خالي السعيد في سوريا

single

مخيم اليرموك اسمى وارفع في ان يزج في مثل هذه المؤامرة


آه من وضعك يا سوريا. وضعك يقض المضاجع. يجعل العيون ساهرة ترقب القادم عله يبشر بغد حالم ووادع، عين تملأها دمعة متحسرة باكية على ما ألم بالحبيبة التدمرية وعين تنظر للسماء ضارعة تناجي الرب عسى ان يمطر قديسين يزرعوا المحبة وينشروا السلام على عاصمة الأمويين، إني أخاف عليك يا سوريا... أخاف ان يدنسوا التراب الذي مشى عليه صلاح الدين يوم أتى وانتصر في حطين، أتحسر على القلاع التي احتضنت الظاهر بيبرس في رحلته لتحرير بلاد الشام، يقلقني انتهاك السهول والجبال التي ترعرع في حضنها عز الدين القسام، قلق على ثقافة "الشارب" الدمشقية،الشارب المعقوف والمنتصب يعني الرجولة والرجولة هي الموقف، ثقافة الشارب تعني الاعتزاز برجال العروبة وكل سلطان عربي ثائر كباشا الأطرش... أخشى ان يعبثوا في قبور اسلافي، اياكم ان تدنسوا مجدنا المدفون في التراب السوري ان خالي السعيد مدفون هناك.
"خالي السعيد" اسم محفور في ذاكرتي منذ قويت على الركض واللعب في حارة موارس العين، حارة ستي امون، حيث كانت هناك حاكورة يسميها أهل البلد "موارس سعيد طويسي" فكلما دخلت الكرة للحاكورة يحسبنَّ كل أطفال الحارة ألف حساب لصراخ نساء الحارة، ستي امون تقول: هي يا ولد شو بتعمل بأرض خالي السعيد، أم القاسم من الجهة الغربية تقول: ممنوع اللعب هون، خرّبتو حاكورة خالي السعيد.. وينتهي الصراخ بصرخة عايشة الحيدر "بكره برجع خالي السعيد ويا ويلكو منو".. وبعد الظهر تأتي كل يوم أم حسين التي تزرع الحاكورة تطرد الأطفال لتحافظ على ارض خالها السعيد أما أم علي وأم العبد تأتيان معًا كل ليلة جمعة لجدتي امون طالبات منها ان تحرس ارض خالهن السعيد وهن متأملات بعودته من حياة اللجوء إلى أرضه في موارس العين. كهلت الايام والسنين وبقي "خالي السعيد" مربوطا بموارس العين وسيدات الحارة حتى يوم مشمس في سنوات التسعين الاولى، كنت واقفا على شرفة بيتنا بالطابق الثاني، جال نظري الى المدى البعيد في جهة الشرق فوصل قرب ساحة العين وإذ برجل؟ شيخ، كهل؟ يرتدي الزي التقليدي يحجب الافق البعيد ماشيا نحو الغرب وكل ما خلفه محجوب من عظمة هالته، يخطو بخطى واسعة وصلبة، خطت قدمه هدارة، كل هذه الهالة تزدان بقمباز متوج بحطة روزا وعقال عقلاء الامة، يمشي في وسط الشارع وعباءته ملقاة على كتفه الايسر وعكازه بيده اليمنى كأنه يقول انا سيد هذا الممر. ظل ماشيا في وسط الشارع منتصب القامة وانا ارقبه بلهفة وتمعن حتى وصل مدخل بيتنا..... اتجه نحو مدخل بيتنا، نزلت الدرج بخفة لأرقب الرجل الانيق في مشيته، لبسه، وهيئته الذي يزورنا لأول مرة، وصل الباب فقرعه بعكازه وخلال قرع الباب بالعكاز لمحني بنظرة فاحصة من فوق نظارته العريضة وهو يقول: قل لي يا ولد هون ابوك – قالها بقاف صلبة كالصوان ورخامة صوته جلجلت في اركاني فصداها يطن باذني حتى هذا اليوم... لم يكتمل سؤاله فأمرني: اذهب واخبر جدك باني بانتظاره، اسرعت بمناداة جدي لكي احظى برفقة هذا الرجل المثير اكثر.
