اللوبي الاسرائيلي

single

هذه المادة هي ترجمة مختصرة  لكتاب تحت اسم "اللوبي الاسرائيلي والسياسة الخارجية الامريكية" للمؤلفين جون مرشهايمر وهو بروفسور للعلوم السياسية في جامعة شيكاجو، وستيفان وولت فروفسور العلاقات الدولية في جامعة هارفارد.
ربما لم اكن الوحيد، الذي استبشر خيرا بنجاح شخصية، كانت تعتبر غير يمينية، في الوصول الى رئاسة الجمهورية في امريكا - الرئيس براك حسين اوباما ،خاصة واني كنت قد قرأت كتابا من تأليفه، عن سيرته الشخصية، والذي ابدى فيه ميوله لدعم الطبقات الضعيفة من المجتمع، والوقوف ضد الظلم الخ…اذكر انه سمّى ثلاث شخصيات على ساحة النضال من اجل العدالة ،التحرر، والدفاع عن حقوق الانسان اينما كان، ومهما  كانت معتقداته، لونه، او دينه. تلك الشخصيات هي: مارتن لوثر كينج، المهاتما غاندي، ونيلسون منديلا. اما افعاله ومن خلال سنتين على توليه الرئاسة، فلا تمت بصلة الى ما ذكر في سيرته. ربما ما زال يؤمن بتلك القيم. فلماذا لا يستطيع تطبيقها، وهو رئيس اكبر واقوى دولة في العالم؟ اعتقد ان الجواب على ذلك هو في تلخيص ما جاء في هذا الكتاب، الذي سأحاول تلخيصه فيما يلي. وتجدر الاشارة الى ان ما كتب من حجج في هذا الكتاب موجّه بالاساس للجمهور الامريكي، في محاولة لاقناعه بضرورة تغيير طبيعة العلاقات بين امريكا واسرائيل.
* *

