الحرب:-
1. قضيّة الأنفاق الغزّية والمنطق السليم الأساسيّ (Basic Common Sense) :
منذ أن اكتشف الإسرائيليون أنفاقا عديدة في غزّة تصل إلى داخل الدولة الإسرائيليّة جنوبا، سارع إلى استغلالها فورا رئيس الحكومة الإسرائيلي نتنياهو ووزير حربيّته يعالون، من أجل بثّ الرعب الشديد والترهيب العظيم بين صفوف شعبهما على أنّ هذه الأنفاق هي في الواقع أنفاق هجومية بنيَت خصيصا لأجل خطف المواطنين الإسرائيليين العزّل!
أولا: بالممارسة حتى الآن كل هذه الأنفاق الهجوميّة، استغلّها المقاتلون الفلسطينيون حتى هذه اللحظة لمواجهة الجنود فقط (أنظر الحادثة يوم الاثنين الماضي مساء، مقابل حي الشّجاعية المهدّم عن بكرة أبيه من جرّاء هجوم الطيران الإسرائيلي الوحشيّ)، أو لخطف الجندي شليط آنذاك!
ولكن هذه حجة أوّلية فقط. ولكن ما فاتَ الشعب الإسرائيلي ووسائل إعلامه شبه العمياء كلها هو خطأ منطقي أساسي في تماسك منطق حملات ترهيب الشعب الإسرائيلي المواطن العادي من خطر الأنفاق العديدة:-
كيف بعد أن بنى الجهاز العسكري الفلسطينيّ الغزّي المتواضع، بشقّ النفوس وبجهد شديد، عشرات الأنفاق الهجوميّة وعلى مر السنوات العديدة، كيف لم يستعملها أو يستغلّها حتى الآن لخطف المواطنين؟ ولماذا انتظر الجهاز العسكري إياه حتى دخول الجيش الإسرائيلي فقط إلى بلاده محتلا لكي يستغلّ هذه البنى التحتيّة المتطوّرة؟
الإجابة المنطقية شبه الوحيدة الممكنة هنا، هي أنّ هذه الأنفاق الهجومية أُعدّت كلها للهجوم على جنود الجيش الإسرائيلي والتسلّل خفية خلف خطوطه، تحت جنح الظلام في الأنفاق المحصّنة العميقة، في ساعة قراره احتلال غزّة!
خلاصة أولى: مما شرحته نستطيع أن نقول بثقة نوعية انّ هذه الأنفاق التي تمتد إلى داخل الدولة أعدت سلفا للدفاع عن غزّة من هجوم عسكري إسرائيلي كاسح، فيه كما تعوّدنا تفوق جوّي وبحري شامل وكامل لصالح إسرائيل، وليس لخطف المواطنين من بيوتهم كما أثبتت التجربة الحاليّة!
***
2. كتب القيصر الألماني سيئ الصيت، ويلهلم الثاني بحماسة إلى جنود وضبّاط الجيش الألماني القوي جدا في شهر تمّوز قبل مائة عام بالضبط عندما نشبت الحرب العالميّة الأولى الأسطر التالية: "سوف تعودون إلى بيوتِكم أيّها الجنود في الجيش الألماني العظيم قبل أن يتساقط أوراق الشجر في الخريف المقبل!" وفعلا عادَ هؤلاء الجنود في ملايين التوابيت وهم أشلاء واستمرّ القتل وشلالات الدم المتبادلة ليّة بين الجنود الألمان والفرنسيّن والإنجليز, آنذاك لمدّة أربع سنوات ونصف! أي أربعة فصول خربف متتالية! راح ضحيّة الحرب العالميّة هذه ثمانية ملايين جندي! متّى تدخل الحرب بالضبط أي حرب أنت تستطيع أن تقرّرها, ولكن متّى تنتهي يقرّرها فقط الطرفان المتحاربان فقط، وتساقُط الجنود الألمان والفرنسيّين والإنجليز والروس وغيرهم ما بين قتلى وجرحى، آنذاك لمدّة أربع سنوات ونصف السنة! أي أربعة فصول خريف متتالية! راح ضحيّة الحرب العالميّة هذه أكثر من ثمانية ملايين جندي!
