جاء رفيقي وأخبرني بحكاية عن حفيدته، التي جاءت إليه غاضبةً، حائرةً، وهاربةً ومُلتجئةً إلى حضنه، جدِّها، سائلةً: جدِّي هل نحن عرب! ولماذا يريد العرب قتل اليهود؟ وحين تعجَّبَ من سبب تساؤلها، تبيَّن أنَّ مصدر هذا الافتراء هو الحضانة التي تذهب اليها يوميًّا..
طفلة عربيَّة في حضانةٍ يهوديَّة، تتلقَّى وأترابها اليهود ثقافةً معاديةً لأبناء شعبها، طفلة تربى وتترعرع في جوٍّ معادٍ لها من قبل "الحاضنات" ومن نظرات الأطفال الآخرين إليها.
كيف يُمكن أن نُلقي بفلذةِ كبدِنا إلى لُجِّ بحرٍ صاخبٍ عالي الأمواج، فهي لا تُجيد سوى الغرق والهلاك في أعماق هذا اليمِّ اللئيم..
هذه الحادثة أعادتني إلى سنوات خلت، حين دخل أخي، الذي لم تلده أمِّي، إلى مدرسة عبريَّة في حيفا، معروفة بتحصيل طلابها العلميِّ المتفوِّق، في امتحانات الثَّانويَّة النِّهائيَّة (الحكوميَّة)، آملاً في إيجاد تحصيل أفضل، يكون له عربون دخول باحات العلوم التَّطبيقيَّة من أوسع بوَّاباتها، لكنَّه اصطدم بجوٍّ معادٍ لوجوده كعربيٍّ في مدرسة عبريَّة، الأمر الذي حال دون إتمام دراسته أو تحصيله العلميِّ، حيث كان طيلة فترة تعليمه في مشاحنات، كرًّ وفرٍّ، دفاعيَّة عن نفسه وعن قومه لأنَّها كانت أيضًا ضدَّ انتمائه لقوميَّةٍ اتَّخذوها لدودةً على هذه الأرض، التي تتَّسعُ لمن يريد العيش في هذا الشَّرق العربيِّ بأمان وطمأنينة.
ما أثار اهتمامي لكتابة هذه الصَّباحيَّة، والاهتمام بموضوع التَّعايش، الذي نشأنا عليه منذ أن رضعنا محبة وأخوَّة الشُّعوب من ثدي حزبنا، هو ذلك الإعلان المُعلَّق على أعمدة الكهرباء، كما هي عادة المُعلنين، عن افتتاح روضة للأطفال اليهود والعرب، تحت سقف مظلَّة واحدة..
روى لي والدي، أبو خالد، أنَّه حين كانوا يهتفون في مظاهرات حزبنا، كما نهتف نحن، بحياة الأخوَّة اليهوديَّة العربيَّة، كان المأفونون، وما أكثرهم، يردُّون عليهم الموت للعرب، وكُلُّكم عرب!
يجب على هذه الرَّوضة أن تكون روضة تعايُشٍ مبنيٍّ على المساواة والدِّيمقراطيَّة والسَّلام العادل، المعترف به دوليًّا وفي داخل مؤسَّساتنا التَّمثيليَّة، في حقِّنا فوق أرض وطننا الذي ليس لنا سواه، وفي عودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي سُلِبت منهم في ذلك العام المشؤوم من تاريخنا، وهنا لا دخل "للسِّياسة" في الموضوع، فنحن في الحزب والجبهة كنا وما زلنا نرفع راية الأخوَّة بين الأمم، فلا فرق لعربيٍّ على أعجميٍّ كما لا فرق لأعجميٍّ على عربيٍّ..، ﴿..وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا..﴾، فلنتقارب ونطرد الحقد والضَّغينة، ونعيش آمنين في وطننا، مع من يريد العيش معنا وليس على حساب وجودنا وحقوقنا فوق أرضنا، كما يقول شاعرنا داود تركي "إذا ودُّوا معي عيشَ التَّساوي" ويقول في قصيدة أخرى:
إلى مساواة مُنزَّهة سِرْ وامحق التَّمييزَ والحسبا
إنَّ العدالة خير بوصلةٍ تهدي الصَّواب وتُبدع الرُّغبا
آمل أن تكون هذه الرَّوضة، حبوب سنبلة..، ستملأ الوادي سنابل!
حيفا
