الأب ابراهيم داود يحمل صليب المحبّة

single

*قراءة في كتابه "أحببتُ البرَّ وأبغضتُ الإثم"*


كان قدس الأب ابراهيم داود  قد أهداني مشكورًا الكتاب الذي أصدرهُ مؤخرًا والذي يحمل عنوان "أحببتُ البرَّ وأبغضتُ الإثمَ" ولقد وجدتُ بعد قراءتهِ أنه يشتمل على مجموعة منوعة من المقالات الجادة الرصينة التي تتناول الأمور والشؤون الاجتماعية والدينية والسياسية والإنسانية التي تختص بعالمنا وشرقنا وعروبتنا وانتمائنا كعربٍ مسيحيين نعيش بإخاء ووئام مع كافة الأطياف والشرائح، متخذين من المحبة هاديًا ونبراسًا لنا في طريق أخوة الإنسان مع أخيه الإنسان دون استثناء، وكأني بمن يتّبع ذلك فإنما يفعل هذا الخير من حيث يدري أو لا يدري انطلاقًا من  إنسانيته النابعة من كون الله قد خلقنا جميعًا على صورته ومثالهِ.
بهذه الروح الإنسانية السامية قام الأب ابراهيم داود بالتعبير عن أفكاره وآرائه في العديد من المجالات التي تمت بصلة وثيقة الى واقعنا المتقلّب بفعل الطبيعة البشرية المتأصلة في إنسان هذا العصر، وبحكم التغيرات الناتجة من الأحوال العامة في كافة الميادين الحياتية في بلادنا خاصةً والعالم على وجه العموم.
إنَّ أكثر ما أثار واسترعى انتباهي في كتاب الأب ابراهيم داود اختياره لوضع مقالة عن مثلث الرحمات المطران غريغوريوس حجّار في مقدمة مقالات كتابهِ من حيث الترتيب المتسلسل، واعتقد أنه قد أجاد وأحسنَ صنعًا في هذا الاختيار الترتيبي، فقد اصاب الهدف لإدخاله المتعة الى قلوب القرّاء المتلهفين والمتعطشين لاسترجاع كل ما كُتب عن "مطران العرب" و "مسيح الشرق" المطران الحجّار الذي كان وما زال أشهر من نارٍ على علم بإيمانه ِ ومسيرته الكهنوتية، وتواضعهِ، وإنسانيتهِ، ومحبتهِ للعدل والأخوة بين الشعوب.
ولقد تناول الأب ابراهيم سيرة حياة المطران الحجّار في هذا المقال بكل أمانة وموضوعية، ومع أنه كان في بحثهِ ومعلوماتهِ موضوعيًا ( objective  ) بكل معنى الكلمة، إلّا أننا نلمس تلك النزعة الذاتانية ( subjective  ) عنده بما يخص خصال هذا المطران الجليل الذي يكن له الأب ابراهيم كل محبة وتقدير واحترام وإجلال، مثلنا تمامًا،  فالمطران الحجّار سبى وما زالت تسبي ذكراه العطرة قلوب الناس ومحبيه ومريديه على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم من أبناء شعبنا. ولا بدّ لي عند هذه النقطة أن أنوّه بأن مقالة الأب ابراهيم عن المطران الحجّار هي درّة التاج في هذا الكتاب من حيث نوعية الموضوع دون أن ننتقص من جودة مضامين المقالات الأخرى التي تمتاز أيضًا بكثيرٍ من الأهمية والرغبة في قراءتها والاطّلاع عليها.
ومن المهم أن نتطرّق في حديثنا عن كتاب الأب ابراهيم داود الى ما لمسناه من غَيرة قدس الأب وحميَّته على ما يعتري الأوضاع من عدم استقرار في أبرشية الجليل للروم الملكيين الكاثوليك، وما يتطلّب ذلك من اصلاح واتفاق الرأي لما فيه مصلحة الرعايا في الأبرشية، وكل ذلك من منطلق محبته للحفاظ على وحدة وازدهار الأبرشية وتوثيق عرى التفاهم والوفاق بين جميع الإخوة المؤمنين أبناء الكنيسة الملكية.
ولا يفوت الأب ابراهيم داود أن يؤكد في سلسلة مقالاته في هذا الكتاب على هويته الفلسطينية المسيحية العربية وتجذّرهُ في هذه الأرض مثل كافة المسيحيين العرب في هذا الشرق الذين يعتزون بأصالتهم وعراقتهم مع ضرورة توثيق وتعزيز أواصر العلاقات الإنسانية الحميدة مع جميع الشعوب بكل إخلاص ومحبة، والتمسّك بالوحدة الوطنية.
ويتخلّل مقالات الأب ابراهيم داود في هذا الكتاب الكثير من الآراء النيّرة التي يبديها بشأن تسييس الدين في أقطار المشرق العربي، وما ينشأ عن ذلك من معاناة وتدهور في كافة القطاعات، مقدّمًا الأمثلة على ما جرى في الشرق الأوسط مؤخرًا من انهيار النظم السياسية وانتشار الفوضى، دون أن ينسى بإلقاء الكثير من اللائمة على الدور الانتهازي السلبي لبعض الدول الخارجية المعنية باستمرار هذه الأوضاع المأساوية.