خلاصة ثانية: أنتَ، كدولة أو كفرد، تستطيع دائما أن تقرّر تماما وبدقّة متّى بالضبط تشنّ حربا أي حرب إذا كنتَ المعتدِي، ولكن متّى تنتهي هذه الحرب التي شـُنّت، يقرّرها فقط الطرفان المتحاربان معا، أو بموافقة كل الأطراف المتحاربة.
*السّلم*
1. أولا استسلام: إنّ الحرب العالميّة الأولى، التي نشبت كما ذكرنا قبل مائة عام بالضبط (في يوليو، صيف العام 1914) بعد اغتيال ولي العهد للعائلة الملكيّة الهابسبورغيّة الحاكمة في الإمبراطوريّة النمساوية الهابسبورغيّة، الأمير فيرديناند على أيدي أحد القومييّن الصرب، استمرّت مدّة أربع سنوات كاملة ونصف السنة! وكان اسمها آنذاك الحرب العظمى فحسب ( (The Great Warفي هذه الحرب استعملت القوى الاستعمارية المتحاربة آنذاك بريطانيا فرنسا وألمانيا، لأوّل مرّة الأسلحة الكيماويّة من غاز الأعصاب وغيره، واستعملت لأوّل مرّة الطائرات الحربيّة البدائيّة! واستطاع لينين بحكمته العظيمة بعد ثورة أكتوبر المجيدة في العام 1917 أن يوقف الخسائر البشريّة الروسيّة الهائلة بعد أن انسحب وحده بدون خسائر تذكر، من التحالف مع بريطانيا وفرنسا ضد ألمانيا والنمسا، والإمبراطوريّة العثمانية (أو الرجل المريض كما سميّت آنذاك)، وكشفَ لينين فورا تقريبا عن اتفاقيّة سايكس – بيكو الاستعمارية المخطّطة للشعوب العربيّة بعد انتهاء الحرب في حالة فوز الحلفاء بريطانيا وفرنسا!
ويُحكى (وأثبتَ ذلك من شهادات عديدة جدا للجنود بعد الحرب) أنّ في الأشهر الأخيرة القاسية من الحرب البشعة هذه، صنع جنود المدفعيّة الألمان مع الجنود الإنكليز والفرنسيين وحدهم، هدنة غير معلنة وغير مكتوبة، تنجّيهم من الموت الأكيد من قذائف المدفعيّات القاتلة، وذلك بدون أن تعرف قيادات الجيشين المتحاربين شيئا عن هذا الاتفاق غير الرسميّ. وهذه المسألة الخاصّة تدرّس الآن في نظريّة علم الألعاب (Game Theory) في كل كليات الرياضيات والهندسة، فيها: أخذ في الواقع كل قائد مدفعيّة ألماني الذي كان يتلقّى من الجنرلات أوامر بقصف خطوط العدو، يقوم بتوجيه المدافع كلها بدون استثناء، والقذائف إلى أماكن فارغة تماما من الجنود الحلفاء من الفرنسيين والإنجليز. وبالمقابل هذا ما حدث بالضبط عند الضبّاط الإنجليز والفرنسيين عندما تلقوا الأوامر بضرب الجنود الألمان بالقذائف المدفعيّة. وهذا الأمر الرائع في الذكاء الإنساني الفطري، حدث في كل المواقع تقريبا على كل الجبهات التي كانت تدور فيها حروب من قذائف المدافع والأنفاق التحصينيّة واحدة مقابل الثانية. وبهذا يكون الجنود من الطرفين قد نفّذوا أوامر الجنرالات بإطلاق القذائف، ولكنهم لم يؤذوا أحدا وأنقذوا أنفسهم ونظراءهم من الموت الأكيد في الجيوش المتقابلة! وبهذا أثبت الجنود "البسطاء" أنهم أذكى بكثير من قياداتهم! وهذا ما يسمّى في عـِلم الألعاب وضعيّة الـ Win Win المفضّلة للطرفين. إذ فيها الطرفان يربحان معا (وهنا يعيشان معا طويلا بعدَ نهاية الحرب) بفضل هذا التكتيك البسيط! وفي