أهم ما يميز السياسة الخارجية للولايات المتحدة في العقود الاخيرة، وخاصة بعد حرب الايام الستة سنة 1967، هو علاقتها مع اسرائيل. ان الربط بين الدعم اللامتناهي لاسرائيل من جهة، والدعوة "لنشر الديمقراطية" في المنطقة من جهة اخرى، هو ما أجج مشاعر الغضب لدى الشعوب العربية والاسلامية، وادى الى تهديد  سلامة وامن الولايات المتحدة والعالم كله. وضعٌ كهذا لم يسبق له مثيل على الساحة السياسية الامريكية. السؤال المستحق هو: كيف هان على امريكا  اهمال امنها القومي وامن كثير من حلفائها، في سبيل دعم مصالح دولة اخرى؟  في وضع كهذا، ينبغي ان   تتطابق المصالح الاستراتيجية لاسرائيل وامريكا، أو ان تكون هناك دوافع اخلاقية وانسانية ملحّة تجبر امريكا ان تلتزم بدعم كهذا. لكن الحقيقة ان ايا من تلك الاسباب لا تكفي لتفسير هذا الكم من الدعم المادي والسياسي، الذي  تحظى به اسرائيل  من الولايات المتحدة.
وفي الحقيقة، فإن ما يقرر في اتخاذ المواقف السياسية في المنطقة، ينبع من  العوامل السياسية الداخلية في امريكا، خاصة الضغط من جانب اللوبي الاسرائيلي. معروف ان مجموعات اخرى تحاول التأثير لتحويل القرار السياسي لصالح اجندات معينة تصب في مصلحتها. ولكن لم يحدث ان نجحت اي مجموعة، في حرف السياسة بشكل يتعارض مع المصالح القومية الامريكية. بل اكثر من ذلك؛ فاللوبي الاسرائيلي كان قادرا على اقناع الرأي العام في امريكا، ان المصلحة الامريكية تتطابق مع المصلحة الاسرائيلية.
فاسرائيل تحظى منذ سنة 1973 باكبر دعم اقتصادي وعسكري، اكثر من اي دولة في العالم. تتلقى اسرائيل منحة مالية بقيمة 3 بلايين دولار سنويا. وهذا يساوي خمس ما تقدمه الولايات المتحدة من دعم مادي لكل دول العالم، اي ما يعادل 500 دولار لكل فرد في اسرائيل سنويا. هذا الدعم لا يتأثر بكون اسرائيل دولة متطورة اقتصاديا، حيث يساوي دخل الفرد فيها دخل الفرد في دول بمستوى اسبانيا او كوريا الجنوبية. مع العلم، ان هناك دولا عديدة في العالم في اشد الحاجة الى مثل هذا الدعم.
في حين تتلقى دول اخرى الدعم الامريكي في اربع دفعات كل ربع سنة، اسرائيل تتلقى كل حصتها في بداية كل سنة مالية جديدة. كل الدول التى تتلقى مساعدة مالية ً كدعم عسكري، تكون مجبرة ان تشتري اسلحتها  من السوق في امريكا، اما اسرائيل فيحق لها التصرف في ربع المبلغ كيفما تشاء. اسرائيل الوحيدة من الدول الممنوحة التى ليست مجبرة على اعطاء كشف عن صرف الاموال التي تحظى بها. اي ان باستطاعتها صرف الاموال الامريكية فيما يتعارض مع السياسة الامريكية؛ مثلا في بناء المستوطنات في الاراضي المحتلة. عدا عن ذلك، فان اسرائيل تتلقى منحا اضافية لتطوير قدرتها العسكرية. وهي الوحيدة التي لا تُمنع من الحصول على الاسلحة الاحدث والاكثر تطورا في امريكا.
ثم ان اسرائيل قادرة على الوصول الى المعلومات الاستخباراتية، التي يمنع من الوصول اليها حتى حلفاء امريكا، اعضاء الناتو. بالاضافة لذلك فقد صرفت امريكا النظر عن تطوير اسرائيل للاسلحة النووية.
اما عن الدعم السياسي فحدث ولا حرج. لقد حظيت اسرائيل بدعم سياسي امريكي لا مثيل له في العلاقات الدولية. اضطرت الولايات المتحدة من استعمال حق النقض- الفيتو- حوالي اربعين مرة منذ سنوات الثمانين، اي بما يعادل استعمال كل دول مجلس الامن مجتمعة لهذا الحق . لقد عرقلت امريكا وما زالت كل محاولات الدول العربية والاخرى، التي طالبت باخضاع برنامج اسرائيل النووي الى الرقابة الدولية. لقد هبت امريكا للدفاع عن اسرائيل وسياستها في الحرب والسلم. وكانت طرفا منحازا لاسرائيل في مفاوضات السلام، واثناء حروبها العدوانية على جيرانها. لم تلتزم امريكا ولا مرة واحدة بدور الوسيط المحايد.  لقد صرّح محام امريكي، اثناء محادثات كامب ديفيد سنة 2000. ان الامريكان كانوا يشعرون انهم محامون للدفاع عن اسرائيل. وصرح مفاوضٌ فلسطيني، ان الفلسطينيين كانوا يناقشون فريقين اسرائيليين، احدهما تحت علم اسرائيلي، والآخر تحت علم امريكي.