بعد حضور جدي علمت من خلال الحديث ان هذا الرجل هو هو " خالي السعيد" أتى في زيارته الاولى بعد التهجير ليطمئن على الحاكورة، الموارس، الخلة، التين والزيتون، فحديثه كان شيقًا وممتعًا واذكر ملامحه الصلبة والرصينة ككلامه وموقفه، لقد أتى طالبا من جدي ان يتخذ موقفًا في قضية ما فخلال طلبه روى حادثة تتعلق بأهمية الموقف:
الا تذكر يا خليل عندما كنت راعي عجال القرية وبفضل موقفي مشينا نظاما على كل أهل القرية وايضا من يظنون انفسهم اسيادًا، بان على الجميع المساعدة والخروج مع الراعي بالتناوب، الا تتذكر ماذا كان موقفي حين حاول السيد فلان التملص ومنع قطروزه من مساعدتنا كأن النظام لا يسري على أمثاله فقلت لقطروزه: قطيع سيدك لايخرج مع عجال القرية الا اذا كان سيدك يتقدم القطيع وارجعت قطيعه معه وبذلك حافظنا على نظام اجمع عليه أهل القرية.
صمت الرجل قليلا ثم توجه بلهجة حازمة لجدي: عليك اخذ موقف وابداء رأيك، ان الصمت اصعب من الموقف الخطأ، ان الصمت يعني الخنوع وان موقفك يجب ان يكون متحررًا من تأثيرات الآخرين ويتمتع باستقلالية ، جئت اليوم لأودعك ولأطمئن على موقفك، غدًا انا عائد الى سوريا... عاد الرجل عاد ليدفن في تراب الشام لقد توفي بعد شهر من وداعه لأهله، شعبه واراضيه فحنينه لموارس العين ذبح قلبه.
رحل الرجل لكنه قبل رحيله لقّنني درس الموقف درسًا لم تعلمني اياه قراءة الكتب انه درس في شموخ النفس، واكراما لروحه ولدرسه الازلي أعلن موقفي من القضية السورية: اعلن اني غير متأثر بشيوخ الريال ولا بنعاج الدينار وغير منحاز لديكتاتور عربي حتى لو كان اسدا. انا مع حماية آخر معاقل القومية العربية معقل ثقافة الشارب، نعم للحفاظ على البلد الداعم للمقاومة. مخطئ من يظن ان ما يجري في سوريا ثورة، انها مؤامرة مدججة بمرتزقة تعزف اوتار الطائفية والفئوية ملتفين بافكار اصولية، انكم تدعمون التشرذم والانقسام الى دويلات، انكم شركاء في شرق اوسط جديد تمحى فيه معالم القومية العربية والضاد يتحول لحرف يسخر لمفردات تلون الحقيقة بعبارات زائفة تفوح من افواه السايكسبيكيين الجدد، ان اليرموك اسمى وارفع في ان يزج في مثل هذه المؤامرة، ان خالد بن الوليد يتقلب في قبره لعبثكم في اليرموك، انا مع الحفاظ على ما تبقى من جدران الروح، هواء الحياة وبقايا الكنز المفقود للكرامة، انها سوريا انها درب محرري بيت المقدس فالى روح سلفنا المدفون في سوريا الرحمة ولكي مني يا سوريا الف تحية مناجيا الرب العلي ان تنعمي بالسلامة والسكينة.

قد يهمّكم أيضا..
featured

على الرياضة والرياضيين، ان يكونوا سفراء للمحبة والتآخي

featured

"ألاتحاد" وأعيادها

featured

آل سعود وآل كاوبوي والقاعدة!

featured

الاستقلال يؤخذ ولا يُعطى

featured

الاتفاق العسكري الأميركي ـ الكولومبي: حرب باردة جديدة تنذر بتفجير المنطقة

featured

"ساعةُ الميلادِ جاءتْ"

featured

ما بين إنكارين

featured

من نهفات أمي: علت في اوكرانيا..