نهاية الحرب كان الإمبراطور فيليهلم الثاني إياه مع عائلته يقضي وقته مستجمّا في حمّامات دافئة في بلجيكا (وجنوده من غير فرق المدافع يـُقتلون بالآلاف) وبقي هناك ولم يعد إلى ألمانيا، بعد أن قام انقلاب ضدّه من الجيش في برلين! وذهب من بعدها "الإمبراطور" إلى هولندا الحياديّة ليقضي وقته هناك حتى مماته وكتب مذكّراته القصيرة ونفى فيها أنّه هو الذي بادر إلى الحرب أو شنّها! ولم يعد يرى "الإمبراطور" ويلهلم الثاني تساقطَ أوراق الخريف بتاتا في أشجار ألمانيا حتى لحظة مماته ( كان يراها ربّما، تتساقط فقط في أشجار هولندا)! وفي مؤتمر فيرساي "للسلم" كانت شروط استسلام ألمانيا التي فرضها بوقاحة الحلفاء عليها شروطا مخزية ومجحفة هيأت بمجرّد توقيعها المخزي والمعيب والمجحف بحقّ الشعب الألماني كلّه، هيأت الأسباب لنشوب حرب عالميّة طاحنة ثانية، بعد أقل من 20 عاما من توقيعها! وراح ضحيّة الحرب العالميّة الثانية أضعاف وأضعاف، مما خسرتًه البشريّة في الحرب الأولى وأول الضحايا كان الشيوعيين الألمان البواسل الذين تصدّوا لهيتلر وللنازيين!
فهل هذا بالضبط ما تبحث عنه إسرائيل اليوم في حربها الإجرامية ضد حماس وإعلانها هي ووسائل إعلامها شبه العمياء، أنها يجب أن تسحقَها (أي ستسحق غالبيّة الشعب الفلسطيني في غزّة على الأقل) تبحث عن استسلام الشعب الفلسطيني؟ (بالطبع مع الفارق والجوهريّ الكبير جدا بين حالتنا وحالة الحرب "العظمى"، بأنّ الفلسطينيين اعتدي عليهم هذه المرّة، مثل كل المرّات السابقة أيضا ومنذ النكبة).
2. ثانيا شروط السـّلم (وليس الاستسلام) الوحيد الممكن وشـِبه العادل في المنطقة:
أ. في المعارك الدائرة الآن الحل الوحيد هو فك الحصار الشامل والخانق عن الشعب الفلسطيني في غزّة، ووقف العدوان تماما عليه. وكل حلّ ثان تحلم فيه إسرائيل (أو ربّما مصر السيسي؟)، سيكون بمثابة استسلام فيرساي صغير ثان سوف تتمرّد الأجيال القادمة من الفلسطينييّن ضدّه بعد سنتين، أو عشر سنوات أو أكثر.
ب. إنّ حلّ الدولة الديمقراطيّة الواحدة، التي تروّج له أحزاب عربيّة كثيرة مؤخّرا، ومفكرون عرب يظهرون في فضائيات "اليابسة" و"الجزيرة" أو شبه الجزيرة، صوّرهُ بجدارة بشكل ساخر رسّام كاريكاتير شهير في صحيفة النيويورك تايمز – يوم الجمعة الفائت، هو حل "نهائي" فعلا، وفق الكاريكاتير وعلى يبدو أنها ستكون دولة واحدة "نهائيةً" تنهي كل شيء! (الصورة)
وإنّ الحل الوحيد الممكن وشبه العادل في المدى المرئيّ هو إقامةّ الدولة الفلسطينيّة في حدود العام 1967 والقدس الشريف عاصمتها، التي تستطيع أن تستقطب وأن تستقبل الـبُعد القومي الفلسطيني، وإزالة المستوطنات (تماما كما أزيلت في غزّة)، وعودة اللاجئين وتعويض كلّ اللاجئين الذين لا يرغبون في العودة! ولا حلّ غير هذا، إلا إذا أراد الشعب الإسرائيلي أن يرى جنوده يذهبون دائما ليـَقتـُلوا، وليتساقطوا في كل خريفين أو ثلاثة أو أكثر، كما تتساقط أوراق الشجر عند حلول فصل الخريف؟
حيفا