هل هذا الدعم السخي مُبرر كمصلحة استراتيجية امريكية؟ يمكن القول انه ابان الحرب الباردة، شغلت اسرائيل منصب الوكيل الامريكي لمنع انتشار الشيوعية في المنطقة، وكالت هزائم متكررة للانظمة المؤيدة للاتحاد السوفييتي، مثل مصر وسوريا. مما سبب حرجا وخسائر مادية لروسيا. كما ان اسرائيل لعبت دورا مهما بالتجسس على الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية.
لم يكن الدعم الامريكي لاسرائيل دون تكلفة للحليف الامريكي. فمثلا دعم اسرائيل السخي، في حرب اكتوبر، وتزويدها بترسانة اسلحة، الاحدث مما تملك، ادى لاوّّّل مرّة لتفعيل سلاح النفط من قبل الدول المنتجة في المنطقة. مما ادى الى خسارة فادحة لامريكا والدول الاوروبية. ثم مثلا في حرب الخليج الاولى والثانية، كانت اسرائيل عائقا في اقامة تحالف لدعم حرب امريكا ضد العراق. كما نه لا داعي للذكر ان امريكا لم تستطع ان تعوّل على استخدام القواعد الاسرائيلية للهجوم على العراق.
منذ بداية سنوات التسعين بدأت اسرائيل والاوساط اليمينية في امريكا، ومنها اللوبي الاسرائيلي، بالترويج بان اسرائيل شريك في الحرب على الارهاب، وانها تعاني من نفس الارهاب  الذي تعانية امريكا. الهدف الاساسي من هذا الترويج، هو اعطاء اسرائيل اليد الطولى للاستمرار، بالمغالاة في قمع الفلسطينيين، والضغط على الدول التي تعارض السياسة الاسرائيلية في المنطقة. والحقيقة ان اسرائيل تشكّل عائقا في الحرب على الارهاب.
تجدر الاشارة الى ان استطلاعات الرأي، ورغم ما يقوم به اللوبي الاسرائيلي، والجماعات المؤيدة له، تشير الى  ان 40% من الامريكان يعتبرون ان دعم امريكا لاسرائيل، هو السبب الرئيسي للعداء المستشري لامريكا في العالم . اما النسبة في اوساط النخب السياسة فهي اعلى بكثير.
ما يسمى "ارهاب" فلا يمكن اعتباره، قالبا واحدا. وانما هو وسيلة تتبعها مجموعات سياسية مختلفة. والمجموعات الارهابية، التي تشكل خطرا على امن اسرائيل، لا تشكل خطرا على امن امريكا، الا اذا زجت هذه نفسها  في الحرب الى جانب اسرائيل، كما حدث مثلا في العدوان على لبنان سنة 1982. اما " الارهاب الفلسطيني"، فهو ليس عداوة عشوائية موجهة ضد اسرائيل او "الغرب"، وإنما هو ردٌّ على استمرارالاحتلال وممارساته في الضفة والقطاع. اما القول ان اسرائيل وامريكا  متحدتان في مواجهة نفس الارهاب، فهو نتيجة للمواقف الامريكية وحيدة التوجه، في دعم اسرائيل وسياستها العدوانية. امريكا تواجه ارهابا كحليف لاسرائيل. والعكس ليس صحيحا. كما ان الدعم المتواصل لاسرائيل يضعف قوة امريكا على مواجهة الارهاب. لا يخفى على احد ان العديد من قادة تنظيم القاعدة، ومنهم بن لادن، يعتبرون القدس، والاقصى، ومعاناة الشعب الفلسطيني، دافعا للعداء لامريكا. الدعم اللامتناهي لاسرائيل، يسهّل على الجماعات المتطرفة التسويق، والتجنيد  للحرب على امريكا.
اما ما يدعى بالدول المارقة في المنطقة، مثل ايران وسوريا، فتلك لا تشكل تهديدا حقيقيا لامريكا، الا بقدر ما تشكل تهديدا لأمن اسرائيل. المشكلة الاساسية التي تتعارض مع المصلحة الامريكية هي مدى جديتها في منع انتشار الاسلحة النووية. ان السبب الاساسي، لفشل الحد من انتشار هذه الاسلحة، هو المعايير المزدوجة في التعامل مع هذه القضية.  فكون اسرائيل تمتلك ترسانة من هذه الاسلحة، يشكل العائق الاساس في التعثر في منع انتشارها  في منطقة الشرق الاوسط.
السبب الاخير في التشكيك في كون اسرائيل حليفا استراتيجيا، هو ان اسرائيل لم تثبت انها حليف  حقيقي، . في كثير من الاحيان تضرب اسرائيل عرض الحائط بمطالب امريكا التخلي عن بعض الممارسات الهدامة، مثل تجميد الاستيطان، الامتناع عن البطش بالفلسطينيين، الاستمرار في الاغتيالات المتعمدة، وقصف الاحياء السكنية، الخ... من الممارسات الاسرائيلية العنيفة.  لقد سرّبت اسرائيل تكنولوجيا عسكرية حساسة، لدول تعتبرها امريكا عدوّا كامنا، للصين مثلا.  وحسب مكتب البيانات العام في امريكا، اسرائيل تجري عمليات استخباراتية ضد امريكا اكثرمن اي دولة تعتبر حليفة لامريكا. لقد سرّب جوناتان فولارد وثائق سرية الى اسرائيل، والتي نقلتها الى روسيا، مقابل السماح ليهود روس بالقدوم الى اسرائيل. في سنة 2004 سرّب احد رجال البنتاجون؛ المدعو لاري فرانكلين معلومات سرية، الى احد اعمدة اللوبي الاسرائيلي- المدعو ستيفان روزين، الذي سربها بدوره الى اسرائيل. وقد اثارت تلك الحادثة جدلا واسعا. على اثرها صرح روزين لاحد الصحفيين- جفري جولدبرغ، في لقاء لهما في احد المطاعم، وكان قد سحب احد مناديل الورق، واضعا اياه امام الصحفي قائلا." اترى هذا المنديل؟ بامكاننا ( مشيرا الى قوة اللوبي الاسرائيلي) ان نجمع عليه، توقيع سبعين عضوا في مجلس الشيوخ( 70%) خلال 24 ساعة. ( من رأى خطاب نتنياهو والتصفيق الحاد لكل ما قال في الكونجرس، يمكنه ان يرى ان ما قاله ستيفان روزين ليس بدون اساس. ثم ان قضية الهجوم على سفينة التجسس الامريكية وتعامل الادارة الامريكية معها، يبرهن  ان هذا التسلط، للوبي الاسرائيلي على  صناع القرار في البيت الابيض، ليس بدون اساس.ح.م )
تعتمد اوساط اللوبي في تسويق الدعم الامريكي لاسرائيل، على الدافع الانساني  والاخلاقي.  يدّعون ان اسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في المنطقة. وهي دولة تسعى الى السلام. اسرائيل دولة صغيرة محاطة ببحر من الدول القوية المعادية لوجودها، والتي تسعى للقضاء عليها. صحيح  ان اليهود عانوا  في عديد من دول العالم، وخاصة الاوروبية، من الملاحقة العنصرية. ولقد  توّجت هذه الملاحقة، بالمحرقة الرهيبة على ايدي النازية. لكن عند التدقيق في ممارسات اسرائيل والحركة الصهيونية فان تلك الادعاءات تصبح باطلة. ثم ما هو ذنب الشعب الفلسطيني الذي لم يكن سببا في هذه المعاناة ،لا من قريب ولا من بعيد،؟  لماذا ينبغي ان يكون خلاص اليهود من الملاحقة والجرائم التي ارتكبت ضدهم، على ايدي النازية، والشعوب الاوروبية المسيحية، على حساب الشعب الفلسطيني؟  ثم ان اسرائيل ليست بالدولة الضعيفة والحمل الوديع. اسرائيل اصبحت دولة قوية اقتصاديا، ولديها اكبر قوة عسكرية بما في ذلك ترسانة اسلحة نووية، وتستطيع التغلب عسكريا على اي دولة عربية، وعلى الدول العربية مجتمعةً. فإذا كان الدافع للدعم السخي من منطلق اخلاقي لحماية الضعيف، فالشعب الفلسطيني اولى بهذا الدعم والحماية. الحروب المتتالية التي خاضتها اسرائيل تثبت هذا التقييم.
كون اسرائيل ديمقراطية، لا يكفي لتفسير هذا الكم من الدعم الامريكي . مع ان ممارساتها وقوانينها تشهد بالتمييز الصارخ ضد الاقلية العربية في اسرائيل، وهذا يشكك في كونها ديمقراطية حقيقية. اسرائيل تطالب الآن بالاعتراف بها كدولة يهودية من قبل المواطنين العرب الذين شردتهم عن اوطانهم، ومارست التطهير العرقي  ضدهم.  يعي قادة الحركة الصهيونية هذا، حيث صرح بن جوريون لناحوم غولدمان، رئيس المؤتمر اليهودي العالمي بما يلي: "لو كنت قائدا عربيا، لما صالحت اسرائيل ابدا،ان هذا امر طبيعي. نعم عاش اليهود في اسرائيل، لكن ذلك كان قبل الفي سنة. فما للعرب ولهذا؟ كانت هناك لاسامية، نازية،  وهتلر، واوشفيتس. فما ذنب العرب بذلك؟ العرب يرون شيئا واحدا فقط. اننا اتينا الى هنا واخذنا بلادهم. كيف يقبلون بهذا؟"
 ثم ان امريكا اطاحت بحكومات ديمقراطية، وناصرت وما زالت تناصر عدّة دول فيها حكم استبدادي صارخ، يمارس القمع والفساد، ذلك عندما يخدم هؤلاء الحكام المصالح الامريكية.
فإذا لم تكن العوامل الاستراتيجية ولا الاخلاقية، هي السبب للدعم الامريكي، فما هو السبب اذا؟
السبب هو قوة اللوبي التي لا منازع لها.
 اللوبي هو تحالف تنظيمات واشخاص يعملون بشكل فعال لتحويل السياسة الامريكية الخارجية في مصلحة اسرائيل. هذا لا يعني ان اللوبي هو حركة واحدة، ذات قيادة مركزية، ولا يعني ان الافراد داخل اللوبي لا يختلفون على بعض المواضع. كما انه لا يضم كل اليهود الامريكان،  اسرائيل لا تعني لبعض منهم الشيء  المهم. لقد اظهر بحث اجري سنة 2004 ان 36% من اليهود الامريكان لا تربطهم أي عاطفة باسرائيل.

قد يهمّكم أيضا..
featured

يجب الانتقال حالا من مقولة ان 99% من الاوراق في يد امريكا، الى ان 100% من الاوراق في يد الشعوب

featured

إنجاز حقوقي وعراقيل سياسية

featured

وصمة عار في جبين السياسة العنصرية

featured

الدمقراطية هي ان تخسر باحترام ايضا

featured

هل يكون مصير الدولة كمصير ابن صفنا ؟

featured

العشرينيات الحرجة في فلسطين

featured

اسرائيل ليست جزيرة!

featured

نتصرف بحكمة وتروي ولكننا نحذر من أي اعتداء على نشطاء الجبهة