بضع سنوات مرّت منذ أن رأت هذه الزاوية النور من على الصفحة الأخيرة لجريدة "الاتّحاد".
هذه الزاوية الخفيفة الظلّ واللطيفة المعشر واللينة العود.
هذه الزاوية التي بدأت وبأبسط المعاني تقول للناس: "صباح الخير"، مع ابتسامة عريضة وصادقة ترتسم على وجهها، من بعد أن فاضت من صميم قلبها.
هذه الزاوية التي نقلت متوسط المضامين بلغة وسطى تناسب كافّة الشرائح الاجتماعيّة، ولا تنحصر في فئة أو شريحة أو نخبة.
هذه الزاوية التي نقلت للناس ما يمسّ حيواتهم من أمور وهموم، لا ليعبسوا بل ليبتسموا، لا ليغضبوا بل ليفرحوا، لا لييأسوا بل ليقبلوا على الحياة ويتغلّبوا على صعابها وهمومها.
ما أحوجنا اليوم، وبعد مضي تلك السنوات إلى ما كان، من خفّة ظلٍّ وابتسامة عريضة تنبع من القلب صادقة قبل الوجه، ولغة وسطى وما يمسّ الناس.
إذ صرنا نقرأ "صباح الخير" فيصيبنا شرّ مستطير، ولا يخطر على بالنا أن نقول: "صباح النور أو صباح الورد أو صباح الحبّ"، لأنّنا لم نشعر أنّ أحدًا أسدى لنا خيرًا أو وردًا أو حبًّا.
صرنا نقرأ ولا نبتسم لا ابتسامة عريضة ولا قليلة عرض، ونحزن شاعرين بجوع إلى الفرح، ونيأس ونعلن ونحن فاقدو الأمل مهزومين خضوعنا أمام الهموم والصعاب.
هذه الزاوية الابتسامة، الوردة، اللمعة، يجب ألّا تتعدّى أربعمئة الكلمة، ويجب أن يكون الخطّ فيها أكبر ولو بنمرة واحدة من الخطّ العادي في الجريدة، ويجب أن يقبل عليها الجميع ومن كافّة المشارب ليخرجوا بنفس الإحساس من الفرح.
ليست "صباح الخير" زاوية للأخذ والردّ والنقاش، أمّا مسرح الأخذ والردّ فهو الجريدة كلّها.
لم نعد نبتسم عند قراءة "صباح الخير" لأنّ أحدهم اكفهرّ ذلك المساء فأحبّ لطمنا على الخدّين بتحليل لسياسات "نتنياهو"، وآخر طاب له في ذلك الليل أن يأخذنا رغمًا عن أنوفنا إلى طاولة النقد الأدبيّ ليشرح لنا علاقة القارئ بالنصّ، وثالث أعادنا إلى "جلجاميش وبرميثيوس"، ورابع أكثر من أطباق الكلام حول الأخلاق العامّة، وخامس أغرق في القصّ عن الذات. كلّ هؤلاء أحبّهم، ولكن معظم ما يكتبونه لا يناسب هذه الزاوية الابتسامة، ليس هنا مكانها، كما قال الثائر الليبيّ عمر المختار للقائد الإيطاليّ الذي أراد أن يرفع علم إيطاليا الغازية فوق تراب ليبيا العزيز. انشروا كتاباتكم السياسيّة والنقديّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة والذاتيّة في الزوايا الأخرى والملاحق.
في الآونة الأخيرة قرأت كتاب "غبار الأيّام" لصاحب "طواحين بيروت" الكاتب اللبنانيّ توفيق يوسف عوّاد، وهو عبارة عن مجموعة من الخواطر الجميلة الخفيفة المستقاة من حياة الناس، ومن محاسن الصدف أنّ الخاطرة الأولى منها بعنوان "صباح النور"، قالها منذ البداية وظلّ يقولها على طول مئات الخواطر، وحتّى آخر خاطرة، وظللت أنا أبتسم وأفرح وأقبل على الحياة. فلنتعلّم!