ولا ينسى الأب ابراهيم داود أن يعبّر عن شكرهِ ومحبتهِ واحترامهِ لإخوته المسلمين في مصر، في قرى الصعيد ومراكزه، الذين قاموا بحماية كنائس الله بأجسادهم في خضم الاضطرابات والقلاقل التي جرت هناك في أوج التغيّرات السياسية حيث يشيد الأب ابراهيم بإيمان هؤلاء الإخوة المسلمين ذوي القيم الروحية الإسلامية الحنيفة البعيدة عن المنافع السياسية الحزبية، داعيًا الى الصلاة من أجل العدل والخير في بلادنا، عاملين الى نبذ العنف والدماء والدمار والترويع. ولا شك أن هذه الدعوات هي قمة السمو الأخلاقي الإنساني بأجلى صورهِ وأشكالهِ.
ومما يثلج صدر قارئ الكتاب أن الأب ابراهيم داود يبدو في غالب الأحيان متفائلًا بشأن تحقيق السلام في منطقتنا، مبشّرًا بتبدّد أعدائهِ حيث يرى أن الظلمة لا بد لها أن تنقشع ببزوغ فجر السلام وانفراج الأيام الحالكة بظلمتها. ومن هنا، فإنّ الأب ابراهيم داود، بحافزٍ من المحبة المسيحية، كغيره من المؤمنين الصادقين برسالة السيد المسيح السلامية، يظهر بوضوح من خلال كلماته أنه رجل سلام أي سلاميّ النزعة أو ما يُعرف بالإنجليزية ( pacifist  )، ولا غرو في ذلك، لأنه هكذا يتحتّم على كل مسيحي مؤمن بعقيدتهِ، فكم بالحري إذا كان المتحدّث عنه هنا كاهنًا فاضلًا يمارس إيمانه نظريًا وتطبيقيًا بكل إخلاصٍ وتفانٍ ملحوظَين كما يستنتج من سطور كتابه الذي نحن بصدده هنا.
ومن الجدير في هذا المقام أن نشير الى ما جاء في كتاب  الأب ابراهيم داود من توصيفٍ لشعوره بالألم من الحالة الحاضرة مع إيمانه الجازم بأنه لا خلاص بدون ألم أو صليب، هذا الصليب الذي يطالبنا بالعودة الى أصولنا الحقيقية في المحبة والتسامح واحترام الغير، على حد تعبيره. وبالتالي فإنه يناشد الأنظمة العربية بالوعي، وإطلاق الحرية والديمقراطية لشعوبها والتّحرر من الخوف وحل مشاكلها، لأنَّ الشعوب العربية في رأيهِ لا ينقصها المال ولا الخبرات والقوى البشرية والمهارات حيث إن الطريق الى ذلك في حرية التعبير والرأي والعقيدة من خلال قوانين حضارية حديثة.
وكما سبق وذكرنا أن المقالات الواردة في كتاب الأب ابراهيم متنوعة ومتعددة الأهداف والمضامين، فإننا نجد ضمن هذه المقالات أحاديث ومداخلات لاهوتية روحية تنعش الروح وتشرح الصدر لرهافتها وتأثيرها في النفس من حيث مواضيعها ومغازيها، ولشدّ ما يؤثر في أفئدتنا وقلوب المؤمنين الحقيقيين برسالة الفادي ما جاء في عظة الأب ابراهيم عن " الصليب الكريم المحيي " ( ص 235 ) التي يمجّد فيها صبر السيد المسيح في عذاباته وآلامه، والتي نجدها في أيامنا الحاضرة عند الكثير من المسيحيين الذين يتقبلون العذاب بفرح، ويتحملون الاضطهاد والتشريد والذّل بصبر وفرح كالسيد المسيح الذي افتدانا بدمهِ على الصليب. ومن هنا كان فخر كل مؤمن مسيحي بالصليب لأنه قوة الله لدى المخلّصين.
وفي ختام هذه السطور الأخيرة عن الصليب. صليب المحبة والفداء والخلاص، لا يسعني إلّا أن أتقدم للأب الفاضل ابراهيم داود بخالص التقدير والاحترام مشيدًا بجهوده المحمودة في كتابة مقالات هذا الكتاب التي يستحق عليها كل إطراء وثناء ، فله منا أطيب التمنيات بالصحة والعمر المديد مع أصدق التحيات والمزيد من التوفيق والعطاء، وسلام المسيح في قلبك.



(كفرياسيف)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الانتخابات والوحدة الحقيقية

featured

سياسة تفريغ الأجساد

featured

ملاحظات عن لقاءات مع الطلاب

featured

كازينو توني بلير والسلطة الفلسطينية

featured

حكومة إفقار، تجويع، واستغفال!

featured

عن الخلط بين الارهاب والمقاومة