتفاقيّة السلام مع الأردن، ويعمل على إلغاء اتفاقيّة السلام مع مصر، وأفشل الاتفاقات والعمليّة السلميّة مع منظمة التحرير الفلسطينيّة، كما قضى على المفاوضات وحلّ الدولتين، وأبعد المفاوضين والمستشارين الاستراتيجيّين الجديّين من طرفَي النزاع، وهو يفشل في بناء الثقة المتبادلة في العلاقات مع الحليف الرئيس لإسرائيل...؛ فهو لا يثق إلّا بنفسه ويطرب لمن يصفّق له و"يسلطن" لسماع صوته.
أرجو ألّا يُفهم من كلامي بأنّ بيبي يجهل معايير المجتمع الدولي؛ لا .. فبيبي يعرف جيّدا هذه المعايير، لكنّه لا يقبلها؛ فهو"فرفور ذنبه مغفور" يتصرّف وفق قواعد خاصّة به.. إذ تتحكّم في سلوكه معتقدات ذهانيّة (هلوسة) غير متصّلة بالواقع تشلّ قدرته على التمييز بين الحقائق والأوهام وعلى تقدير ردّ الفعل لما قد يرتكبه من حماقات .. فهو دائم الإحساس بالعظمة الإسرائيليّة، ومقتنع بأنّ هناك "بعبع" مخيف يستعدّ ويتأهّب لإبادة إسرائيل الضحيّة! لذلك على إسرائيل أن تسبقه وتبيده بدون الالتفات إلى العواقب؛ فكارثة الشعب اليهوديّ تجيز وتبرّر لقائد الدولة اليهوديّة بأن يشنّ حربا "دفاعيّة" على إيران، واحتلالا للأراضي الفلسطينيّة والسوريّة واللبنانية...وتهديدا بضرب السدّ العالي في أسوان( تهديد ليبرمان لم يكن تعبيرا ذاتيّا)....وتهديدا مبطّنا للقيادات الأوروبية بتحميّلها مسؤوليّة الضحيّة اليهوديّة!
يقول بيبي نتياهو للعالم أجمع اليوم: بما أنّك تعلم ما حلّ بشعبي، لذلك فمسموح لشعبي أن يفعل ما يشاء، ولا يحقّ لأحد منكم أن ينتقدنا أو يعلّمنا مصلحتنا وواجبنا، أو أن يقدّم لنا النصائحَ الأخلاقيّة؛ فالشعب اليهوديّ لن يسامح مَن سبّب له أن يدفع قوّاته العسكريّة الدفاعيّة وأجبرها على قتل الأبرياء!
في الماضي، قالت وآمنت غولدا مئير رئيسة حكومة إسرائيل السابقة، من سنة 1969-1974، بهذه المفاهيم، ولم تنم الليل إذا سمعت بولادة عربيّ، وأنكرت وجود شعب فلسطينيّ، لكنّ هذه الزعيمة استنتجت بعد حرب أكتوبر 1973 وانهيار ديّان العبر، وقالت "دررها" اليتيمة التي تنمّ عن الشعور بالضحيّة: ما أصغرنا أمام الكبار، وما أضعفنا أمام العظام!
هل يحتاج بيبي إلى حرب ليصل إلى استنتاج غولدا مئير؟!
ذكّرني بيبي الذي صدِئَ عقله عندما ذهب في الشهر الماضي إلى باراك أوباما، رئيس الولايات المتّحدة الأمريكيّة، وطلب منه بأن يؤدّب إيران أكثر، وأن يشدّد العقوبات الاقتصاديّة أكثر، وأن يفزعها أكثر، وأن يهدّدها عسكريّا أكثر...وأن يبدي دعما لإسرائيل في مسعاها الجهنميّ أكثر... ذكّرتني هذه الفهلويّة البيبيّة بامرأة أتت بابنها إلى معلمه وشكت من عدم طاعته لها، وطلبت من المعلّم، وكان طويل اللحية، أن يفزع ابنها..فأخذ المعلّم طرف لحيته وألقاه في فمه وبدأ يهزّ رأسه ويزمجر؛ "فضرطت" المرأة من الفزع وقالت: طلبت أن تفزع الصبي وليس إياي؛ فقال لها: أيّتها الحمقاء إذا نزل العذاب هلك الصالح والطالح!
